الراصد القديم

2012/04/22

ضعف التحليل الاستراتيجي عند العرب


مجدي خليل


المتابع للكتابات العربية يلاحظ مدى ضعف وهشاشة التحليل الاستراتيجي ، بل يمكن
القول بغياب الفكر الاستراتيجي ، أما المحللون الاستراتيجيون الأكفاء فهم
يعدون على أصابع اليد ، والخطر ليس فقط في الفجوة الهائلة بين التحليل
الاستراتيجي في المنطقة العربية والغرب مثلا ، ولكن في أن ما يسمي بالتحليل
الاستراتيجي في العالم العربي ، يقدم رؤية خاطئة ومضللة تقود إلى عكس المرجو
منها ، فيؤدي ذلك إلى اتخاذ قرارات بناء على تصورات وتحليلات خاطئة والنتيجة
في النهاية هي تعاظم الخسائر.

لم أصادف من قبل كتابات عربية تتناول غياب التحليل الاستراتيجي في منطقتهم ،
ولم أسمع عن ندوة أو مؤتمر لتقييم التحليل الاستراتيجي والكتابات الاستراتيجية
، أو ما يسمون بالمحللين الاستراتيجيين، كل شيء يمضي في طريقه ، والكتابات،
سواء أكاديمية أو غير أكاديمية ، مقروءة أو مسموعة أو مشاهدة ، في النهاية ،
هي إعادة تدوير لمياه آسنة تزداد ركودا وتلوثا يوما بعد يوم. والسؤال ما هي
أسباب تردي التحليل الاستراتيجي في المنطقة العربية ؟ بالطبع هناك الكثير من
الأسباب ومنها:
الاستبداد السياسي: من الصعب ازدهار التحليل الاستراتيجي في بيئة مستبدة ،
فالبيئة المستبدة تعمل أصلا ضد الكفاءات وخاصة في المجال السياسي ، كما أنها
لا تحتمل تحليلا سياسيا واستراتيجيا حقيقيا يدعو أول ما يدعو إلى نبذ
الاستبداد كخطوة اساسية للقضاء على التخلف المزمن.
سيادة نمط التحليل الايدولوجي: في أغلب مراكز الدراسات التي يطلق عليها تجاوزا
في العالم العربي مراكز استراتيجية ، إن لم تكن تابعة مباشرة للدولة ، فهي
محملة بالانقسام الايدولوجي السائد في المنطقة، فالمحللون في هذه المراكز في
مجملهم يتوزعون بين الإسلاميين والقوميين ، وهؤلاء يقدمون تحليلاتهم من
منطلقاتهم الايدولوجية ولدعم هذه المنطلقات ، ولهذا تأتي هذه الكتابات محملة
ومعبأة بالفكر الايدولوجي وليس التحليل المحايد ، ومعلوم أن الفكر الايدولوجي
يدمر التحليل الموضوعي وينطلق في مجمله نحو دعم الاطروحات التى تساند
الايدولوجية ، ومن ثم فهو لا يبحث عن المخاطر والتحديات الانية والمستقبلية
على الوطن ، وإنما على مذهبه وأتباعه ، ويقسم الناس إلى أصدقاء وأعداء وحلفاء
بناء على قربهم أو بعدهم من هذه الايدولوجية.
التحليل بالتمني: التفكير بالتمني wishful thinking هو صفة عربية تأتي من شعوب
تسيطر عليها العاطفة ومبعث تحليلاتها الحب والكره ، فهناك عشرات الكتابات عن
أفول الحضارة الغربية ونهاية أمريكا وحتمية زوال إسرائيل .. الخ ، وكلها
كتابات لا تعكس أي رؤية عقلانية أو منطقية، بقدر ما تعكس عاطفة صاحبها تجاه
هذه القضايا. فبعضهم لا يعرف شيئا عن الغرب ولم يزره ، وآخرون يجلسون في
منتجعات عربية ويتخيلون سيناريوهات من وحي الشواطئ والمصايف ويزعمون أشياء
وينسبون أخرى إلى شخصيات وهمية وحقيقية ، والنهاية التي تصل للقارئ هي
أمنياتهم الشخصية ، وليس التحليل الجاد الذي يحتاج إلى بحث مضني ومرهق ، ويفتش
وراء كل رقم يفحصه ويدقق فيه ، ويلهث وراء كل تحليل جديد في الغرب ، ويتابع
ويمحص ويفحص ويدقق ، والتحليل بالتمني يعمي صاحبه عن رؤية الحقيقة.
قسوة الحقيقة: الحقيقة صادمة ، وأغلب التحليلات الاستراتيجية الصحيحة
والموضوعية لا تصب في صالح العرب باوضاعهم الراهنة ، وتحملهم مسؤولية كثير من
الأخطاء ، فهناك اتجاه عالمي الآن على أن العرب هم رجل العالم المريض ،
والمركز الرئيسي لتفريخ الإرهاب الديني وأن متطرفيهم في حالة عداء مع الذات
ومع العالم ، وأنهم يسعون لتوسيع حالة الصدام بشكل متزايد ولا عقلاني مع
المجتمع الدولي ، وأن المعتدلين العرب يعانون من حالة صمت، وكأن المعركة لا
تخصهم رغم أنهم هم الذين سيدفعون الفاتورة الكبرى ، والآن فحالات الاستبداد
العربي تدرس في معاهد العلوم السياسية في العالم. فالمحلل الذي يتناول هذه
الأوضاع البائسة يهاجم بشدة ، ويتراوح الهجوم بين الاتهام بالعمالة ، وعند
الحد الادنى بجلد الذات. ومن يقول الحقيقة يدفع ضريبة ثقيلة ويحتاج إلى شجاعة
خاصة في جو الإرهاب الفكري والفعلي الذي يطارد المحللين المحترفين والمستقلين.
ضعف وقلة معاهد التحليل الاستراتيجي: التحليل الاستراتيجي يحتاج إلى بناء
تعلمي جيد ومعاهد تعليمية متخصصة في عدد كبير من التخصصات الدولية الدقيقة
التي تغطي كافة هذه الفروع ، وكذلك التوزيع الجغرافي للمناطق المختلفة من
العالم ، وحالة التعليم في العالم العربي حاليا لا تصنع عقولا مفكرة مبتكرة
موضوعية محايدة مستقلة نزيهة خلاقة شجاعة.
التعامل مع الكتابات الخارجية الجادة على انها مؤامرة وحرب ضد العرب: هناك
هجوم عربي غير عقلاني على كل تحليل دولي يقترب من تشخيص مشاكلهم وأوضاعهم ، خذ
مثلا الهجوم الضاري على كتاب «صدام الحضارات» لصامويل هنتنجتون ، ففي تصوري أن
هذا الكتاب ينطلق من التحليل الاستراتيجي بالنسبة للمخاطر المستقبلية التي
تواجه الغرب وامريكا ، وهو لم يتحدث عن الخطر الإسلامي من واقع الحب والكره ،
وإنما بعقل استراتيجي بارد ومحايد يحدد بدقة خريطة المخاطر المستقبلية
الخارجية بالنسبة لبلده، ولكن كتابه قوبل في المنطقة العربية وكأنه ينطلق من
كراهية شخصية للإسلام ، الذي لم يقترب منه كدين وإنما كقوة روحية محركة
لايدولوجية عسكرية ، ربما تشكل تهديدا حقيقيا للغرب حسب رؤيته. وفي كتابه
الجديد انطلق هنتنجتون من تحليل استراتيجي آخر وإنما على التحديات الداخلية
المستقبلية على الثقافة الأمريكية والتماسك الأمريكي من جراء تزايد الهجرة من
امريكا الجنوبية وخاصة المكسيكية، وفي كلا الكتابين انطلق هنتنجتون من تحليل
المخاطر المستقبلية على أمريكا سواء الخارجية أو الداخلية بدون أي عداوت مسبقة
وإنما من واقع التحليل العلمي العميق الجاف.
الهجوم على كل تحليل رصين يقترب من الحالة العربية يؤدي إلى تغييب التراكم
المنطقي عند العقلية العربية ، ويساعد على توحش نظرية المؤامرة في العقل
الجمعي العربي ، وهي العدو الأول لأي تحليل منطقي عقلاني.
الهبوط لمستوى الشارع العربي: محاولة المحلل إرضاء الشارع، وخاصة في ما يتعلق
بقضايا التراث والقضية الفلسطينية ، وتحليل أوضاع العالم الإسلامي ، فنمسي
ونصبح امام دائرة مفرغة، محللا يهبط لمستوى الشارع ويزايد عليه ، وشارع يتأثر
سلبيا بتحليل خاطئ ومضلل، والنتيجة تراجع منتظم في مستوى الاثنين.
هذا بعض من كم كبير من العوامل التي تمثل عائقا أمام ظهور مدارس عربية في
التحليل الاستراتيجي الرصين، ونتمنى أن نرى يوما ما مؤتمرا عربيا يتناول هذه
القضية بدرجة أكبر من التفصيل لبحث الأسباب وطرق العلاج.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر