الراصد القديم

2012/04/21

أبراج عسكرية ومدنية تحاكي تاريخ بيروت قلعة وسوراً

(أبراج الأمس شرفها وأبراج اليوم عارها)
















د. حسان حلاق
مؤرخ وأستاذ جامعي


كان يتخلل سور بيروت المحروسة بعض الأبراج العسكرية العاملة في حماية بيروت، كما كان يوجد خارجه بعض الأسوار العاملة للغاية ذاتها. علماً أن بيروت شهدت وجود بعض الأبراج المدنية التي سميت بأسماء العائلات. ولا بد قبل الحديث عن أبراج بيروت من التحدث عن قلعتها الشهيرة. وكانت هذه القلاع والأبراج مركزاً مهماً للعديد من العسكريين والمدنيين الذين يضطرون في كثير من الأحيان للنزول إلى الأسواق والمساجد والزوايا والمؤسسات الحكومية والأسواق، حيث يلتقون بقية البيارتة.
كانت القلعة أو البرج البحري، مقراً للحاميات العسكرية العثمانية، وكان موقعها في الجنوب الشرقي من مدخل مرفأ بيروت فوق محلة مقبرة الخارجة. وقد اشتهرت هذه القلعة بمناعتها وأهميتها الإستراتيجية، نظراً الى موقعها المباشر على البحر، وهي بذلك تشبه قلعة قايتباي في الإسكندرية. وقد توالت بعض الأسر البيروتية التي تميز أفرادها بالقوة والشجاعة، والاشتغال بالأعمال العسكرية منصب "القلعجي" أو حاكم القلعة المعروف باسم (دز دار قلعة بيروت). ومن هذه الأسر: أسرة القوتلي، وأسرة الجندي ديه، وأسرة القلعجي، وأسرة المناصفي... ومن هنا نرى أن لفظ القوتلي مشتق من القوة، فأصبح بصيغة تركية قوتلي أي صاحب القوة، على غرار قدورة المشتق اسمها من القدرة والقوة أيضاً. وروت السيدة المرحومة سعود صالح طبارة – قبل وفاتها – وهي زوجة قاسم القوتلي، أن بعض قرصان البحر الأوروبيين هاجموا قلعة بيروت فجأة، فتصدى لهم جيش القلعة، ووقعت بين الفريقين موقعة شديدة، شاركت فيها نساء بيروت إلى جانب الرجال دفاعاً عن بيروت وقلعتها، وانتهت المعركة بانتصار البيروتيين. وقد احتفظت سعود في حينه بسيف كان يتقلده أحد القرصان، وقد احتفظ حفيدها إبراهيم قاسم القوتلي الذي كان موظفاً في بلدية بيروت في عام 1957 بهذا السيف الأثري.
أما في ما خص تسلم مسؤولية قلعة بيروت في القرن الثامن عشر الميلادي، فقد تولاها الأمير الشيخ عبد السلام العماد، والشيخ حسين تلحوق. ولكن عندما وقعت بعض الحوادث عام 1772، واستتب الأمر في بيروت للأمير يوسف الشهابي، قام هذا الأمير بعزل العماد وتلحوق عن مسؤولية القلعة لميلهما لأحمد باشا الجزار. وأصـدر قراراً عين بموجبه أحد وجوه بيروت صادق الجندي ديه. ولما خضعت بيروت للحكم المصري، عين إبراهيم باشا عام 1840، عبد الله أبو ديه متسلماً على بيروت الذي كان في عهد الجزار (دزدار قلعة بيروت).
ومن الملاحظ أن قلعة بيروت ظلت قائمة بجدرانها القديمة إلى أن دمرتها الأساطيل المتحالفة: الإنكليزية، الروسية، والنمسوية عام 1840، في قصفها على الجيش المصري لإخراجه من بيروت بالقوة. وقد تحولت هذه القلعة جامعاً عرف باسم "جامع المجيدية" في عهد السلطان عبد المجيد، ولهذا سمي المجيدية، وموقعه في محلة ميناء الخشب إزاء البحر.
ومن الأهمية بمكان القول أن بيروت على الدوام كانت تذخر بالقلاع والأبراج والحصون. وكانت الاتصالات تجري بين الخليفة الإسلامي وحكام الأقاليم، من خلال هذه القلاع والأبراج التي تشعل في أحد أبراجها أو في أعلى جبل النار المدخنة، إشارة إلى أخطار قادمة من الخارج. وكان في باطن بيروت وخارجها بعض الأبراج المهمة منها:
برج الأمير جمال: ويعتبر من أهم الأبراج العاملة في بيروت، وقد ورد ذكره في كتاب الشيخ أحمد بن محمد الخالدي الصفدي "لبنان في عهد الأمير فخر الدين الثاني" بقوله: "... وكتب أيضاً (أي الأمير فخر الدين) إلى جميع أهالي بلاد الشوف ليجيئوا إليه بالعدد، وأرسل بلوكباشيين بنفرهما ليمسكوا برج بيت الأمير جمال الدين في مدينة بيروت، لأنه برج منيع وحاكم على جميع المدينة والبيوت". ويرجح أن هذا البرج ينسب إلى الأمير جمال الدين الكبير الجندي، وهو الأمير جمال الدين حجي بن نجم الدين محمد بن حجي أحد ولاة بيروت في القرن السابع الهجري، على حد ما جاء في كتاب صالح بن يحيي "تاريخ بيروت".
برج الكشاف: وموقع هذا البرج في المنطقة المشهورة التي يطلق عليها اسم البرج أو ساحة البرج، حيث ساحة الشهداء. وقد أطلق عليه اسم الكشاف، لأنه كان يكشف تحرّكات الأعداء القادمين من البحر. وكان هذا البرج قريباً من سراي الأمير فخر الدين المعني. وقد عرف هذا البرج باسم البرج الكبير، ويبدو أنه كان أكبر أبراج بيروت، ويعود بناؤه إلى عهد الملك الظاهر برقوق في القرن الثامن للهجرة – الرابع عشر للميلاد – وقد أشار صالح بن يحيي إلى ذلك في قوله: "... وفي أيام السلطان الملك الظاهر برقوق عمر البرج الكبير ببيروت على قاعدة برج من أبراج القلعة الخراب فقرروا به المجاهدين". ويستدل من ذلك أيضاً على أن هذا البرج أقيم على أنقاض إحدى قلاع بيروت المخربة.
ومما يؤسف له أن هذا البرج الذي سمي في القرن التاسع عشر باسم "ساحة المدافع"، قد دب فيه الخراب على غرار أكثر الآثار البيروتية، وما بقي في بيروت من آثار هو أقل بكثير مما كانت تزخر به هذه المدينة. ويذكر أن هذا البرج قد اندثر وتآكل في عهد إبراهيم باشا الوالي المصري في منتصف القرن التاسع عشر. وكان بعض الرحالة قد ذكر إطلاله في عام 1808م. وقد أقيم مكانه أو قربه سراي الحكومة الصغرى القديمة. وقد بنيت هذه السراي بين 1883 – 1884 بإشراف المهندس بشارة أفندي الدب مهندس ولاية بيروت، وذلك بعد هدم سراي الأمير فخر الدين عام 1882، بينما تهدمت السراي الصغرى في خمسينات القرن العشرين.
برج البعلبكية: وموقع هذا البرج إزاء البحر بمحاذاة برج السلسلة، ويعود تاريخه إلى العصور الوسطى. وفي ذلك يقول صاحب كتاب "تاريخ بيروت" في البرج ما يلي: "ولما جدّد الأمير بيدمر نايب الشام سور بيروت على جانب البحر أوله من عند الحارة التي لنا على البحر واصلاً إلى تحت البرج الصغير العتيق عمـارة تنكز نايب الشام، وتعرف ببرج البعلبكية. وجعل بين آخر هذا السور وبين البرج المذكور باباً وركب عليه سلسلة تمنع المراكب الصغار من الدخول والخروج وسمي باب السلسلة".
وقد أطلق عليه " البعلبكية" لأن أجناد (جنود) قلعة بعلبك كانت تتجرد إلى بيروت إبدالاً، كل بدل شهر. ويأتي كل بدل من بعلبك كل سنة للغزو في البحر والدفاع عن الثغور.
برج الباشوراء: وموقع هذا البرج جنوب سور بيروت أي جنوب بيروت القديمة فوق السور، في المنطقة المعروفة باسم الباشوراء، التي تقع فيها جبانة الباشوراء، وقد سميت الباشورة وجمعها بواشير، بمعنى سد من التراب، وقد استخدمت الباشورة في المناطق الإسلامية سداً ترابياً لمنع وصول الخيالة والرجال والسهام إلى موضع المحاربين. ويذكر أيضاً أن برج الباشورة هو ذاته المسمى برج العريس، الذي كان أحد الأبراج العاملة في حماية بيروت. وقيل أن هذا البرج كان يتصل بمغارة تنفذ إلى محلة المزرعة جنوباً.
برج أبو حيدر: وموقعه في المنطقة المعروفة باسمه اليوم قريباً من منطقة المصيطبة، يطل على مدينة بيروت القديمة لما تتميز به من علو وارتفاع. وكان موقعه للجهة الشمالية من دار مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا. وكان هذا البرج من الأبراج العاملة في حماية بيروت وأهلها من غزوات الأعداء. وينسب هذا البرج لأبي حيدر حمود، على غرار بعض الأبراج العسكرية أو المدنية التي نسبت للعائلات البيروتية واللبنانية.
برج دندن: وموقع هذا البرج غرب كركول العبد في طريق الشام جنوب كنيسة السريان الكاثوليك. وينسب هذا البرج إلى الأمير دندن شقيق الأمير فياض الذي جاء مع الأمير فخر الدين المعني عند عودته عام 1618 من طرابلس الشام وبلاد جبيل والبترون. وتنسب عائلة دندن البيروتية إلى الأمير دندن، وكـان هذا البرج قد تآكل وانتهى، ولم يبق منه سوى بعض الأطلال في عهد الحكم المصري في بيروت وبلاد الشام 1831 – 1840.
برج بيهم: وموقع هذا البرج في محلة المصيطبة جنوب بيروت قرب برج أبي حيدر، وقد سمي باسم أسرة بيهم البيروتية، وهو من أبراج المدينة. وقد بنى الحاج حسين بيهم العيتاني الطابق الأرضي من منزله، على أنقاض ذلك البرج. وقد سكن هذا المنزل أمين بيهم رئيس بلدية بيروت السابق وشقيقه صادق ولدا أحمد مختار بيهم، وحفيدا الحاج حسين بيهم. كما سكن في المحلة ذاتها المؤرخ والعلامة محمد جميل بيهم.
برج سلام: وموقع هذا البرج في محلة المصيطبة جنوب بيروت العثمانية، وقد سمي نسبة لأسرة سلام البيروتية. وهذا البرج من الأبراج المدنية، وصاحب هذه الدار والبرج سليم علي سلام (أبو علي) والـد الرئيس صائب سلام، (1905 – 2000). ويلاحظ أن لهذه الدار برجين يطلان على بيروت ومشارفها.
برج القشلة: وموقعه مكان الثكنة العثمانية، وقد بنت الحكومة العثمانية مكانه عام 1853 ثكنة للجند، وهذه الثكنة هي التي حولت منذ عهد الانتداب الفرنسي ومن ثم عهد الاستقلال مقراً للحكومة اللبنانية الاستقلالية، وقد عرف باسم السراي الكبير.
برج السلسلة: وموقع هذا البرج قرب مرفأ بيروت شمالاً، لذا أطلق عليه أيضاً اسم برج الميناء، وفيه سلسلة في البحر خاصة بتنظيم وقوف السفن في ميناء بيروت. وقد هدمته شركة مرفأ بيروت على أثر نيلها الامتياز بإنشاء المرفأ وبدء العمل فيه عام 1887.
برج شاتيلا: وموقعه جنوب غرب منارة بيروت (المنارة)، وقد اتخذ اسمه نسبة لأسرة شاتيلا البيروتية. وقد ذكر الرحالة دارفيو سنة 1660 برجاً عالياً على الشاطئ قرب المنارة. وقال أن الرقيب الحارس يظل فيه، صباح مساء، ليعطي الإشارة عند اقتراب السفن إلى اليابسة.
برج الحصن: وموقعه في محلة الحصن قريباً من محلة الفنادق غرب بيروت، في الموقع المعروف باسم ميناء الحصن. وقد أشارت سجلات المحكمة الشرعية في بيروت إلى أنه ميناء الحسن بالسين وليس بالصاد.
برج الخضر: وموقعه ظاهر بيروت شرق المدينة بمحاذاة البحر. ويقول الرحالة جون كارن عند وصفه لبيروت ما يلي: "... على الهضبة الصغيرة إلى وراء يتجلى برج قديم يقال أنه قريب من الحقل الذي ذبح به القديس جاورجيوس التنين...".
برج حمود: وموقعه قرب برج الخضر شرق بيروت قريباً من الساحل. وقد أقامه أمراء بني حمود المغاربة الأندلسيون الذين وفدوا إلى بيروت للدفاع عنها ضد الصليبيين. وكان أمراء آل حمود قادة على ثغر بيروت وبعض الثغور الشامية. وقد سكن بعضهم في برج الكشاف خارج سور مدينة بيروت.
ومن الأبراج الأخرى العاملة في حماية بيروت وضواحيها: البرج الجديد وموقعه على ربوة إزاء الكنيسة الإنجيلية في محلة بوابة يعقوب عند طلعة الأميركان. أما البرج القديم فكان موقعه في مزرعة القنطاري، وبرج شعبان في محطة الديك بموضع عيادة الدكتور عبد الرحمن سنو، وبرج سيور المبني عام 1851، وبرج البراجنة. وكان يوجد في بيروت خمسة أبراج عسكرية مهمة هي: برج القلعة، برج عليني، برج السنطية، البرج البراني، وبرج الشيخ، وقد ضمت هذه الأبراج سنة 1566 اثنين وخمسين جندياً من طائفة المستحفظان وهم الانكشارية، ويسمون أحياناً باسم "الينكجرية". وهذه الطائفة العسكرية اشتركت في فتح مصر، ومن مهماتهم الحربية أيضاً الدفاع عن القلاع.
وهناك أبراج أخرى منها: برج الشلفون، برج الغلغول، برج الفنار. أما برج الحمراء، فموقعه في المنطقة المعروفة باسم الحمراء. وقد سمي نسـبة إلى أمراء بني الحمراء أمراء البقاع، وهم أول ما سكنوا هذه المنطقة قبل عام 539هـ ومن أشهرهم الأمير الشيخ محمد الحمراء.
ومن أبراج رأس بيروت: برج قدورة، وبرج البواب، وبرج فايد، وبرج الشيخ دعبول وكان موقعه شمال سراي الصنائع (مدرسة الصنائع سابقاً) وتحديداً حيث المصرف المركزي اليوم، وبرج ربيز حيث شارع عمر بن عبد العزيز في شارع الحمراء حيث مقهى مودكا، وبرج اللبان في شارع الحمراء خلف المحلات التجارية المعروفة باسم (A.B.C)، وبرج شهاب قرب برج اللبان في شارع الكومودور، برج شاتيلا في ساقية الجنزير قرب الحرج القديم الذي كان يتوسط هذه المحلة، وبرج عرمان في شارع المعماري قرب آل الارقش خلف مبنى جفينور. ومن الملاحظ أن هذه الأبراج من الأبراج المدنية التي سميت بأسماء العائلات البيروتية، بما فيها برج المصيطبة. وقد أشار صالح بن يحيي إلى هذه المنطقة بقوله: "...كان ملك الأمراء قد رسم لمتولي بيروت بقطع رؤوس قتلى الفرنج، وأن يعمر على ابدانهم مسطبة على باب بيروت..." وأضاف في مكان آخر إن "السلطان نزل على المسطبة التي كانت معروفة بمنزلة السلاطين قبالة الأشرفية..." كما أشار إلى أن الامير بيدمر الخوارزمي هو الذي جلب الصناع وعمّر المسطبة قريباً من البحر لعمارة السفن.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر