الراصد القديم

2012/03/14

سيارات تُصفّح "ليلاً" وتتجوّل في وضح النهار

::
"القصة ما بتحمل مزح، وصل الموس عَرقبتنا"، هكذا يبرّر أحد النواب الحاليّين (ف. ا.) حرصه الشديد، الذي لامس في نظر المقرّبين منه "الوسواس"، لرفضه التنقل ولو بضع كيلومترات خارج العاصمة وحتى داخلها، إلا بسيارة مصفّحة، مضيفاً: "إذا ما متت ما شفت مين مات؟". حال من الهلع المشترك يهيمن على عدد كبير من السياسيّين الذين تدافعوا في الآونة الأخيرة لاقتناء سيارة مصفّحة. حيال السرّية والتكتّم الشديدين اللذين يرافقان هذه الظاهرة أسئلة كثيرة تطرح، منها: هل في لبنان شركات مرخّص لها للتصفيح؟ ماذا عن "الدكاكين" غير الشرعية... من يضبط عملها ويراقب قواعد التصفيح فيها؟ وأين وزير الصناعة منها؟

تتعدّد أنواع السيارات المصفّحة وموديلاتها، إلا أنّ الهدف الأبرز منها تحويلها إلى أكثر وسائل التنقل أماناً وسلامة، مع الحفاظ على الجانب الفنّي والجماليّ منها. إلا أنّ شتى مراحل التصفيح لا تخلو من الدقة والحرفية، ولا سيّما أنّ السيارة المصفّحة تُعرَف بسيارة الهروب، على اعتبار أنّ من مسؤوليتها الفرار ومساعدة من في داخلها على النجاة. من هنا تتركز عملية التصفيح على توفير الحماية اللازمة لكلّ ما له صلة في تشغيل السيارة وإقلاعها، منها المحرّك، البطاريّة، الرادياتور، خزان الوقود إلى جانب القطع الأخرى.

هكذا تُصفّح...

في البداية يتم تفريغ السيارة من كل ما تحتويه من قطع ومعدات، فيغدو هيكلها فارغاً. وفيما بعد تضاف تباعاً صفائح من الفولاذ البالستي، المقاوم للصدمات ولآثار الأجهزة المتفجّرة التي يمكن أن تتواجد في أسفل السيارة أو إلى جانبها. بعدها يتمّ تصفيح الأجزاء الداخلية السفلية (أرضية السيارة) والعلوية، أما الأعمدة الأمامية والمتوسطة فيتم حمايتها وتدعيمها بواسطة معدن بالستي على نحو يسمح لها بتحمّل وزن الأبواب، كذلك الزجاج الأمامي والخلفي وعلى الجوانب. كما يتم تصفيح الهياكل الخارجية: الرفراف الأمامي والخلفي، الإطارات والجنوطة". وخلال هذه المراحل، يولى "جدار النار" أهمية خاصة، فهو الجدار الفاصل ما بين المحرّك ومقصورة الركاب والمتداخل بإطار الزجاج، فتتمّ حمايته بالمعدن البالستي. إلا ان عملية الحماية لا تنتهي عند هذا الحد، فيتم التصفيح خلف نظام الإضاءة، وتركيب إطارات ضد الرصاص لتؤدي وظيفتها في حال ثقبت إطارات السيارة، ويتم تعديل نظام التعليق لتحمل الوزن الإضافي الناتج عن عملية التدريع.

وللتصفيح مستويات...

بالتزامن مع مراحل التصفيح، تبرز مستويات متفاوتة، على نحو أنه كلّما كان المستوى عالي الجودة، كلّما زادت الفائدة من التصفيح. فهناك مستوى (B4)، وقد صُمّم للحؤول دون محاولات الاختطاف باستخدام أسلحة نارية قصيرة ومتوسطة المدى، على غرار المسدّسات عيار 44، ومسدّسات عيار 9 مم وما دونها. ويُعتمَد مستوى (B6) لحماية المركبات المستخدمة في مناطق خطيرة جداً وتشهد ارتفاعاً في نسبة وقوع الحوادث. أما مستوى (B7)، فهو التصفيح المثالي المتوافر في لبنان للتصدّي لمعظم أنواع الذخائر والأسلحة، من مختلف الزوايا.



إقبال مرتبط بالوضع الأمني

ولتسليط الضوء على تفاصيل عملية التصفيح، قامت "الجمهورية" بزيارة خاصة لشركة "أوكتاغون إنفست"، "الوحيدة المرخّص لها" في لبنان حسب وزارة الصناعة. وبعد جولة في أرجائها، كان لنا حديث خاص مع رئيس مجلس إدارتها إيلي سويدان، الذي أكّد حرصه على استخدام مواد أولية مطابقة لأعلى معايير التصنيع في عمليات الإنتاج، فقال: "المكوّنات والمواد المستخدمة لدينا مُعتمدة ومُجازة رسمياً، كما أننا نزوّد الآليات المصفّحة بتقرير اختبار بالستي كامل عن مواد الحماية المستخدمة غير الشفافة، الشفافة والمقاومة للمتفجرات".

ولفت سويدان إلى أن "الإقبال على السيارات المصفّحة مرتبط إلى حدّ كبير بالوضع الأمني الذي تشهده المنطقة من توترات وخطابات متشنجة، واتهامات متبادلة". وأضاف: "على رغم أنّ العدد الأكبر من السياسيين اللبنانيين ينتظرون أن يتلقوا سيارة مصفّحة كهدية عوضاً من المبادرة إلى تكبّد ثمن تصفيحها وتشجيع الصناعة المحلية، برزت أخيراً حاجة محلية ملحّة إلى التصفيح في ظلّ الأوضاع المتقلّبة والهاجس الدائم من عودة مسلسل الاغتيالات".

أما عن كلفة التصفيح، فيجيب: "قد تختلف أسعارنا بعض الشيء، لأننا لا نساوم على حياة الآخرين، ويحدد السعر عموماً بحسب مستوى التصفيح المطلوب، والأكسسوارات المضافة إلى السيارة، لذا قد تبدأ الكلفة من 60 ألف دولار وتتجاوز 120 ألف دولار".

التصفيح... لا يكفي

أمّا عن أبرز التغيّرات التي تطرأ على السيارة المصفّحة، فيقول سويدان: "من شروط التصفيح الناجح ألا يظهر أي علامة فارقة أو مؤشر يميّز السيارة المصفّحة عن غيرها، على رغم التغيّرات التي تطرأ عليها وغير الظاهرة للعيان، على سبيل المثال: "بعد التصفيح، لا تعود تفتح نافذة السائق إلا نحو 10 سنتمترات لضرورات أمنية، كما أنّ وزن السيارة قد يزيد عن 900 كلغ".

في هذا السياق، يلفت سويدان إلى ضرورة مراجعة الصيانة والتأكد من جودة التصفيح بعد فترة معيّنة، فيقول: "لا يكفي الاطمئنان إلى مجرّد الاستعانة بسيارة مصفّحة، لا بدّ من التأكد من متانتها، لا سيّما أنّ العوامل المناخية تؤثّر في السيارات المصفّحة، منها نادراً ما يغادر الكاراج، أما الجزء الآخر فقد يتعرّض إلى أشعة الشمس طويلاً والتي قد تسيء إلى نوعية الزجاج. لذا يجب ألا يغيب عن بال السياسيّين أن التصفيح في طبيعته مزيج من مواد بدورها تخضع للتغيّرات، فالصيانة أساسية".

"كاراجات" غير ممسوكة

من جهة أخرى، لا ينكر سويدان وجود صعوبات وعراقيل تحدّ من تطوير هذه الصناعة، فيقول: "كما كلّ مصلحة تشهد دخول متطفلين عليها، و"كاراجات" غير مرخّص لها تعمل على نحو سرّي وتكتم شديد، فتساوم على سلامة عملائها على حساب تقديم لهم الأسعار التنافسية، المؤسف أنّ الأمور غير ممسوكة، في طبيعة الحال قد يزيد وجود هذه الفئة المخالفة من رصيدنا وثقة المتعاملين معنا". ويضيف: "من الثغرات التي نواجهها على سبيل المثال، أنه يمكن لصناعيّ ان يستحصل على رخصة لإنشاء مصنع لتصفيح السيارات، ولكن عند تسجيل سيارة مصفّحة أو في المعاينة الميكانيكية، يطلب إبراز الشهادة الجمركية على أساس أن السيارة مصفّحة في الخارج وتم استيرادها، أما إذا صفّحناها في لبنان وأجرينا عليها التعديلات الضرورية مراعين شروط السلامة العامة، فتتمّ عرقلتنا وندخل في نقاشات لا تنتهي، هذا إلى جانب غياب أي محفزات أو تسهيلات تذكر تزيد من عزم الصناعيّين".

صابونجيان: نمهل ولا نهمل

وفي حديث مع وزير الصناعة فريج صابونجيان، أكد رغبته في إيلاء هذه الصناعة أهمية "نظراً إلى الحيوية التي يمكن أن تنشئها مصانع التصفيح، لا سيّما في تلبية حاجات الأسواق العربية في ظل الظروف المتوترة المتنقلة". كما انه لم ينف وجود دكاكين للتصفيح "تعمل على حسابها"، فقال: "في ضوء المعلومات التي توافرت لدينا، تبيّن لنا للأسف وجود نحو 8 شركات للتصفيح، واحدة منها فقط مرخّص لها، إلى جانب وجود عدد من المتلطّيين، لذلك نتطلع إلى تنظيم هذه الصناعة وعدم التردّد في دعمها". وأضاف حازماً: "قد تُمهل وزارتنا هؤلاء لترتيب أوراقهم ووضعهم غير الشرعي، إلا انها لن تهمل أو تغضّ النظر عن وجود متطفّلين، لا سيّما ان حياة الناس أمانة في قبضتهم، فهل يمكن المساومة عليها؟ وتابع متسائلاً: "كيف لنا أن نتعاون مع صناعيّين مخالفين؟ لا شك في أننا على استعداد لدعم صناعة التصفيح متى استوفوا الشروط اللازمة".

حماية... مستأجرة

من جهته يؤكّد مدير وصاحب شركة "حلال" لتأجير السيارات، إميل حلال ازدياد إقبال السياسيين على طلب السيارات المصفّحة: "بالتزامن مع الخطابات المتشنّجة والاتهامات المتبادلة، ارتفع إقبال السياسيين من نواب ووزراء حاليين وسابقين، ومن يتعاطون في الشأن العام، على استئجار سيارات مصفّحة وتبديلها من وقت إلى آخر، بوتيرة لم نشهدها في الأعوام المنصرمة، في هذه الفترة تحديداً".

أمّا بالنسبة إلى الموديلات المتوافرة وكلفة استئجارها، فيجيب إميل: "لا شك أنّ الموديلات متنوّعة وترضي كلّ الأذواق، عموماً هي رباعية الدفع، وتتراوح كلفتها ما بين 750 دولار و1500 دولار لليوم الواحد، أو قد تتخطى هذا السعر، حسب موديل السيارة ومستوى تصفيحها".

وفي هذا السياق، يلفت حلال إلى ارتفاع تكلفة جمرك السيارة المصفّحة المستوردة، فيقول: "في إطار عملنا نحن في حاجة على الدوام إلى اقتناء أحدث الموديلات من السيارات المصفّحة، والمؤسف أنّ كلفة الجمرك باهظة، قد تتجاوز المئة ألف دولار للسيارة الواحدة".

في وقت يقف السياسيّون محتارين تجاه الخيارات المتاحة أمامهم لحماية أنفسهم... يبقى السؤال: متى تصفّحون الوضع الأمني؟ وماذا عن سلامة المواطنين والمارة... هل من يبالي بأرواحهم أو "لا مين شاف ولا مين دِري"؟
ناتالي إقليموس::

"الجمهورية"

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر