الراصد القديم

2012/03/12

إنهم يكفّرون المصريين

ذكرتني لغة التكفير التي تستخدم اليوم من قبل بعض الأعضاء المنتسبين لتيارات الإسلام السياسي ضد المختلفين معها، بجماعة التكفير والهجرة في سبعينيات القرن الماضي، هذه الجماعة التي وصلت إلى حد تكفير المجتمع المصري عن بكرة أبيه إلا أعضاءها المنتسبين إليها، وأذكر وقد كنت طالبا بالمرحلة الثانوية، كيف أن أعضاء هذه الجماعة كانوا يعبثون بعقول الشباب والطلاب الصغار ويدفعونهم إلى التمرد على ذويهم وإعلان العصيان عليهم بل والهرب منهم.

أذكر وكنت شاهدا على ذلك أنهم كانوا يكفرون المجتمع ويدعون للخروج عليه، ويحرضون على عدم الصلاة في المساجد والزوايا، ويطالبون كل من ينضم إليهم بالصلاة في أرض خلاء، وعندما كانوا يسألون عن طاعة الأب والأم، يقولون "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، ويفسرونه "أن الشخص إذا أمره إنسان قريب له أو بعيد، صديق أو بغيض لا يجوز أن يطيعه في معصية الله، حتى الأمير الذي يحكم البلاد لا يجوز أن يطاع في معصية الله وكذلك الوالدان الأب والأم فكثير من الأبناء لارضاء آبائهم أو أمّهاتهم يعصون ربهم كل هذا هلاك".

لغة التكفير هذه بدأت ملامحها تتجلى بوضوح في خطب الجمعة خاصة في المناطق والأحياء الشعبية، وعلت نبرتها وتسارعت وتيرتها خلال شهري يناير وفبراير حيث الدعوة للعصيان المدني وقضية التمويل الأجنبي، وقد أشرت في مقال سابق إلى أن إذاعة دينية متخصصة سمحت لأحد مستمعيها أن يكفّر ويخون شباب الثوار، ويتهم إمام جمعة منظمات المجتمع المدني بالعمالة والخيانة والجاسوسية، ومن يتابع تعليقات القراء الأخبار والمقالات المنشورة على الانترنت وتخص ائتلافات الثورة وحركاتها وبعض قياداتها وتعارض تيارات الإسلام السياسي، يتأكد أن الاتهام بالكفر يسري كالنار في الهشيم.

أخشى ما أخشاه أن يصبح المجتمع المصري بين يوم وليلة كافرا أو فاسقا لابد من اهدار دمه أو إقامة حد الحرابة عليه، وأن يتحول الاتهام بالكفر إلى سلاح يوجه لكل من تسول له نفسه الاختلاف أو الاعتراض مع آراء وأفكار وتفسيرات الأخوة أصحاب تيارات الإسلام السياسي.

أقول هذا وأضع صوتي تأييدا للسيدة ميرفت التلاوي والمجلس القومي للمرأة ـ بغض النظر عن كوني متفقا أو غير متفق معه ـ في رفعها بلاغا للنائب العام ضد تكفير المجلس واتهامه بالعمالة، وفقا لتصريح لها نشره موقع جريدة التحرير مساء 10 مارس، جاء فيه "المجلس أخذ قرارا بالإجماع بتقديم بلاغ إلى النائب العام ضد أمينة المرأة بحزب الحرية والعدالة، وذلك لاتهامها المجلس بالكفر والعمالة، وأننا أصحاب أجندات خارجية، والمجلس سيرد على الإساءات التي وجهها إليه قيادات بـ (الحرية والعدالة) بالقانون".

هذا ليس أسلوب حوار أو اختلاف أو اعتراض، بل أسلوب إحلال دم، فأن أكفرك يعني أن أخرجك عن الملة والعقيدة، يعني أن أحل دمك، لقد قتل الكثيرون في فترتي السبعينيات والثمانينات والتسعينات نتيجة تكفيرهم. هل تذكرون من حاول اغتيال كاتب نوبل الكبير نجيب محفوظ، اعترف أنه لم يقرأ للرجل لكنه سمع اتهامه بالكفر والخروج عن الملة بسبب روايته "أولاد حارتنا" من بعض شيوخ تيارات الإسلام السياسي.

لقد شهدنا مسيرة لملتحين ومنقبات إلى المجلس القومي للمرأة ضد قانوني الرؤية والخلع ـ وهما قانونان مستمدان من الشريعة وفقا لأكثر من فقيه ـ وسط هتافات تشكل سبا وقذفا مباشرين، مثل "باسم الشرع وباسم الدين يسقط مجلس الإباحية"، و"مجلس امرأة يا مجلس عار بينا وبينكم دم وتار"، أي إباحية وأي دم وأي ثأر.

لسنا ضد الاختلاف والاعتراض ولكن للحوار آدابه وحدوده وسقفه الذي لا ينبغي تجاوزه، لأن التجاوز لن يهدد فئة بعينها ولكن المجتمع بأسره، وإذا كان المجتمع المصري ـ كما يقال لسه على البر ـ فماذا سيحدث لو حكم الأخوان والأخوات؟ ماذا لو تشكلت الحكومة من نائب إلغاء تدريس اللغة الإنجليزية ونائبة التكفير ونائب الكذب الأبيض؟ وماذا لو جاء رئيس مصر من هذا التيار أو ذاك؟ هل ساعتها نقول عليه العوض ومنه العوض على مصر؟

محمد الحمامصي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر