الراصد القديم

2012/04/28

العرب في الثورة الفلسطينية

حسن شاهين كاتب فلسطيني مقيم في غزة
استقطبت قضية فلسطين منذ بدايات المشروع الصهيوني على أرضها، أفئدة الشعب العربي وعقوله من المحيط إلى الخليج. كانت فلسطين حاضرة في المدارس والجوامع والأسواق والمجالس في جميع المدن والقرى العربية، وكانت الصحافة العربية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين تفرد مساحة واسعة لمتابعة آخر أخبار الهجرة اليهودية إلى فلسطين، والهيمنة المتنامية للمستوطنين اليهود على مجالات الاقتصاد والعمل، والتوسع المستمر لمستوطناتهم، وتواطؤ المستعمر البريطاني معهم. كانت قضية فلسطين، حافزاً للشباب العربي في البقاع العربية كلها، للمشاركة في العمل السياسي والاهتمام بالشأن العام حتى على المستوى القطري. وتحت لواء فلسطين وقضيتها، أسست معظم الأحزاب والجمعيات السياسية العربية في النصف الأول من القرن العشرين. كانت نصرة فلسطين وغوث أهلها قضية جامعة للجماهير العربية فجاءت المشاركة العربية العفوية والطوعية في صفوف الثورة الفلسطينية، مواكبة للبدايات الجنينية للمقاومة الفلسطينية للمشروع الصهيوني، بل إن البعض كان لهم شأن تأسيسي في عدد من التجارب الثورية ضد الاحتلال البريطاني والمستوطنين، خاصة أولئك الذين لم ينتظموا في حملات التطوع الرسمية التي أفرغها منظموها من مضمونها وأجهضوا فاعليتها. وكان من أبرز هؤلاء الشيخ عز الدين القسّام، الذي يعود له الفضل في التأسيس والتهيئة والإعداد النضالي لثورة عام 1936، على الرغم من أنه استشهد قبل اندلاعها. لم يتوقف تدفق المتطوعين العرب على الثورة الفلسطينية عبر تاريخ القضية الفلسطينية، وإن كان الزخم قد تراجع بشكل ملحوظ في السنوات العشرين الأخيرة، خاصة بعد توقيع اتفاقيات أوسلو. وقد مرت المشاركة العربية الطوعية بالثورة الفلسطينية بمجموعة من المحطات الرئيسية، كان أبرزها:
ثورة 1936 التي دامت ثلاث سنوات، وشهدت إضراباً عاماً استمر ستة أشهر، وُصف بأنه الأطول في تاريخ فلسطين. وقد شاركت في بدايتها أربعة فصائل من المتطوعين العرب، بقيادة فوزي القاوقجي، وهو من طرابلس الشام، وكان ضابطاً في الجيش العثماني، وشارك في الحرب العالمية الأولى، كما شارك في الثورة السورية الكبرى (1925ـ 1927). وقد وصلت قوات المتطوعين العرب في آب 1936، وخاضت عدة معارك صغيرة ضد القوات البريطانية، حققت فيها بعض الإنجازات، وما لبثت القوات البريطانية أن فرضت طوقاً عليها في منطقة جنين وسهل طوباس، وانتهى الحصار بالانسحاب نحو الأردن بعد أن وفرت لها القوات المحاصِرة ممراً آمناً للخروج، وكان ذلك في الرابع عشر من تشرين الأول من العام نفسه الذي دخلت هذه الفصائل إلى فلسطين فيه، أي أن مساهتمها في ثورة 1936 لم تدم إلا ثلاثة أشهر من أصل سنوات ثلاث، هي عمر الثورة!. حرب عام 1948: شارك العرب في حرب 1948 بإرسال وحدات من جيوشهم النظامية، التي سبقتها أفواج من المتطوعين. وكان قوامهم الأساسي يتوزع على قسمين، الأول وهو الأكبر قاتل تحت لواء ما عُرف بجيش الإنقاذ. الذي تشكل بقرار من اللجنة العسكرية العربية، وضم متطوعين من سوريا والعراق والأردن، وكان تحت القيادة العليا الجنرالين العراقيين إسماعيل صفوت وطه الهاشمي، وتم تعيين فوزي القاوقجي -الذي قاد فصائل المتطوعين العرب في ثورة 36 وشارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941- قائداً ميدانياً له. أما القسم الثاني، فكان عبارة عن كتيبة متطوعين من مصر بقيادة البيكباشي أحمد عبد العزيز. دخل متطوعو جيش الإنقاذ إلى فلسطين بحماسة وكانت معنوياتهم مرتفعة، لكن، وتحت وطأة الواقع الصعب على الأرض الذي ظهرت معالمه سريعاً لهم؛ انقلبت الحماسة إلى فتور، والمعنويات المرتفعة إلى إحباط وثقة مهزوزة بالنفس وبالقيادة. وما لبث أن تعرض «جيش» الإنقاذ لهزائم متكررة في عدد من المعارك الصغيرة التي خاضها، وتكبد فيها خسائر فادحة في أرواح مقاتليه. وعلى العموم كان أداء جيش الإنقاذ ضعيفاً ومُربَكاً، وعفوياً وغير منظم إلى حد بعيد، وذلك لأسباب عدة أهمها: ضعف تدريب عناصره وقلة خبرتهم القتالية، وقلة عديدهم، فهم كانوا بحسب وثائق جامعة الدول العربية 3830 مقاتلاً، علاوة على ضعف التسليح وشح المؤن وفساد الذخيرة. كما إن العلاقة بين جيش الإنقاذ والأهالي الفلسطينيين في القرى التي رابط هذا الجيش في محيطها لم تكن جيدة، فلم يثق الأهالي بقدرته على حمايتهم، لأحواله المهلهلة البادية للعيان، بالإضافة إلى أنه دأب على مصادرة ما ينقصه من مؤن منهم، وهم فلاحون فقراء يكادون لا يجدون قوت يومهم.
وفوق ذلك، كانت علاقة جيش الإنقاذ بالهيئة العربية العليا متوترة وفيها كثير من التنافر. فعند تشكيل جيش الإنقاذ، عارضت الهيئة العربية العليا وعلى رأسها الحاج أمين الحسيني تعيين فوزي القاوقجي قائداً ميدانياً له. فقد كانت القيادة الفلسطينية تُحمّل هذا الأخير مسؤولية الأداء السيئ لفصائل المتطوعين العرب في ثورة 1936. وكان الحاج أمين يرغب في تعيين القائد الفلسطيني عبد القادر الحسيني في هذا المنصب، لكن رغبته لم تجد آذاناً صاغية لدى الجامعة العربية. كما أن الحاج أمين كان مهجوساً بقضية القرار الفلسطيني المستقل (الذي ظل هاجساً للذين جاؤوا بعده)، ولم يكن راضياً عما اعتبره تدخلاً من الجامعة العربية في الشأن الفلسطيني. فاتخذت الهيئة العربية العليا قراراً بتأسيس قوة من المتطوعين الفلسطينيين تحت قيادة عبد القادر الحسيني، أُطلق عليها إسم: جيش الجهاد المقدس، وكان قوامها ومقاتلي ثورة 1936. وللظروف والأسباب الآنفة الذكر، غاب التنسيق بين «جيشي» المتطوعين. أما قوات المتطوعين المصريين بقيادة أحمد عبد العزيز، فكان أداؤها أفضل، إلى حد بعيد، من أداء جيش الإنقاذ، وحققت نتائج جيدة في عدد من المعارك التي خاضتها، وربما يعود ذلك إلى أن عمادها كان من العسكريين، وكان هناك انسجام بين أفرادها، والأهم من ذلك كله أنها اتبعت أسلوب حرب العصابات الذي يلائم قدراتها المتواضعة من حيث العديد والعدة (بعكس جيش الإنقاذ الذي اتبع أساليب الجيوش النظامية)، إلا أن فاعليتها تراجعت بعد استشهاد قائدها أحمد عبد العزيز برصاص جندي مصري عن طريق الخطأ في آب 1948. الثورة الفلسطينية المعاصرة: لا تتوافر إحصاءات أو تقديرات دقيقة وموثوقة لعدد المتطوعين العرب في فصائل الثورة الفلسطينية المعاصرة، إلا أن هناك عدد من المؤشرات التي تدل على الحجم الكبير لمشاركة المتطوعين العرب فيها، منها على سبيل المثال وجود مئات الجثامين لمقاتلين من جنيسات عربية مختلفة محتجزة لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي فيما يسمى بمقابر الأرقام، وجزء كبير من هذه الجثامين تعود لمقاتلين عرب سقطوا في أثناء تنفيذ عمليات فدائية داخل الأرض المحتلة، وقد تم الإفراج عن العشرات منها في صفقة التبادل الأخيرة مع حزب الله.
من الثابت أن أعداداً كبيرة من الشبان العرب، التحقت بفصائل الثورة الفلسطينية، خاصة في الفترة التي تلت هزيمة 1967، والتي شهدت تأججاً للثورة الفلسطينية وتصاعداً حاداً للعمل الفدائي، وقد وجد الآلاف من الشبان العرب المحبط من النظام العربي الرسمي والساخط على النتيجة المفجعة لحرب حزيران 1967، والباحث عن فرصة لرد الاعتبار؛ ضالته في فصائل الكفاح المسلح الفلسطيني. وشملت حركة التحاق المتطوعين العرب في الثورة الفصائل والقوى الفلسطينية كلها وإن كانت أكثر وضوحاً وبروزاً في المنظمات المنبثقة عن حركات قومية، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديموقراطية، وجبهة التحرير العربية والصاعقة.
حملت ظاهرة المتطوعين العرب قصصاً من البطولة والإباء، وفي الوقت ذاته قصص الانكسار والهزيمة، حالها كحال القضية الأصل. إن التقدير العميق لبطولات وتضحيات المقاتلين الذين تركوا ديارهم وأهلهم وأعمالهم، وهبّوا للدفاع عن فلسطين ونجدة أهلها؛ يجب ألا تعمينا عن حقيقة أن هذه الظاهرة ـ خاصة في شقها الذي نظمته وأشرفت عليه جامعة الدول العربية إبان حرب 1948 كانت محدودة الأثر، ولم تؤثر في ميزان القوى. ومرد ذلك ربما يعود، في المقام الأول، إلى عدم جدية النظام الرسمي العربي في دعم القضية الفلسطينية، وكان دعمه يتوقف عند الخطب الرنانة، وبعض أشكال العون المادي. ولم تكن حملات تجنيد المتطوعين في حرب 1948 لتشكل شذوذاً عن هذه القاعدة، والدليل على ذلك قلة عدد من قُبلوا في هذه الحملات على الرغم من تقدم عشرات الآلاف للتطوع في البلدان العربية، بالإضافة إلى ضعف تسليح المتطوعين، وعدم تزويدهم بما يلزمهم من مؤن وعتاد. وبعد هزيمة 1967، ومع انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة؛ بدأت الأنظمة الرسمية العربية في معظمها، تنأى بنفسها شيئاً فشيئاً عن قضية فلسطين، وأصبح من العسير على الشبان العرب أن يعثروا على القنوات التي توصلهم إلى التطوع في صفوف فصائل الثورة الفلسطينية. وعلاوة على ذلك، تبنت القيادة الفلسطينية فكرة «القرار الفلسطيني المستقل»، وهو خطاب يعكس هاجس الكيانية الذي شُغلت به القيادة الرسمية الفلسطينية أكثر مما شُغلت بالأرض التي تضيع من تحت أقدامها، والتي هي الأساس لأي كيان. وبالتالي ما عادت تولي اهتماماً لاستقطاب المتطوعين العرب، وحتى استقطاب الكفاءات العربية لمؤسساتها كما كان يحصل في السابق. إن ظاهرة المتطوعين العرب تعبر بصدق عن البعد القومي للقضية الفلسطينية، وشكلت عنصراً جامعاً له، ربما وصل في فترات معينة، عندما كان التضامن العربي في أوجه، إلى أن يكون عنصراً إضافياً من عناصر الوحدة القومية العربية، فكان العرب تجمعهم عناصر الامتداد الجغرافي، واللغة، والثقافة والدين، وقضية فلسطين. كاتب فلسطيني مقيم في غزة

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر