الراصد القديم

2012/04/12

الحرب الأهلية بلا خاتمتها السعيدة


احمد جابر


كل عامٍ يُحيى اللبنانيون ذكرى اندلاع حربهم الأهلية في العام 1975، فتطغى المادة الإعلامية، وتتراجع اللغة السياسية. تحضر الحرب ولا يحضر المتحاربون. ما زالت «الفعلة المدمرة» تقيد ضد مجهول.
لعل الانشغال بالحرب المستديمة، صرف انتباه أمراء الطوائف عن الالتفات الى مناسبة انفراط العقد الأهلي في الربع الأخير من القرن الماضي... ولعل التمادي في ارتكاب فعل «الفرط الوطني» والإيغال فيه، ينفيان صفة الماضي والفوات عن «الحدث الأصلي»، ثم يعيدان التأكيد على استمراريته، كقيد ثقيل يمسك بعنق الحياة السياسية اللبنانية، ويحصي عليها أنفاسها... بعد ان يسد أفق تنفسها الرحب.
يغيب المتقاتلون، وتُغيب المسؤوليات، ويُستحضر جيل لا يعرف الرواية الكاملة للحرب، ويجهل مجرياتها ويومياتها... لكنه يُحمّل انقساماتها، ويخلع عليه لبوس شعاراتها، ويحتل بالتالي خطوط التماس الجديدة المرسومة له، بدقة من قبل الأمراء الطوائفيين، وبقبول، لا يخلو من الحماسة، من قبل جيل الورثة هذا. لا يستطيع المتقاتلون، قديماً وحديثاً، استعادة تجربتهم بالنقد السياسي والفكري، الواجب واللازم، ففي إدانة الماضي القتالي، اتهام صارخ للحاضر الطوائفي السجالي، ولأن النقد يستوجب «نقد السلاح»، يصير من المستحيل على أصحاب «المنظومة المفهومية» الطائفية، رمي مفاهيمهم «الماضية» وشعاراتها بسهام التفنيد والتجاوز، لأن «المنظومة» إياها، ما زالت السلاح الأمضى والأفعل والأنسب، في معركة الاصطفافات الطائفية الحالية، التي تجاوز صفاؤها حال اصطفافات الطوائف في زمن سياسي لبناني غابر، وفاق توحدها حول نواتها الصلبة، ما عرفه الوضع الطوائفي اللبناني، حتى الآن، من توحد.
لا تكتسب الوقفة أمام حدث الحرب (حتى لا نقول ذكراها) جديتها إلا إذا أعادت استحضار مواضيع الانقسام الفعلية التي انتشر فوق مساحتها اللبنانيون، وإلا إذا أعيد طرح السؤال حول مسلك القوى السياسية والأطر «الدولتية» المتاحة، التي تضافرت جهودها لجعل الانسداد السياسي امام التسوية الممكنة «أفقاً» أوحد، وانفجار القتال «مخرجاً» لا بديل منه لتعديل موازين القوى السياسية السائدة. لقد أسست الطوائفية السياسية اللبنانية، التي كانت تمسك بمقاليد الادارة «النظامية»، للانفجار الأهلي، بسبب من امتناع نظامها على استقبال التعديلات «المجتمعية» والسياسية، وبالتالي قبولها والشروع في معالجتها، تمهيداً لإدراجها اللاحق في سياق «الانتظام الوطني» العام... عجز النظام السياسي اللبناني، بنيوياً، عن الاقدام على ذلك، وسد مسامعه، فلم تصله، طلبات «المشاركة... والغبن.. ورفع الحرمان وملامسة شيء من التحديث في بنيته المهترئة...». كان القمع العاري وسيلة التعامل، بعد ان بات «القمع المبطن» غير ذي فعالية ناجعة.
«الصمود الرسمي» في وجه «المطالبات الشعبية» المتنامية، واكبه صمود من نوع آخر، خلف تعريفات للموقع اللبناني في معادلة الصراع العربي الاسرائيلي، تراوحت بين «الحيادية... ومحاولات الانسحاب»، او الاكتفاء من «وجه لبنان العربي» بعروبة مفصلة حسب تعريف النظام لبنيه، تكتفي من كل مشاكل «الانتماء الى المحيط.. بعروبة اقتصادية». شكل ذلك كله الأرضية الملائمة، بل والثابتة للخيارات السياسية الأخرى. هكذا قام شبه «حلف فكري» بين الإقفال على الداخل، ومحاولة الإفلات من «أحكام الخارج» العربي تحديداً، ما دفع لأن يكون «للداخل اللبناني الآخر» خارجه الفكري والأيديولوجي الذي يستقوي به، ويقيم بينه وبين «خياره الفكري» الداخلي، أواصر ارتباط، وعلاقات تحالف متينة.
من الصعب على قيادة الحرب السابقة ان تعرض أسبابها السياسية للنقد، لأن الأسباب نفسها، ما زالت وسيلة التعبئة الفضلى. النقد، في المقام الطوائفي، نقض وجودي، ولا يعقل ان يقدم «طائفي» على إلغاء ذاته، من خلال تعريض «الخطاب الطــوائفي» لســجال تجاوزي... وما يساعد في الالتفاف على عمليــة معاينة الأخطاء، هو الوضع السياســي الحــالي، الذي بات الانقسام المذهبي والفــئوي مــظهراً له، بحيث تراجعت الانقسامات الإجمالية التي شكلت مظلة سياسية لدى بدء حرب العام 1975. لا يغيب عن البال ان الصراع دار «حول السيطرة على لبنان» بمعنى الفــوز بقرار تحديد خياراته ووجهته العامة، في الداخــل ومــع الخارج، كذلك لا يفوت «المتذكر» ان توزع البــلد شــطرين كان «مؤقتاً»، ومجرد قاعدة اولى للانطلاق نحو الشطر الآخر والسيــطرة عليه.
هذا ما دار في ذهن المتصارعين يومها، لكن واقع الحال اليوم، يغيّب، كلاماً وممارسة، هاجس استعادة الوحدة الداخلية، مثلما يحجم عن الخوض في بحث شروطها. صار السائد، والحاضر أبداً، وبإلحاح، مصير هذه الفئة اللبنانية او تلك، وحجم مصالحها الخاصة، قبل البحث في موضوع المصالح العامة... لذلك صار حساب الربح والخسارة مقروءاً بنظارات الفئوية الضيقة وليس بمنظار الاجتماع اللبناني الرحب.
لم تصر الحرب الى الذكرى، لأن اللبنانيين مستمرون في كتابة فصولها. لذلك ما زالت خاتمة الرواية... السعيدة، حلماً يراود الأجيال.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر