الراصد القديم

2012/04/28

من أيام الفينيقيين إلى صناعة السفن والنقل والتجارة ميناء بيروت مركز استراتيجي مهم ومبعث الإزدهار

د. حسان حلاق مؤرخ وأستاذ جامعي

 تقع بيروت المحروسة على ساحل مميز، يتضمن بعض الخلجان والأجوان، وقد سهل هذا الموقع إنشاء مرافئ فيها وفي بقية المدن الساحلية الشامية. وبيروت من المدن القديمة، ويعود نشاطها إلى ما قبل الميلاد بآلاف السنين، ويستدل على ذلك من سورها العتيق الذي كان يوازي في القديم شاطئ البحر، حيث يمنع تدفق المياه إلى داخل البلد. وقد أشار صالح بن يحيي الى أن "بيروت مدينة قديمة جداً يستدل على قدمها بعتق سورها... ومما يستدل على كبر بيروت وسعتها ما يجده الناس في الحدايق بظاهرها من الرخام وآثار العماير القديمة...". ولقد نشأ في بيروت مرفأ مهم منذ العهد الفينيقي، على غرار مرافئ صيدا وصور وطرابلس وسواها. كما اتخذها الإفرنج مقراً لسفنهم وعساكرهم. ولما خضعت للحكم الإسلامي، كان ميناؤها مركزاً لصناعة السفن الإسلامية خصوصاً في عهد معاوية بن أبي سفيان. ويذكر صالح بن يحيي في كتابه "تاريخ بيروت" بـ "أن بيروت دار صناعة دمشق، وبها عمّر معاوية المراكب، وجهّز فيها الجيش إلى قبرس ومعهم أم حرام واسمها العميصا بنت ملجان زوجة عبادة بن الصامت رضي الله عنهما…".

 كان مرفأ بيروت من المراكز الإستراتيجية المهمة في المنطقة، ذلك أن من يستولي عليه يستطيع التقدم نحو المدينة وبقية المناطق، لأن أكثر العمليات العسكرية كانت تجري بواسطة البحر، وبعضها الآخر بواسطة البر. ولهذا حرص الإفرنج في العصور الوسطى بعد سيطرتهم على بيروت ومدن الساحل، على الاهتمام بتحصين مرفأ بيروت وبالتالي تحصين المدينة، ليتمكنوا من الدفاع عنها ضد المسلمين. ولما استعاد المسلمون بيروت ومدن الشام، حرص الأمير بيدمر الخوارزمي (المتوفى 1387م) على الاهتمام بمرفأ بيروت وتحسينه، خصوصاً أنه استخدمه لتعمير وصناعة السفن الحربية، فأمر بقطع الأخشاب من حرج بيروت لصنع الشواني والسفن، فصنعها ما بين المسطبة أي المصيطبة وساحة بيروت والميناء. ومما يلاحظ أن المنطقة المحاذية لدارة آل سلام في المصيطبة لا تزال تعرف حتى اليوم باسم "العمارة".

وكان الأمير فخر الدين المعني قد أمر بردم مرفأ بيروت تخوفاً من الأسطول العثماني واتقاء لهجماته. ولما سيطر العثمانيون على بيروت وبلاد الشام عام 1516م، شعروا بأهمية مرفأ بيروت، كما شعرت الدول الأجنبية بأهمية هذا المرفأ، سواء على الصعيد الاقتصادي أم على الصعيد الاستراتيجي. ولهذا بدأت أهمية بيروت كمدينة ناشئة تظهر بوضوح. وفي القرن الثامن عشر الميلادي بدأت تحتل مكانة اقتصادية بارزة، وأصبحت أكثر مدن الساحل الشامي تجارة وسكاناً، وذلك بفضل مينائها وعوامل اقتصادية أخرى. وهذا ما دفع التجار الأجانب ولا سيما منهم الفرنسيين المقيمين في صيدا، للكتابة إلى حكومتهم عام 1753، مطالبين بإرسال بعض التجار والصناع إلى بيروت وجوارها من الذين يفهمون في غزل القطن، لتوجيه الصناعة والتجارة بأسلوب مناسب. وأشارت الدراسات التاريخية والتقارير القنصلية الى أن مرفأ بيروت كان منذ القدم من أصلح الموانئ لرسو السفن، وهو الميناء الذي تجد فيه المراكب الأمان في جميع الفصول. وكانت السفن ترسو قديماً داخله، فيضع البيارتة العاملون في المرفأ "الصقالات" – وهي ألواح عريضة من الخشب – ليستعملها المسافرون جسراً للنزول إلى البر، وإنزال البضائع إلى الرصيف. ومن هنا دخلت كلمة "سقالة" (SCALA) الإيطالية إلى اللغة التركية بمعنى "اسكلة" أي رصيف، وإلى اللغة العربية "سقالة" بمعنى لوح الخشب. أما السفن الكبيرة القادمة إلى مرفأ بيروت، فكانت تقف في الصيف قبالة المدينة، في حين تضطر في الشتاء للالتجاء إلى خليج سيدنا الخضر عليه السلام قرب الكرنتينا، أو عند مصب نهر بيروت. وكانت منازل الأجانب، وبعض قناصل الدول الأجنبية، تقع في الجهة الجنوبية من ميناء بيروت. كما تركّز الكثير من الخانات – الفنادق – إزاء المرفأ وبجانبه، وذلك لتسهيل إقامة التجار والوافدين من الخارج. وأشارت التقارير والدراسات التاريخية إلى أن مرفأ بيروت وخصوصاً في القرن التاسع عشر، كان بمثابة "خلية نحل" حيث يلتقي التاجر البيروتي التاجر الفرنسي، والتاجر الإيطالي، والتاجر المالطي، والتاجر النمسوي. كما يلتقي تجار الإسكندرية ودمياط والمغرب وتونس والجزائر. ويلتقي التاجر البيروتي تاجر الجبل اللبناني، والتاجر الدمشقي، والحلبي، والحمصي، والحموي وهكذا. ويقول القنصل الفرنسي هنري غيز، أنه بعد أن عاد إلى بيروت عام 1824: "استطعت أن أتتبع ازدهارها خلال أربعة عشر عاماً، إبان نهضة صناعتها الحقيقية وتضخّم ثروة سكانها. وهذه المدينة بالنسبة الى عدد سكانها، تعدّ رابع مدن سوريا، فهي دون طرابلس التي تأتي في الرتبة بعد الشام وحلب..." غير أنه أكد في مكان آخر "أن بيروت تتقدم باضطراد وتوشك أن تعدّ بعد الإسكندرية وإزمير. لقد أنشئت فيها قنصليات لجميع الدول تقريباً، ومؤسسات تجارية، وفنادق...". وكانت حركة التجارة في ميناء بيروت نشطة، حيث كان الجبل اللبناني يزوّد تجار بيروت 1800 قنطار من الحرير، يجري تصديرها عبر مرفأ بيروت بواسطة مراكب أوروبية ومحلية، يصدّر معظمها إلى دمياط والإسكندرية والمغرب وتونس والجزائر. وتعود هذه المراكب محمّلة بالرز والكتّان والأنسجة وجلود الجواميس من مصر، وتحمّل العباءات من تونس. كما تحمّل من موانئ المغرب العربي بعض السلع الأوروبية التي تحتاج إليها بيروت ومدن الشام. وقدر مجموع ما استوردته بيروت سنوياً في أوائل القرن التاسع عشر حوالى 200 ألف قرش. ويرى جون كارن – وهو معاصر – أن بيروت مركز تجارة الدروز والموارنة، إليها يصدّرون قطنهم وحريرهم، فيأخذون عوضه الرز والتبغ والنقود، ثم بهذه يشترون القمح من سهول البقاع وحوران. ولا شك في أن الحرير الخام أهم مادة تجارية تتعاطاها بيروت بعدها مواد القطن والزيتون والتين، وهي كلها تصدّر إلى القاهرة ودمشق وحلب. وأضاف: "وما زال النشاط التجاري في بيروت يزداد يوماً بعد يوم". ونظراً الى أهمية مرفأ بيروت، فقد أكد جون كارن المعاصر للقرن التاسع عشر هذه الأهمية قائلاً: "لعل ميناء بيروت أفضل الموانئ على طول الشاطئ، يؤمن الرسو فيه على حد بعيد، وقد بدرت في الآونة الأخيرة بوادر من حركة جديدة، أغرت بعض أصحاب المناسج في أوروبا أن يهتموا لإنشاء الأعمال والمتاجر في هذه البقعة، فأقدم تجار كثر على النزول في المدينة، وهم فيها يعيشون عيشة بذخ في منازل مريحة، ذلك أن المنازل التي ابتناها الأوروبيون مؤخراً جيدة متينة، بينما المنازل التي ابتناها الأهلون أقل مادة، فهي ترشح شتاء وتدخلها الرياح...". ونتيجة لتطوّر التجارة في بيروت، وتزايد أهمية مرفأها، فقد ظهرت مرافئ متخصّصة في المرفأ نفسه وبمحاذاته. ومن هذه المرافئ والموانئ: ميناء الرز، ميناء البطيخ، ميناء الخشب، ميناء القمح، ميناء البصل. وكان بعض هذه الموانئ ولا سيما منها ميناء الخشب قائماً قبيل الحرب اللبنانية عام 1975. وبسبب هذا التطوّر الاقتصادي الضخم لمدينة بيروت ولمرافئها، فقد حرصت الدول الأوروبية على اتخاذ مقار لها، بافتتاح قنصليات لم تكن موجودة في الأصل، بعد أن صارت مركزاً تجارياً واقتصادياً مهماً. وقد بلغ معدل السفن الإنكليزية في مرفأ بيروت 150 سفينة سنوياً. كانت قلعة بيروت الشهيرة قرب الميناء. وهي تعتبر من الملامح الأساسية لميناء بيروت. وقد أشار الرحالة محمد بيرم التونسي في كتابه "صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار" إلى مرفأ بيروت واصفاً إياه بقوله: "وصلنا إلى مرسى بيروت أعظم مراسي ولاية الشام المعروفة بسوريا... فنزلت هناك، وكان المرسى صعباً جداً، لبعد إرساء الباخرة عن الشط وركوبنا في زوارق مع هيجان البحر. وبعد أن خلصنا، رحلنا إلى الكمرك (الجمرك) الذي لم نر من أهله إلا خيراً. دخلنا البلاد راجلين لقربها وعدم وجود ما يركب حول الكمرك. فدلني رجل من المتشبثين بخدمة المسافرين على منزل للمسافرين، قريب من جهة طريقنا، كاشف على البحر، فإذا هو منزل لأحد الإفرنج، مثل منازل أوروبا المتوسطة الحسن وأخذت به بيتاً واسعاً ذو حجرة للنوم والصناديق وحجرة للجلوس، واغتسلت في حمامه وبتنا تلك الليلة والأكل فيه حسن…". بالإضافة إلى ذلك، فقد استأثر المرفأ بعدد كبير من المؤسسات الرسمية العثمانية منها مبنى البنك العثماني ومبنى البريد وسواهما من المباني والمؤسسات. وقد أشار الرحالة الروسي كريمسكي من خلال رسائله المعروفة إلى ذلك بقوله: "... من ينتظر رسالة يأتي بنفسه إلى مبنى البريد قرب المرفأ الذي ينقسم إلى مراكز يختص كل منها بالبريد الوارد من بلد أجنبي معين. هناك مركز للبريد الوارد من النمسا وآخر من فرنسا أو روسيا أو انكلترا…".

 عموماً، فإن الاهتمام بدأ يتزايد تباعاً بمرفأ بيروت، ففي سنة 1863 تقدمت شركة "مساجيري ماريتيم" بمشروع مرفق بالخرائط لتحسين هذا المرفأ، وقدمته الى أحمد قيصرلي باشا حاكم ولاية صيدا حيث كانت بيروت تتبع لها، وقدرت نفقات هذا المشروع بـستة ملايين وثلاثمائة وواحد وسبعين ألف، وثلاثمائة فرنك، غير أن هذا المشـروع لم ينفذ ولم يـوضع موضع التنفيذ إلا عام 1880 بعد أن فشلت بلدية بيروت عام 1879 في نيل امتيازه، وبعد أن فشلت شركة طريق بيروت – دمشق من الحصول على امتيازه. وبعد اتصالات حثيثة، صدرت إرادة سلطانية مؤرخة في 19 حزيران 1887 نال بموجبها يوسف أفندي المطران امتياز مشروع تطوير مرفأ بيروت وتحسينه لمدة ستين عاماً تنتهي في 19 تموز عام 1947، وقد اشترط على صاحب الامتياز المباشرة بالعمل بعد سنتين وانجازه في خمس سنوات، على أن يكون طول الرصيف 1200 متر. واحتفظت الحكومة العثمانية بحق ابتياع هذا المشروع بعد ثلاثين سنة. واشترطت الإرادة السلطانية على السفن الداخلة إلى المرفأ دفع رسوم الدخول والرصيف، أو دفع الرسوم إذا كانت هذه السفن لا تقترب من الرصيف. وفي سنة 1888 - وكانت بيروت قد أعلنت ولاية - تألفت الشركة العثمانية لمرفأ بيروت وأرصفته ومخازنه، برأس مال قدره خمسة ملايين فرنك. وكانت هذه الشركة فرنسية، مما أثار حفيظة الإنكليز الذين أشاعوا أن هذا المشروع غير مفيد، لعدم وجود خط حديد بين بيروت والمرافئ الشامية، على غرار ما أشاعوه ضد الفرنسيين عند قيام مشروع قناة السويس في مصر. لقد بوشرت أعمال تحسين المرفأ عام 1889 وقامت بها شركة "موزي وطونن ولوزي"، غير أن المشروع واجه الكثير من التعقيدات، مما اضطر هذه الشركة لاستدانة مبلغ خمسة ملايين فرنك من شركة خط حديد بيروت – دمشق – حوران، لمتابعة أعمالها. وبعد انتهاء مشروع تطوير المرفأ عام 1894 لاستقبال السفن الكبيرة التي بقيت مدة طويلة عاجزة عن تفريغ السفن مباشرة على رصيف المرفأ، فقد وقعت خلافات بين شركة المرفأ وبين الحكومة العثمانية ووزارة البحرية العثمانية، ومن أسباب هذه الخلافات مسألة دخول البوارج الحربية العثمانية المرفأ، والخلافات بين شركة المرفأ وبين إدارة الجمارك بشأن رسم الحمالين والمخازن وتعيين حدود منطقة شركة المرفأ. كما وقع خلاف على زيادة رسوم الدخول الى المرفأ، مما أثّر على حركة الصادرات والواردات، حيث تحولت إلى بقية المرافئ الشامية القريبة. كما أن بعد المسافة بين نهاية خط حديد بيروت – دمشق وبين مرفأ بيروت، كان من جملة أسباب الخلافات بين الجانبين ومن أسباب تأثر حركة المرفأ التجارية. والحقيقة، فإن هذه الأزمة بين الجانبين سرعان ما انتهت، بل إن المرفأ ازدادت أحواضه وأرصفته ما بين رأس الشامية ورأس المدوّر. وبدأ يستقبل سفناً أكثر وأكبر اتساعاً بما فيها قوافل الحجاج. غير أن امتداد مشروع السكة الحديد إلى محاذاة رصيفه أوائل القرن العشرين في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، دعا الحجاج المسلمين للتوجه إلى الأراضي المقدسة للحج عبر هذا الخط. ومهما يكن من أمر، فقد شهد مرفأ بيروت قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها، تطوّراً ملموساً أثّر تأثيراً مباشراً في الحياة الاقتصادية البيروتية واللبنانية والشامية. ولا يزال بعض البيارتة يذكر نزول الطائرات الخاصة المائية في مرفأ بيروت، وذلك قبل إنشاء مطار بئر حسن في منطقة المدينة الرياضية اليوم.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر