الراصد القديم

2012/03/31

انعزاليوا لبنان والحب المفاجئ للشعب السوري


هاني السوري

المارونية السياسية هي تاريخيا العدو الأول لسورية والشعب السوري (كما أن الصهيونية هي العدو الأول لفلسطين والشعب الفلسطيني). أنا لا أريد أن أسترسل كثيرا في التاريخ ولكنني سوف أذكر نقاطا سريعة.

الموارنة الانعزاليون هم الذين أقنعوا جورج بيكو (القنصل الفرنسي في بيروت قبل الحرب العالمية الأولى) بأن يطالب بوضع سورية تحت الاستعمار الفرنسي.

جورج بيكو ذهب إلى فرنسا في بداية الحرب العالمية الأولى وشكل “لوبي” هدفه وضع سورية تحت الانتداب الفرنسي، ولولا هذا اللوبي الذي شكله بيكو لما كانت فرنسا فكرت في استعمار سورية لأن سورية بلد خال من الثروات الطبيعية وليست فيه أية ميزة تغري باستعماره.

وبسبب هذا اللوبي (الذي كان يضم في عضويته كثيرا من الموارنة المقيمين في فرنسا) تم توقيع اتفاقية سايكس-بيكو المشؤومة التي أدت إلى تقسيم المشرق العربي.

عندما نزلت القوات الفرنسية في بيروت في عام 1919 (تطبيقا لاتفاقية سايكس-بيكو) استقبلها الموارنة الانعزاليون بالأعلام الفرنسية والتهليل والترحيب، ثم أنزلوا العلم العربي عن مناطقهم ورفعوا مكانه العلم الفرنسي وصاروا يطالبون فرنسا بأن تبقى للأبد.

ثم بعد ذلك بدأت فرنسا بضم المجندين الموارنة إلى ما يسمى بـ”الفرقة السورية” division de Syrie التي كانت جزءا مما يسمى بـ”جيش المشرق” armée du Levant وهو الجيش الفرنسي الذي كان مكلفا باحتلال سورية.

أرسل الموارنة وفودا إلى مؤتمر فرساي (الذي انعقد في فرنسا في عام 1919) بقيادة إلياس حويك (بطريرك الموارنة) وإميل إده (من موارنة دمشق)، وهذه الوفود ألحت على الفرنسيين بتقسيم سورية وإقامة دولة للموارنة تضم جبل لبنان وما حوله، فحصلوا على وعد من جورج كليمنصو (رئيس وزراء فرنسا) بإقامة دولة للموارنة تضم جبل لبنان ومناطق محيطة به لم يكن لها تاريخيا علاقة بجبل لبنان ولا بالموارنة. هذا الوعد الذي حصل الموارنة عليه من الفرنسيين هو النظير السوري لوعد بلفور الذي تسبب بنكبة فلسطين.

عندما أعلنت الحكومة العربية في دمشق رفضها للاستعمار الفرنسي وللاتفاقيات المرتبطة به شن الموارنة وصحفهم في بيروت حملة لاذعة على الحكومة العربية ووصفوها بأنها حكومة انقلابية وخارجة على الشرعية.

ثم بعد ذلك عقد زعماء المارونية السياسية مؤتمرا في قرية “بعبدا” قرب بيروت وجروا إليه بعض زعماء الدروز (الذين يقيمون في تلك المنطقة) وتم في هذا المؤتمر إعلان قيام دولة لبنان الموعودة.

ثم صدر “إنذار غورو” المشؤوم وقام “جيش المشرق” الفرنسي بغزو سورية في عام 1920.

بعد أن دخل غورو إلى دمشق قام باستعراض عسكري فيها وزار قبر صلاح الدين وشمت فيه في قبره ثم أعلن إلغاء الدولة العربية وطرد الملك فيصل من سورية.

ثم تباحث غورو مع كليمنصو فطلب منه كليمنصو تقسيم سورية إلى 8 دويلات والسبب الأساسي في ذلك هو الوعد الذي قدمته فرنسا للموارنة بإقامة دولة لبنان.

قام غورو بتقسيم سورية إلى 6 دويلات إحداها دولة “لبنان الكبير” التي كانت تضم مناطق سورية ليس لها علاقة بجبل لبنان (شمال لبنان والبقاع وجنوب لبنان وبيروت). وقام غورو بإعطاء الحكم الذاتي لعشائر حوران ودير الزور (وهذه التقسيمات سببت مصائب كبيرة فيما بعد).

دولة “لبنان الكبير” ضمت مينائي طرابلس وبيروت وهما الموانئ السورية الوحيدة في ذلك الوقت (خاصة ميناء طرابلس الذي كان ميناء سورية الأساسي) مما ترك سورية بدون موانئ، وهي ضربة اقتصادية قاصمة. أيضا دولة “لبنان الكبير” ضمت سهل البقاع الذي كان المنطقة الزراعية الأساسية في ريف دمشق.

طوال فترة الانتداب الفرنسي كان الموارنة يرفضون بشدة وضراوة أي مسعى لتوحيد سورية وكانوا يعتبرون أن فكرة الوحدة السورية تعني زوال لبنان، ولذلك تعنتت فرنسا بشدة ورفضت توحيد سورية، وهو ما أدى إلى ثورات واضطرابات ومشاكل لا تعد ولا تحصى في سورية طوال فترة الانتداب، وهذه الاضطرابات والمشاكل أعاقت نمو سورية الاقتصادي والسياسي وأضاعت من عمر البلد أكثر من عقدين من الزمن.

في عام 1936 وصل الاشتراكيون إلى الحكم في فرنسا وذلك لأول مرة في التاريخ (وظلوا في الحكم لأقل من سنة). خلال هذه الفترة القصيرة وقع الاشتراكيون مع سورية اتفاقية العام 1936 الشهيرة التي كانت أول موافقة فرنسية على توحيد سورية، ولكن الاتفاقية لم تطبق لأن البرلمان الفرنسي رفضها، وبدلا من أن تقود هذه الاتفاقية إلى توحيد سورية تسببت في ضياع جزء منها هو لواء إسكندرون الذي احتلته تركيا بعد الاتفاقية بعامين. الموارنة كانوا من أشد الرافضين لهذه الاتفاقية وكانوا يعتبرون أنها خيانة لهم من فرنسا، والسبب هو أن الاتفاقية كانت تنص على توحيد سورية رغم أنها لم يكن لها علاقة بلبنان.

توحدت سورية في عام 1942، وعند إنشاء الجامعة العربية في عام 1945 ربط موارنة لبنان انضمامهم إليها بألا يكون في ميثاقها ما يشير إلى “الوحدة السورية” سواء ضمت هذه الوحدة لبنان أم لم تضمه.

في الخمسينات تحالف لبنان مع أميركا ضد سورية والعرب، وعندما قامت الوحدة بين سورية ومصر في عام 1958 قام الرئيس اللبناني كميل شمعون باستدعاء قوات المارينز الأميركية إلى لبنان، وشنت الصحف اللبنانية حملة شعواء على الوحدة السورية-المصرية وشجع لبنان المعارضين للوحدة ودعمهم.

في عام 1967 لم يشارك لبنان في الحرب وظل على الحياد.

بعد أن اندلعت الحرب الأهلية في لبنان كان الموارنة في أواخر السبعينات مهزومين أمام المسلمين والفلسطينيين، فتدخلت سورية وأنقذتهم من الهزيمة التامة وربما المذبحة، وكان الموارنة عندما تدخلت سورية لا يسيطرون إلا على 10% من لبنان.

خاض الجيش السوري في أواخر السبعينات معارك ضد الفلسطينيين والمسلمين في لبنان، والهدف (الرسمي) من هذه المعارك كان تطبيق اتفاقية السلام التي أنقذت الموارنة من الهزيمة التامة.

بعد أن أنقذت سورية الموارنة من الهزيمة التامة على أيدي المسلمين والفلسطينيين قرر فطاحل الموارنة أن الحل الأمثل لقضيتهم هو تقسيم لبنان وإقامة دولة مسيحية خالصة فيه، ولتحقيق هذا الحلم بدؤوا اتصالاتهم مع إسرائيل في أواخر السبعينات وكانت هذه بداية الحلف بين الصهيونية والمارونية السياسية.

الحلف الماروني-الصهيوني تجسد على أرض الواقع أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982، حيث أن الميليشيات المارونية تحالفت مع الجيش الإسرائيلي واستغلت وجوده لاحتلال مناطق المسلمين والفلسطينيين وارتكاب مجازر بحقهم من قبيل مجزرة صبرا وشاتيلا التي نفذتها ميليشيات مارونية بغطاء إسرائيلي.

أثناء وجود الجيش الإسرائيلي تم انتخاب بشير الجميل رئيسا للبنان، وبشير الجميل هذا كان أكبر دعاة تقسيم لبنان والتحالف مع إسرائيل.

بعد اغتيال بشير الجميل استلم أخوه أمين الحكم، فقام أمين الجميل بتوقيع اتفاقية 17 أيار الشهيرة مع إسرائيل والتي كانت تنص على اعتراف لبنان بإسرائيل وشرعنة احتلال إسرائيل لجنوب لبنان.

بعد أن بدأت المقاومة ضد الجيش الإسرائيلي في لبنان فرت القوات الإسرائيلية بسرعة إلى جنوب لبنان وحلت محلها قوات من حلف الناتو، ولكن انتفاضة اللبنانيين المسلمين (المدعومين من سورية) أدت إلى إلغاء اتفاقية 17 أيار، وأدت المقاومة المسلحة إلى هروب حلف الناتو من لبنان في عام 1986، وبذلك هزم الموارنة واضطروا لتوقيع اتفاق الطائف الذي يلبي الشروط السورية.

خلال فترة “الوصاية السورية على لبنان” بعد توقيع اتفاق الطائف تسببت المارونية السياسية بإصدار “قانون محاسبة سورية” في أميركا والذي أدى إلى فرض عقوبات أميركية على سورية، ثم بعد ذلك حصلت “ثورة 14 آذار” وكل ما رافقها من اعتداء على سورية وقتل للسوريين في لبنان.

هذا التاريخ الوجيز هو تاريخ المارونية السياسية، وهو يظهر مدى محبة هذا الفكر لسورية وحرصه عليها.

المارونية السياسية هي فكر أسس على العداء لسورية ككيان، مثلما أن الصهيونية أسست على العداء للكيان الفلسطيني العربي. المارونية السياسية ربطت نفسها منذ نشأتها بمبدأ أوحد هو القضاء على سورية، وهذا المبدأ هو ما يحرك حاملي هذا الفكر ويحكم تصرفاتهم.

المارونية السياسية هي فكر وليس طائفة. المارونية السياسية في بداية نشأتها كانت مرتبطة بالموارنة، ولكنها الآن لم تعد مرتبطة بالموارنة لأن كثيرا من المسلمين في لبنان صاروا يحملون هذا الفكر. تيار سعد الحريري هو تيار يضم مسلمين سنة ولكن أفكار هذا التيار هي نفس أفكار المارونية السياسية.

حاليا هناك قسم كبير من الموارنة في لبنان ممن لا يحملون فكر المارونية السياسية التاريخي. في المقابل هناك كثير من المسلمين ممن يحملون هذا الفكر.

عندما يأتي عتاة المارونية السياسية كخطار أبو دياب وفارس سعيد وسمير جعجع وسعد الحريري وغيرهم من رموز “14 آذار” ويتباكون على الشعب السوري وما يحدث له من انتهاكات لحقوقه فهذا حتما ليس بسبب محبتهم له.

هذه العواطف الجياشة التي تأتينا من “14 آذار” هي نفس العواطف الجياشة التي تأتينا من الصحف الإسرائيلية ومن إيهود باراك ونتنياهو. هؤلاء الناس يريدون التخلص من سورية ككيان، لأن هذا هو أساس عقيدتهم. عقيدة المارونية السياسية هي أن مجرد وجود سورية ككيان هو تهديد للبنان، ولذلك فهم سيشعرون بالسعادة البالغة إن قامت حرب أهلية في سورية أو أتى نظام ضعيف هزيل عميل للغرب.

2 تعليقات:

جلال أبومرعي - أبو مازن يقول...

حضرة الاخ السوري،
تحية من مرابط ناصري،

سوف ابدأ تعليقي هذا بمقولة ارددها دائماً: إحترام الرأي الآخر وصاحبه وحقه بالإدلاء به والدفاع عنه واجب وحق وبالأخص عندما يتعارض هذا الرأي مع آرائك الشخصية.

يجب أن أعترف أن سردك لم يكن مملاً واريد ان اشكرك على هذا، اما بما يتعلق بجوهر الموضوع لدي بعض الإستفسارات التي أتمنى على حضرتك تبيينها لي وللاخوة الكرام.

1. هل هناك اي توثيق لكل هذه المعلومات التاريخية ام انها مجرد وجهة نظر أو قراءة خاصة للكاتب.
2. وماذا عن لبنان ووجوده وتاريخه، ام ان لبنان ولد ابان تلك الحقبة التي تم بها تقسيم سوريا.
3. هل كان هناك اي مطامع سورية في لبنان وعلى مر السنين وما هي هذه المطامع واسباب وجودها.
4. طالما انكم تعرفوا وتقروا بوجود مؤامرة مارونية لإلغاء ومحي سورية عن الخارطة وعلى مر السنين، ما كان سبب حمايتكم لهم ونجدتهم ومناصرتهم في لبنان ابان الحرب الأهلية.
5. هل تنفون وجود سوريون موارنة مقيمون وما رأيكم بهم وهل هم متساوون مع باقي الطوائف السورية، وهل وجودهم يشكل خطر على سوريا.
6. ماذا عن باقي الطوائف المسيحية وهل هم جزء من هذا المؤامرة المارونية أو يؤيدونها أو يعارضونها باي شكل من الأشكال.
7. ما رايكم بالعلاقة المارونية-الدرزية وهل لها أي علاقة بعدم تحرير الجولان المحتل حتى اليوم.

في نهاية تعليقي اريد ان اوضح انني لبناني مسلم انتمي الى حركة الناصريون المستقلون-المرابطون فعليّاً وعقائديّاً وسياسيّاً وعسكريّاً حتى آخر نفس، لا اتخفى وراء اسم مستعار، اكتب بإسمي الحقيقي واعبر عن آرائي الشخصية.

جلال أبومرعي - ابو مازن

هاني يقول...

أولا كلامك فيه أخطاء لا لزوم لها لأنني وضحت المسألة جيدا في المقال. ما يلي مذكور في المقال:

هذا الرجل اللبناني ينتمي للمدرسة السياسية المعروفة بـ”المارونية السياسية”. المارونية السياسية هي تاريخيا العدو الأول لسورية والشعب السوري (كما أن الصهيونية هي العدو الأول لفلسطين والشعب الفلسطيني).

المارونية السياسية هي فكر وليس طائفة. المارونية السياسية في بداية نشأتها كانت مرتبطة بالموارنة، ولكنها الآن لم تعد مرتبطة بالموارنة لأن كثيرا من المسلمين في لبنان صاروا يحملون هذا الفكر. تيار سعد الحريري هو تيار يضم مسلمين سنة ولكن أفكار هذا التيار هي نفس أفكار المارونية السياسية.

حاليا هناك قسم كبير من الموارنة في لبنان ممن لا يحملون فكر المارونية السياسية التاريخي. في المقابل هناك كثير من المسلمين ممن يحملون هذا الفكر.

هذا الكلام كله أنا كتبته حتى لا يأتي أحد ويقول أنني أهاجم الموارنة. المارونية السياسية هي فكر سياسي بدأ بالظهور بعد عام 1860 وهو لا يعبر عن الموارنة كطائفة دينية.

فكر المارونية السياسية مر بتقلبات وتغيرات وهو ليس ثابتا. مثلا المارونية السياسية قبل الحرب العالمية الأولى تختلف عنها بعد الحرب العالمية الأولى. قبل الحرب العالمية الأولى أصحاب هذا الفكر كانوا يؤمنون بالتفرنس وجعل جبل لبنان جزءا من فرنسا، ولكن بعد الحرب العالمية الأولى هم تخلوا هذه الفكرة وصاروا يؤمنون بفكرة الدولة المارونية في لبنان الكبير، ثم في ثلاثينات القرن العشرين تخلوا عن فكرة الدولة المارونية وصاروا يروجون لفكرة البلد متعدد الطوائف المحمي من فرنسا، ثم في الأربعينات تخلوا عن فكرة التبعية لفرنسا، وهكذا فإن هذا الفكر استمر بالتطور حتى وصلنا إلى 14 آذار.

وبالنسبة للمصادر فهذا الكلام معروف ومكتوب في معظم المصادر الأجنبية المعنية بتاريخ لبنان وسورية. هذه بعض المصادر:

M. Andrew & Sydney Kanya-Forstner (1981) The climax of French imperial expansion, 1914-1924
Fieldhouse, David Kenneth (2006) Western imperialism in the Middle East 1914-1958
LaMaziere, Pierre (1926) Partant pour la Syrie
Salibi, Kamal (1990) A House of Many Mansions: The History of Lebanon Reconsidered

الجواب على سؤالك الثاني هو: لبنان قبل العام 1860 كان اسم جبل. كلمة “جبل لبنان” هي كلمة كان يعرفها الموارنة المثقفون والمتعلمون ولكن عامة الناس لم يكونوا يستخدمون هذه الكلمة بل كانوا يستخدمون كلمات أخرى (كانوا في الغالب يقسمون الجبل إلى أقسام: القسم الجنوبي جبل الشوف أو جبل الدروز، والقسم الشمالي كان له اسم أيضا نسيت ما هو، وفي الكتب الإسلامية هناك كلمة “جبل الثلج” التي كانت تطلق على كل جبل لبنان، والعامة كانوا يستخدمون هذه الكلمة أيضا على ما أعتقد).

أما إطلاق كلمة “لبنان” على كيان سياسي إو إداري فهو أمر لم يكن موجودا قبل العام 1860، وهذا أمر معروف.

جبل لبنان كان في عدد من الحقب منطقة إدارية تابعة لدمشق أو لبيروت، ولكنه لم يصبح مستقلا إلا بعد العام 1860 عندما أصبح يتمتع بحكم ذاتي ضمن الدولة العثمانية.

أما دولة لبنان بحدودها الحالية فهي خرافة لا وجود لها في التاريخ. هي نشأت لأول مرة في مؤتمر فرساي في عام 1919 كما قلت في المقال.

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر