الراصد القديم

2012/04/10

سراييفو بين الأمس واليوم


الان ليتل
صحفي في ال BBC


يقول ليتل:

ثمة مشهد لا يمكنني نسيانه. كهل يخرج من غابة ويتوجه نحوي. كانت الوان الوادي الاخضر الجميل في طور التغير الى البني الخريفي، وكان الصباح باردا ورطبا.

كان هذا الكهل واحدا من اكثر من اربعين الف بوسني طردوا من مساكنهم في بلدة يايتشي وسط البوسنة، وكانوا قد ساروا على اقدامهم ليومين طلبا للنجاة.

فالحرب البوسنية اضافت عبارة جديدة الى القاموس: عبارة "التطهير العرقي"، وهؤلاء هم احدث ضحايا هذه السياسة البشعة.

سألت الرجل عن عمره، فأجاب بأنه ابن الثمانين. "هل لي ان اسألك" قلت له "أأنت من الكروات ام من المسلمين."

اجابني بكلمات ما زالت ذكراها تثير في الخجل رغم مرور عقدين. قال لي: "بل انا موسيقي."

كانت اجابته ردا مفحما للتصنيف الطائفي الذي كنا نحن الصحفيون نستخدمه في رسائلنا الاخبارية، وهو تصنيف اختزل حياة الآلاف من البشر الابرياء والكفوئين الى مجرد صرب او مسلمين او كروات لا اكثر.

لم تفهم الدول الغربية تلك الحرب ولم تستوعب مسبباتها لسنوات. فقد عزى الغرب الحرب الى "احقاد عرقية قديمة"، وحاول اعطاء الانطباع بأن كل الاطراف المشاركة فيها تتحمل نفس القدر من الذنب. وخلص الغرب الى انه لا يستطيع فعل الكثير لوضع حد للمجازر التي كانت تشهدها يوغسلافيا السابقة.

الا ان الامر لم يكن كذلك على الاطلاق. النازحون لم يكونوا يفرون من قتال، إذ في اغلب الاحول لم يدر قتال اصلا حيث ان موازين القوى كانت تميل لطرف او آخر في معظم المناطق بشكل لم يسمح بوقوع صدامات عسكرية.

بدل القتال، كانت هناك آلة عسكرية ضخمة تتنقل من بلدة الى اخرى لتطرد الناس من بيوتهم. قتل في عمليات "التطهير العرقي" تلك الآلاف، واحتجزت اعداد اكبر في معسكرات اعتقال مورس فيها التعذيب والاغتصاب.
التأخير المكلف

استمرت الحرب 44 شهرا، قتل فيها، بالمعدل، مئة شخص يوميا لاكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة. وكل ذلك في بلد صغير لا تتجاوز مساحته مساحة اسكتلندا.

الا ان العالم الغربي لم يتدخل وواصل تخبطه حتى وقعت مجزرة سربرنيتسه التي اجبرت العالم على اتخاذ موقف حاسم. ولكن سربرنيتسه لم تختلف عما كان يحصل في البوسنة بشكل شبه يومي لسنوات. الفرق الوحيد كان في الحجم.

بعد ايام قليلة من لقائي بالموسيقي الكهل، لمستني الحرب بشكل شخصي ومؤلم، فقد قتل المصور الذي كان يغطي الحرب معي في حادث تمكنت انا من النجاة منه.

كان المصور مخرجا سينمائيا شجاعا ومبدعا من مدينة زغرب الكرواتية. كان رفيقا بشوشا لطيف المعشر، وكان يكره الحرب ولكنه كان مؤمنا بضرورة ان توثق عن قرب. كنا نطلق عليه، مازحين، اسم "بطل الحقيقة". بعد مقتله، اخذنا جثمانه واعدنا الى ذويه في بلده كرواتيا.

وفي التشييع الذي اجري له، تكسرت قلوبنا. فقد شلتني مشاعر الغضب والأسى، وشعرت للحظات بالقوى التي غذت تلك الحرب، وهي دوافع الانتقام والانتقام المضاد.

يعشق مراسلو الحروب عملهم، ويشعرون بالذنب نتيجة ذلك. ولكن هذا العمل مرهق نفسيا الى اقصى الحدود. تعود الى بلدك من سوح الحرب، وتشعر بالقنوط عندما ترى مواطنيك لا يكترثون بما يجري ولا يبالون به. يسألك معارفك عن الحرب، ولكنهم لا يستمعون الى ما تقول. ولذا فإنك تفضل صحبة اولئك الذين شهدوا الحرب كما شهدتها انت.

ما زالت الحرب تلاحقني الى اليوم. فعندما اتجول في حديقة هايد بارك بلندن، اتعمد تحاشي السير على الارض المعشبة مخافة ان تكون ملغومة، واجد نفسي اتفحص اسطح مباني شارع اكسفورد التجاري بحثا عن القناصة.

ومع ذلك، اجد في نفسي حنينا الى تلك الايام.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر