الراصد القديم

2012/03/12

دهاء الغنوشي يدق أبواب الاتحاد العام التونسي للشغل

بعد شهر من الأزمة بين حركة النهضة الإسلامية والإتحاد العام التونسي للشغل، لم تجد الحركة من مخرج سوى الانحناء إلى نقابة العمال أقوى المنظمات الاهلية التي تتمتع بقبول واسع في المجتمع التونسي نتيجة عراقة نضالها في الدفاع عن حقوق العمال واستقلاليتها عن الأحزاب السياسية.

واضطر راشد الغنوشي إلى أن يخرج من مكتبه ويتوجه إلى "ساحة محمد علي" وسط العاصمة تونس حيث مقر الإتحاد ليطرق باب الأمين العام للإتحاد حسين العباسي لـ "إزالة عوامل الاحتقان في البلاد" على حد تعبير بيان أصدرته النهضة عقب اللقاء.

وقال إن "رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، أدى زيارة السبت إلى المقر المركزي للاتحاد العام التونسي للشغل حيث كان له لقاء مع الأمين العام للمنظمة الشغيلة حسين العباسي".

وأشار البيان إلى أن هذه الزيارة تتنزل "في إطار الحرص على دعم مناخات الحوار وإزالة عوامل الاحتقان في البلاد" و"ضرورة تجاوز المشكلات من خلال الحوار".

وكان العباسي حذّر حركة النهضة من مغبة "المساس باستقلالية الإتحاد ومن حقه المشروع في الدفاع عن حقوق العمال" .

وحذر النهضة من التداعيات الاجتماعية والسياسية للهجمة الشرسة التي تشنها على الإتحاد مشددا على أن النقابيين "سيستميتون في الدفاع عن استقلالية الإتحاد والدفاع عن حق العمال في الاحتجاج والإضرابات والاعتصامات طالما لم تستجب الحكومة لمطالبهم المشروعة".

وجاءت تحذيرات العباسي على إثر إقدام ما أسماها الإتحاد بـ "ميليشيات حركة النهضة بمهاجمة مقراته المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد وإحراقها وإتلاف وثائها" ردا على حركات الاحتجاج التي ينظمها الإتحاد ضد أداء حكومة حمادي الجبالي الأمين العام لحركة النهضة.

وتجمع القوى النقابية والسياسية التقدمية على أن الإتحاد العام التونسي للشغل يتعرض حاليا لـ"حملة شرسة وبغيضة هدفها تركيع النقابيين وتجريد منظمتهم من استقلاليتها التي دافعت عنها في عهدي الزعيم بورقيبة الرئيس بن علي" على حد تعبير منجي الصحراوي عضو ناشط في الإتحاد.

وخلال شهر استماتت قيادات إتحاد الشغل في الدفاع عن حق العمال في الاحتجاج.

وبعث الإتحاد برسالة قوية هزت حركة النهضة حين نظم مظاهرة شارك فيها حوالي 3 آلاف شخص ورددوا شعارات معادية للحركة الإسلامية ولحكومتها مثل "الشعب يريد إسقاط الحكومة" و"تظاهرات ومواجهات حتى سقوط الحكومة"، و"لا تمسوا الاتحاد العام التونسي للشغل" و"شعب تونس شعب حر، لا نهضة ولا مؤتمر"، و"يا جبالي يا جبان الإتحاد لا يهان" و"استقالة استقالة يا حكومة العمالة"، و"يا جبالي عار عار بعت الثورة بالدولار".

وبرأي النشطاء السياسيين والنقابيين فإن هجمة حركة النهضة على الإتحاد تتنزل في إطار خطة لـ"كسر شوكة" أهم منظمة ذات ثقل اجتماعي وسياسي تقوم بدور كبير خلال هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها تونس.

ويقولون إن النهضة باتت على قناعة بأن القوة الوحيدة التي تشكل "خطرا" على مشروعها هو إتحاد الشغل في ظل تشرذم قوى اليسار والقوى الديمقراطية، لذلك فإنها تسعى للحد من نشاطه من أجل إخلاء الساحة الاجتماعية والسياسية من أية قوة لتستفرد بالساحة السياسية.

ودفعت "حملة ميليشيات النهضة" على الإتحاد بالأحزاب السياسية ونشطاء المجتمع المدني إلى إصدار بيانات استنكار وتحذير من مغبة استهداف أعرق منظمة نقابية مثلت على امتداد أكثر من نصف قرن فضاء ديمقراطيا لمختلف مكونات المجتمع التونسي حتى أن عديد زعماء الأحزاب السياسية أدت زيارات مساندة لمنظمة العمال والتقت قياداتها وأعربت عن دفاعها على إستقلاليتها.

وأكد المحللون ان النهضة "خسرت معركة افتعلتها ضد إتحاد الشغل" ووجدت نفسها في موقف ضعف وعزلة في المشهد السياسي، "لذلك لم يجد رئيسها راشد الغنوشي حلا للخروج من المأزق الذي وقت فيه النهضة سوى الانحناء لقيادة الإتحاد والاعتذار عما أقدمت عليه عناصرها من اعتداءات على مقرات منظمة العمال".

وقالت مصادر قيادية في إتحاد الشغل أن العباسي "لم يوافق على استقبال الغنوشي في مكتبه إلا بعد جهود وساطة مضنية قامت بها أطراف سياسية وقوى وطنية ونقلت له مسبقا استعداد الغنوشي للاعتذار والتعهد بعدم المساس باستقلالية الإتحاد وحق العمال في تنظيم حركات الاحتجاج ضد الحكومة".

وبالفعل فقد حرص الغنوشي على التصريح إثر استقباله من قبل العباسي على "استنكاره للأفعال الشنيعة" للاعتداء على مكاتب على الإتحاد وعلى أن "العلاقة بين الاتحاد والنهضة أكبر من أن تفسدها مثل هذه الممارسات" في إشارة إلى اقتحام مكاتب الإتحاد.

غير أن الغنوشي لاحظ أن "اللقاء تنزّل في إطار رفع الشبهات وتنقية الأجواء في البلاد عامة وبين حركة النهضة والمنظمة الشغيلة العريقة" مشيرا إلى أن "النهضة من الناحية السياسية كبيرة بحكم طبيعتها الحزبية والاتحاد يضم تحت لوائه آلاف الشغالين من الناحية المدنية وهما سيعملان صلب توافق بما يخدم مصلحة البلاد".

وقال قيادي نقابي إن حسين العباسي شدد أمام الغنوشي على "استقلالية الإتحاد العام التونسي للشغل وابتعاده عن المشاحنات السياسية رغم أن الشأن السياسي يهم الاتحاد خصوصا مسألة الدستور وبناء دولة مدنية وديمقراطية".

وأضاف نفس المصدر أن العباسي "أكد ضرورة ألا يتم تغيير نمط عيش التونسيين والابتعاد عن العنف".

وبرأي النقابيين والسياسيين فإن الإتحاد العام التونسي للشغل "ربح المعركة بل نجح في كسر شوكة النهضة التي حاولت استهداف استقلاليته من أجل إخلاء الساحة السياسية من أية قوة مضادة" ملاحظة أن "اضطرار الغنوشي لأداء زيارة للعباسي في مكتبه تمثل رضوخا لقوة الإتحاد وانحناء لإرادة العمال".

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر