الراصد القديم

2012/03/02

أيش جاب الشامي على المغربي؟

تحمست الصحافة السورية، اقتداء بخليلتها الصحافة الجزائرية ربما، إلى نشر خبر منع توزيع صحيفة "إل باييس" الإسبانية في المغرب.

لنقف عند سبب المنع أولا. فالصحيفة الإسبانية ذات تاريخ طويل في تصيد كل ما له علاقة بالمغرب وتضخيمه. وفضيحتها في نشر صور لفلسطينيين في مخيمات على أنهم صحراويون لا تزال طرية في الأذهان.

الإرث الاستعماري يحرك "إل باييس" دون أدنى شك. أضف إلى ذلك حساسية الجوار والإصرار على الإبقاء على احتلال اسبانيا لسبتة ومليلية وهما جزء أصيل من التراب المغربي.

أسوة بكل قوة استعمارية سابقة، فأن لوبيات الإعلام والسياسيين من أصحاب العقليات التي تستدعي عصور الأمجاد الغابرة، ستجد ضالتها في "الانتقام" من الدولة التي تحررت من أسرها. هؤلاء، كما نشاهد مرة بعد أخرى في التركات الاستعمارية الفرنسية والبريطانية، انما يقاومون كل مسعى شريف لطي صفحة الماضي والبدء على صفحة نظيفة. فمثلهم، ومثل صحافتهم الصفراء، يعيشون على هذه الأزمات.

الصحيفة نشرت عن كتاب يهاجم العاهل المغربي والتجربة المغربية عموما. والكتاب، على أقصى اعتبار، لا يزيد عن خلطة هشة من الحقائق والشائعات التي تزخر بها الصحافة المغربية، والتي تتناول مختلف القضايا السياسية والسكانية والاقتصادية في البلاد. وللحق، فأن بعض الصحف المحلية المغربية تزيد عما تم تناوله في الكتاب التافه، عندما تصف عالما أسطوريا لا يمت إلى أرض الواقع بصلة في بلاد النهضة والتمنية الحقيقية التي أرساها العاهل المغربي محمد السادس منذ توليه عرش البلاد.

الحماسة الجزائرية مفهومة. فمن وجهة نظر الجار اللدود، لا يوجد شيء صحيحا في المغرب. فالتقدمية الاشتراكية في الجزائر (المحركة بالبترودولار والغازودولار) تسعى منذ عقود إلى تسفيه التجربة المغربية التي بنت بلدا حقيقيا على الرغم من ضعف الموارد الأولية. لم تأت الإصلاحات الدستورية والسياسية المغربية إلا بوجع الرأس للجزائر لأن الجزائري لا بد أن يسأل: لماذا يتقدم "الرجعيون" إلى المشاركة السياسية وتتناوب حكومات يقودها من أمضى سنوات طويلة في المعارضة من اشتراكيين وإسلاميين، في حين يبقى الأمر على ما هو عليه في بلاد "الثورة والمليون شهيد"... والألف جنرال؟

الجديد هو حماسة الصحافة السورية. في وسط أنهار الدماء التي تجري هناك، وعلى إيقاع "زئير" الأسد "المفترس"، لا تجد تلك الصحافة إلا أن تنشر عن كتاب "الملك المفترس" ومنع "إل باييس".

يا ويلاه. بأي تبرير أخلاقي أو حتى صحفي يمكن أن تنشر الصحافة مثل هذا الخبر؟ إذا كانت حمرة الخجل قد ودعت هذه الصحافة منذ وقت طويل، أليس من المنطقي أن تلجأ إلى "دفن" مثل هذا الخبر لأن أول ما سيقفز إلى ذهن القارئ المقارنة مع "المفترس" الحقيقي؟

سيقول قائل، أن الخبر مقصود للقول أن المغرب تشهد "اضطرابات" ولهذا "لا بأس" من أن تدور حرب أهلية في سوريا تحرق الأخضر واليابس. فطالما أن مغربيا واحدا قتل في الاضطرابات (لا زال الجدل يدور حول موته نتيجة عن عنف الشرطة أم لسقوطه من دراجة نارية مسرعة)، فلا بأس من إجراء المقارنات مع 10 آلاف قتيل سوري لحد الآن وقصف للمدن وترويع للآمنين واعتقال عشرات الآلاف.

لم لا. هو تبرير "منطقي" لمثل هذه الصحافة. منْ يعجز عن فهم نكبة بلاده، سيعجز عن التفكير في إجراء المقارنات واستخلاص العبر.

مدرسة الصحافة العوراء رائجة هذه الأيام ويتم تقليدها على نحو واسع. فكما ترى إيران اضطرابات البحرين بعين العدسة المكبرة، وتعمى عن رؤية الكارثة السورية، فأن الصحافة السورية لا تستطيع أن ترتقي إلى الحد الأدنى من إدراك الفرق بين المغرب وسوريا، بين نية الإصلاح والرأفة ونوايا القتل والبطش.

ولكن لا يصح إلا الصحيح. فالناس أذكى من أن يلعب بعقولهم، ولم يعد من مكان لغسل العقول بدماء ضحايا المزايدات و"المقاومة" و"الممانعة".

حقا ينطبق المثل الذي يقول "أيش جاب الشامي على المغربي؟"

علي خير

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر