الراصد القديم

2012/03/12

طائرات بلا طيّار… شرطة جويّة!

لم يعد استخدام الطائرات التي تعمل بلا طيّار محصوراً بالمجال العسكري، فقد أصبحت تُصنّع ويستخدمها مختلف الناس، بمن فيهم الهواة والناشطون والوكلاء العقاريون. «ذي إيكونوميست» سألت: ما تأثير هذه الطائرات على مفاهيم السلامة والخصوصية؟

عندما بدأ الناشطون البيئيون باستخدام طائرات بلا طيّار لتعقب أثر سفن صيد الحيتان اليابانية، كما حصل في شهر ديسمبر الماضي، بدا واضحاً للغاية أن استعمال المركبات الجوية التي تعمل بلا طيّار لم يعد حكراً على القوات المسلّحة، فقوى الشرطة في مختلف أنحاء العالم تميل إلى استعمال طائرات بلا طيار صغيرة لإلقاء القبض على المجرمين الهاربين من العدالة ولمراقبة بعض مسارح الجريمة من السماء. ولّما كان سعر سيارات الدوريات يتخطى بقليل (أو في بعض الحالات يقل بكثير عن) الأربعين ألف دولار، يتم حالياً تطوير جيل جديد من مركبات جوية صغيرة تعمل بلا طيّار تحلّ مكان الطوافات البوليسية ويصل سعرها إلى 1.7 مليون دولار أو أكثر.

صور جوية

بالإضافة إلى مساهمتها في تطبيق القانون، تساعد هذه المركبات على تزويد أي نشاط مدني بصور جوية: مراقبة حركة المرور، التحقق من الكابلات والأنابيب الكهربائية، إجراء مسح للغابات والأراضي الزراعية، التقاط صور جوية، والقيام بدوريات فوق مناطق حرجية بحثاً عن حرائق. في الواقع، لا يُعزى الاستعمال المحدود لهذه الطائرات غير المأهولة إلى أسباب تكنولوجية إنما إلى أسباب تنظيمية. تسمح راهناً إدارة الطيران المدني الأميركي باستعمال الطائرات بلا طيّار لأغراض ترفيهية وليس لغايات تجارية: في وقت سابق من عام 2012، صدر قرار يمنع الوكلاء العقاريين في لوس أنجليس من استخدام هذه الطائرات لالتقاط صور جوية للعقارات التي يبيعونها.


مع ذلك، ثمة تغييرات تلوح في الأفق. عقدت المفوضية الأوروبية سلسلة من جلسات الاستماع حول الموضوع، نُظّمت أخرها في 9 فبراير الفائت لوضع إطار عمل تنظيمي يمكّن المدنيين من استعمال المركبات الجوية بلا طيار على نطاق واسع. في الولايات المتحدة الأميركية، ينتظر القانون، الذي أقرّه مجلس الشيوخ في السادس من الشهر نفسه والذي ينتظر اليوم موافقة الرئيس عليه، أن تقرّ إدارة الطيران المدني قوانين جديدة لتُفتح بموجبها بكل أمان المجالات الجوية أمام الطائرات غير المأهولة اعتباراً من 25 أكتوبر المقبل.

لكن قول ذلك أسهل من فعله. مثلاً، كيف ستتمكن المركبات الجوية بلا طيار من الاستجابة في حال فقدت الاتصال مع عامل التشغيل الميداني؟ هل سيتعيّن عليها العودة تلقائياً إلى موقع محدد مسبقاً أو التوجّه إلى أقرب مجال مفتوح؟ هل يجب تزويدها بنظام مظلي، على غرار الأعداد المتزايدة من الطائرات الخاصة، يساعدها على الهبوط بـ{نعومة» في الحالات الطارئة أو على إنزالها فوراً في مجال مفتوح؟

كيف يجب على الطائرات بلا طيار تعّقب واستشعار طائرة أخرى موجودة في المجال الجوي نفسه وتفاديها؟ أصدرت إدارة الطيران المدني في الولايات المتحدة حتى اليوم حوالى 300 رخصة موقتة تسمح باختبار طائرات بلا طيار في المجال الجوي نفسه الذي تحلّق فيه الطائرات التجارية والخاصة. لكن بما أن أياً من هذه الطائرات المعدّة لاستخدامات مدنية لا يتقيد بقواعد «الاستشعار والتفادي» التي وضعتها إدارة الطيران المدني، لا بد من وجود مراقب ميداني أو طائرة مطاردة لتعقّب الطائرة وإبقائها قيد المراقبة بشكل مستمرّ.

تفادي الاصطدام

تعتبر إدارة الطيران المدني أن الطائرات غير المأهولة التي يوّجهها عن بعد عاملو تشغيل موجودون على اليابسة لا تستطيع رؤية الطائرات الأخرى الموجودة في السماء كما تراها الطائرات المأهولة بالطيارين. تفضّل إدارة الطيران تزويد المركبات الجوية التي تعمل بلا طيار بتجهيزات تمكنها من تفادي الاصطدام بمركبات أخرى في الجو وتفادي الفشل في تسديد الضربات. بالتالي، يكمن الحل لمشكلة «الاستشعار والتفادي» في استعمال مجموعة مسابر صوتية خفيفة الوزن مزوّدة بجهاز لمعالجة الإشارات. ستسمح هذه الأجهزة، عن طريق تصفيتها لضجيج الرياح، بالتعرّف إلى سائر الطائرات في السماء وتحديد موقعها، ثم إرسال تعليمات إلى مشغّل الطائرة على اليابسة كي يتفادى الاصطدام بالطائرة أو كي يمكّن الطائرة من أن تقوم من تلقاء ذاتها بعمليات مراوغة. يزن مثل هذا النظام، الذي طوّرته شركة الأبحاث التعاقدية SARA الواقعة في سيبريس بكاليفورنيا، ما يقارب الـ225 غراماً.

لكن نظراً إلى صغر حجم كثير من الطائرات غير المأهولة وإلى البيئة التي تُستخدم فيها، قد تكون مهمّة تزويدها بأنظمة «الاستشعار والتفادي» المتطوّرة عسيرة. يُذكر أن معظم الطائرات غير المأهولة التي تطمح شركات الطيران المدني إلى امتلاكها أكبر بقليل من الطائرات التقليدية وبوزنها تقريباً. من جملة هذه الطائرات، الهيلوكوتبر غير المأهولة التي تتباهى بها عناصر الشرطة الأميركية البالغ عددها ثمانية عشر ألف شخص والتي تُدعى «كيوب». هذه الطائرة المزوّدة بأربع دوّارات والمصنّعة من شركة AeroVironment في كاليفورنا تزن حوالى 2.5 كلغ، وتسع بكل سهولة في صندوق السيارة، فضلاً عن انها تتركّب في دقائق قليلة لتصبح بعدها طائرة استطلاع قادرة على التحليق في السماء لمدة 40 دقيقة متواصلة. (من بعدها سيتعيّن شحن بطاريتها)

.
تتمتّع «كيوب» وغيرها من طائرات غير مأهولة ذات الحجم نفسه، بطاقة حركية تعادل ضربة العصفور. بتعبير آخر، الخطر الذي تشكّله هذه الطائرات على الطائرات الأخرى في السماء والممتلكات على اليابسة، يوازي الخطر المتأتي عن ضربة عصفور. صحيح أنه لا يجب الاستخفاف بهذه الحقيقة، إلا أنها في المقابل واقع تعلّم المجتمع التعايش معه. بالإضافة إلى ذلك، يفترض أن تكون هذه الطائرات قادرة على الطيران على ارتفاع لا يتخطى 120 متراً وعلى مسافة تبعد على الأرجح خمسة كيلومترات على الأقل عن المطارات (على غرار الأحكام التي ترعى حركة الطائرات التقليدية). وليست الطائرات بلا طيار شبيهة بالفئة الأولى من الطائرات التي تستخدمها حركة الطيران التجاري، أي أن تعريض الحياة للخطر ووقوع اصطدامات جوية احتمال غير مستبعد.

هل ثمة مكان لا تُنتهك فيه الخصوصية؟
مع ذلك، ليست سلامة الطائرات المدنية التي تعمل بلا طيار المسألة الوحيدة المثيرة للقلق، فثمة أيضاً مسألة الخصوصية.
في الولايات المتحدّة الأميركية أقلّه، لم ينص لا الدستور ولا القوانين العامة على ما يمنع الشرطة أو وسائل الإعلام أو أياً كان من تشغيل طائرات بلا طيار لغايات رقابية واستطلاعية. لكن نظراً إلى أحكام القوانين الأميركية، يحق للأميركيين أن يكوّنوا توقعات معقولة حول مفهوم الخصوصية في الأماكن العامة بما فيها بعض أقسام باحاتهم الخلفية التي يمكن رؤيتها من بعض المواقع المهمّة مثل السماء.

كانت المحكمة العليا الأميركية واضحة للغاية في هذا الشأن، وقد قال اتّحاد الحريات المدنية الأميركي (مجموعة حقوقية تنظّم حملات دفاعاً عن القضايا) إن الطائرات بلا طيار تضع قيد الطرح «مسائل خصوصية غايةً في الأهمية» وتدفع الولايات المتحدة «رغماً عنها إلى دخول حقبة المراقبة الجوية من دون اتخاذ أي تدابير لحماية الخصوصية التقليدية التي لطالما تمتّع بها الأميركيون وتوقعوها».

أكثر ما يشغل بال اتّحاد الحريات المدنية هو استعمال طائرات بلا طيار لأغراض الرقابة والاستطلاع. صحيح أن مخاوف الاتّحاد مبرّرة وشرعية، إلا أنه ليس من الصعب في المقابل تخيّل طرق أخرى تستطيع بواسطتها المركبات الجوية التي تعمل بلا طيار اختراق خصوصية الأفرد. نظراً إلى التقدّم الكبير الذي يشهده هذا المجال العلمي، حري بنا أن نسأل، إلى متى سيرسل مصورو الصحافة الصفراء طائرات تشبه الحشرات لتختلس النظر إلى حياة المشاهير؟ ومتى يبدأ استعمال هذه الطائرات لأغراض التجسس الصناعي؟ لمّا كانت لهذه الطائرات استخدامات كثيرة بما فيها تطبيق القانون، واستخدامات زراعية وأخرى لها علاقة بالتعافي من الكوارث، واستخدامات هندسية وأمنية، يبدو أنه في الأعوام المقبلة سيطلق الآلاف منها في المجالات الجوية. لكن لا تستبعدوا أن تثير هذه الخطوة دعاوى قضائية كثيرة يتهم فيه أحد الأطراف الطرف الآخر بانتهاكه خصوصيته!


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر