الراصد القديم

2012/05/13

يوميـات عبـد النـاصر عـن حـرب 1948



ـ 1 ـ
ذات يوم قيل لنا ان دفعتنا من كلية أركان الحرب سوف تتخرج قبل الوقت المحدد، فإن احتمالات فلسطين قد تقضي بهذا. وصدرت إليّ الأوامر بأن التحق بالكتيبة السادسة.
وصدرت إلى عبد الحكيم عامر لكي يلتحق بالكتيبة التاسعة.
وصدرت إلى زكريا محي الدين لكي يلتحق بالكتيبة الأولى.
وكانت الكتائب الثلاث يومها على الحدود، ولم يكن هناك من يعرف على وجه اليقين ما الذي ستأتي به الأيام المقبلة.
غادرت بيتي صباح 16 مايو أحمل حقيبة الميدان بعد ان تركت على إحدى الموائد صحيفة الصباح، وكانت صفحتها الأولى مليئة بالبلاغ الرسمي الأول الذي صدر عن وزارة الدفاع في ذلك الوقت، يروي للناس بداية العمليات الحربية في فلسطين.
وتملكني شعور غريب وأنا أقفز درجات السلم.
«واذن فأنا في الطريق إلى ميدان القتال».
كان الجيش المصري يومها مكوناً من تسع كتائب، ولكن ثلاثاً منها فقط كانت قرب الحدود حينما صدر الأمر بدخول فلسطين، وكانت هناك رابعة في الطريق.
ولم نكن ندري أين مواقع وحداتنا بالضبط حتى نستطيع ان نلحق بها ولم نجد أحداً يستطيع أن يرشدنا إلى هذه المواقع.
وذهبنا إلى رئاسة المنطقة ونحن نتصورها خلية نحل تئز بالحركة الدائبة، ولكن رئاسة المنطقة لم يكن بها أحد كأنما هي بيت مهجور، في بقعة من الأرض، لا يسكنها بشر.
وجاءتنا الأخبار بعد العشاء بمواقع كتائبنا على وجه التخمين.
الكتيبة السادسة التي كنت سأعمل أركان حرب لها كانت لا تزال في رفح، وإن كانت قد تحركت منها إلى عملية ضد مستعمرة الدنجور ثم عادت إليها مرة أخرى.
وكان هناك دليل عربي واحد أنيطت به مهمة قيادة الكتيبة إلى موقع مستعمرة الدنجور، ولم يكن هذا الدليل يعلم شيئاً عن تحصيناتها ودفاعها، وكل الذي قام به هو انه ظل يرشد الكتيبة إلى الطريق ويدلي لها بمعلومات غير واضحة ولا دقيقة، حتى ظهرت أمامها فجأة تحصينات الدنجور.
ولم يكن هناك من يعرف ما الذي يجب عمله على وجه التحديد.
ولكن المدافعين عن الدنجور كانوا يعرفون، وأصيبت الكتيبة بخسائر لم تكن متوقعة، وعند الظهر أصدر القائد أمره بالابتعاد عنها، وعادت الكتيبة إلى رفح لتجد بلاغاً رسمياً أذيع في القاهرة يقول: انها أتمت عملية تطهير الدنجور بنجاح.
جاءت الأوامر إلى الكتيبة بأن تهد معسكرها الذي تقيم فيه وتنتقل إلى مكان آخر يبعد عنه بثلاثة كيلومترات.
ولم أستطع ان أتصور الغرض من هذا التحرك، ولكن الكارثة الكبرى ان الذين أصدروا أمرهم به لم يكونوا يعرفون له غرضاً هم الآخرون.

وكان الدليل انه بعد ثلاث ساعات من هذا الأمر، وبينما نحن نقيم المعسكر الجديد، جاءتنا أوامر جديدة بالتحرك إلى المحطة وركوب القطار المتجه إلى غزة.
وبدأنا نهد الخيام التي لم نكد نفرغ من إقامتها.
وركبنا القطار إلى غزة وفي قلبي هموم.
وكان قلبي المجرح يهتف بي في كل دقة من دقاته: «ليست هذه حرباً».
وكانت ليلة 20 مايو من أتعس ليالي حياتي. قضيتها في مستشفى غزة العسكري، والأسرة حولي كلها مليئة بجرحى معركة دير سنيد التي لا تزال مستمرة.
كل هذا وراديو القاهرة يذيع بلاغاً أصدرته القيادة العامة تقول فيه: «ان قواتنا احتلت مستعمرة دير سنيد واقتحمتها اقتحاماً رائعاً بالمشاة» وكانت هذه كذبة مؤلمة.
لم نكن نحارب كجيش، وإنما تحولنا بعد دخول فلسطين إلى جماعات متفرقة على مراكز واسعة الانتشار، وكانت النتيجة ان العدو نجح في تثبيتنا فيها، واحتكر لنفسه حق الحركة وحشد القوات والهجوم علينا من حيث يريد.
وكنت أسال نفسي وألح في سؤالها:
ـ لماذا فعل قائدنا ذلك... لماذا شتت قواته وبعثرها بهذه الطريقة.
ـ لماذا سمح لنفسه ان يندفع في خط طويل مكشوف من كل ناحية أمام العدو.

ـ 2 ـ
وبدأت أخبار الهدنة تصل إلينا في الخنادق. وجاءتنا الأوامر بوقف القتال في السادسة صباحاً من يوم الجمعة.
في أول يوم للهدنة تحرك العدو، فاحتل عبديس التي كانت قرية عربية تكاد تكون متداخلة مع خطوطنا..
وتحرك العدو أيضاً فاحتل بيت دوراس.
وتحرك العدو فاحتل الجسير.
وتحرك العدو فاحتل العسلوج.
وتحرك العدو فاحتل جوليس.
وتحرك العدو وحاول ان يدفع بعض قوافله المتسللة عبر خطوطنا إلى المستعمرات المحاصرة في النقب الجنوبي.
العدو إذن لم يأخذ الهدنة جداً. لقد كانت بالنسبة له فرصة للتعزيز ـ انه يقفز تحت ستارها إلى مواقع حاكمة، يستطيع منها ـ يوم تنتهي الهدنة ـ ان يبدأ عملياته من أكثر المراكز ملاءمة لأغراضه.
ومع ذلك لم يبد في قيادتنا ما يدل على انها وعت المعنى الحقيقي لهذا الذي يجري أمامنا. وكان الذي يشغلها على ما يبدو في ذلك الوقت هو إعداد التقارير الإضافية عما جرى من يوم بدأت المعركة حتى فرضت الهدنة، وكان أبرزها ما اهتمت به قيادتنا وأسهبت في وصف تفاصيله هو كيف اقتحم الجنود مستعمرات العدو وهم يهتفون بحياة جلالة القائد الأعلى للجيش، وهو ما لم يحدث بالقطع، فإن الجنود المهاجمين كان يشغلهم من نيران العدو ما لا يمكن معه ان يخطر ببال واحد منهم أن يهتف بجلالة القائد الأعلى للجيش.
كنا يوم 9 يوليو جالسين إلى الغداء في مركز رياسة كتيبتنا. ودخل جاويش يحمل مظروفاً من رياسة اللواء عليه اسمي بوصفي أركان حرب الكتيبة السادسة. وفتحت المظروف وأنا على الغداء. وبدأت عيناي تجريان على سطوره. وفجأة أحسست ان الطعام تحجر في حلقي.
كان الخطاب يحوي سطرين هما:
1 ـ تسلم الكتيبة السادسة مواقعها اليوم إلى الكتيبة الخامسة المتقدمة من غزة.
2 ـ تستولي الكتيبة السادسة باكر 10 يوليو على بلدة جوليس.
ولا بد أن ملامح وجهي فضحت ما كان يدور في نفسي وأنا اقرأ هذا الأمر، فإن كل من كان معنا على الغداء من الضباط توقفوا عن الطعام وتطلعوا إلي.. وكان شعورهم مثل شعوري بعد ان عرفوا ما عرفت.
ها نحن نوجه إلى معركة لم نعد أنفسنا لها.
لم يقل لنا أحد ما هي مواقع جوليس. وما هي قوة العدو فيها. وما هي تحصيناته. وما هي قواتنا التي تعمل حولها. وما هي العمليات المحيطة بمنطقتها.
وبدأت احتج. ولكن ماذا يجدي احتجاجي.
وخرجت مع القائد وقواد السرايا نحاول ان نقترب من جوليس إلى أقرب ما يمكن ان نصل إليه.
واقتربنا في حمى إحدى بيارات البرتقال حتى أصبح بيننا وبين جوليس ما يقرب من كيلومتر واحد.
ولم نستطع ان نبقى طويلاً، فإن العدو على ما يبدو أحس بوجودنا فبدأ يفتش المنطقة بقنابل الهاون.
لقد أحس العدو اننا قمنا بالاستكشاف من ناحية بيارة البرتقال، وسوف ينتظرنا في الغد لكي نهاجمه منها بالطبع.
وإذن. فلن يكون هجومنا الرئيسي غداً من هذا الاتجاه.
سوف نبعث قوة تطلق النار لكي يظن العدو اننا وقعنا في الشرك. ولكن القوة الحقيقية التي ستنفذ الهجوم سوف تجيء من الخلف وسط مزارع الذرة وتنقض على مواقعه.

ـ 3 ـ
وبدأت معركة نجبا. وكانت السرية في مواقعها رابضة في غير حاجة إلي. وقررت أن أعود إلى المعركة. والتقيت عند نهاية الطريق المكشوف بأركان حرب اللواء وكان قادماً ليستطلع الموقف. ودهش أركان حرب اللواء. فلم يكن يتصور ان الطريق إلى مركز تقاطع الطرق مكشوفاً إلى هذا الحد. ولم يكن هناك مفر من ان يركب حمالة مصفحة إذا أراد ان يعبر الطريق في وضح النهار. وعدت معه في الحمالة المصفحة. وقررنا العودة بعد قليل. ثم وقعت حادثة من تلك الحوادث التي يتفنن القدر في حبك مواقفها. سمعنا ضرباً قريباً منا في حقل الذرة.

وفجأة أحسست بشعور غريب في صدري. شيء ما صدمه صدمة خفيفة.
والتفت فوجدت صدري كله غارقاً بالدماء. وأدركت على الفور انني أصبت... دخلت طلقة في صدري ناحية القلب.
وأخرجت منديلي من جيبي أحاول أن أوقف النزف، وروحي كلها يملؤها شعور غريب. لم أكن خائفاً. ولم أكن نادماً. ولم أكن حزيناً. كان كياني كله سؤالاً واحداً: أهي النهاية.
ولم أجزع لهذا السؤال. ولست أدري لماذا ذكرت لأول مرة منذ جئت إلى فلسطين ابنتي هدى ومنى. وذكرت بيتي. وذكرت أسرتي.
كيف سيكون وقع النبأ عليهم.
وفجأة ذكرت جنودي أيضاً: كيف ستسير المعركة من غيري.
نظرت إلى الطبيب الذي فحصني بعد ان وصلت مستشفى المجدل في دهشة. وأنا لا أكاد أصدقه ما يقول:
لقد كان تحليله لظروف الرصاصة التي أصابت صدري أغرب من ان يقبل بسهولة.
كنت قد دخلت عليه. وأنا واثق من موضع الإصابة. ومن نزف الدم من صدري. ان الجرح نافذ. وان الرصاصة وصلت إلى حدود القلب.
ورفعت منديلي الغارق بالدماء. الذي كنت أحاول به ان أوقف الدم المتدفق من صدري. ونظرت إلى الطبيب وقلت له: صارحني بالحقيقة ولا تتردد.
وبدأ الطبيب يفحص الجرح وهو يهز رأسه بطريقة لم أستطع إدراك مدلولها.
وبدأت أتعجل سماع رأيه. فقلت له: أهو جرح نافذ.
وابتسم الطبيب وهو لا يزال يهز رأسه. ثم قال: اعذرني... فإننا لا نرى مثل هذه الحالة كل يوم.
ثم سألني: هل تعرف ما حدث لك.
قلت: أعرف أهم ما فيه على الأقل... لقد أصابتني رصاصة في صدري.
قال: هذا صحيح... ولكن هل تعرف كيف أصابتك.
وقلت له. وقد بدأت أضيق بهذه المناقشة، كما يصيب الرصاص أي واحد من الناس.
وهز الطبيب رأسه ينفي نفياً قاطعاً وقال: لا... لقد أصابتك رصاصة. ولكن بطريقة تختلف عن إصابة بقية الناس بالرصاص... إن الطلقة التي أصابتك اصطدمت بالجدار المصفح للحمالة التي كنت تركبها، فحدث لها شيء غريب لا يحدث عادة للرصاص... لقد انفصلت الرصاصة نفسها عن غلافها المعدني... وطاشت الرصاصة عنك، أما الذي دخل إلى صدرك فكان غلافها المعدني فقط.
واستلقيت أمام الطبيب على مادة العمليات، وبدأت مشارطه تجري حول مكان الإصابة، وبعد عشر دقائق قال لي وهو يناولني قطعاً من شظايا النيكل الممزق: خذ... احتفظ بها.

ـ 4 ـ
في صباح يوم الخميس 21 أكتوبر دعينا إلى مؤتمر في الفالوجا. وكان المؤتمر لقواد الكتائب في المنطقة المحاصرة وأركان حربها. وكانت هذه الكتائب ثلاثا، هي الكتيبة الأولى والكتيبة الثانية، وكتيبتنا الكتيبة السادسة.
ورأس المؤتمر الأميرالاي السيد طه قائد الكتيبة الأولى. وقال لنا السيد طه انه تلقى من رياسة القوات أمراً انذارياً بالاستعداد للانسحاب على ان يرتب أمره لبدء الانسحاب في الساعة السادسة والنصف بعد ان يتلقى أمراً تأكيدياً بالبدء فيه.
وكان من رأيي ان هذا خير ما نصنعه. لقد كنا ثلاث كتائب هي ثلث الجيش المصري، فهل يعقل ان يبقى ثلث الجيش المصري مستسلماً للحصار في مواقع سدت عليه من الشرق ومن الغرب.
هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فقد كنت أرى ان بقاءنا في هذا الخطر لم يعد له غرض. لقد كنا هنا لكي نفصل النقب الجنوبي عن الشمال. ولقد اتصل النقب الجنوبي مع الشمال، فلماذا بقاؤنا.
ومن ناحية ثالثة، فقد كنت اشعر ان انسحاب ثلاث كتائب إلى الخليل سوف يرغم العدو على توزيع قواته بينها وبين مجموعة الجيش الرئيسي على الساحل.
وبدا ان كل من في المؤتمر مقتنع بهذا الرأي إلا رئيسه الأميرالاي السيد طه. ومع ذلك فلم يسعه إلا ان ينزل على الإجماع ويلتفت إليّ ليكلفني بوضع الخطة المفصلة للانسحاب بواسطة الطريق الجانبي الذي لم ينته إليه العدو والذي بعثنا الجرحى منه إلى بيت جبرين.
وانتحيت ركناً من قاعة الاجتماع ارتب الخطة، ولم يقدر لي ان أتم وضعها، فما لبث السيد طه ان تلقى أمراً ثانياً من رياسة القوات يقول: «يلغي الأمر السابق بالانسحاب، حافظوا على مواقعكم. أمر إيقاف القتال صادر لمصلحتنا».
وكان إيقاف النار طبقاً لقرار مجلس الأمن يبدأ في الثانية من بعد ظهر يوم الجمعة 22 اكتوبر.
وأوقفنا الضرب في الموعد المحدد ولكن العدو لم يوقف ضربه ولا أوقف قواته عن احتلال المواقع التي تستكمل منها حصارنا. وكنت في قلبي أتمنى ان يركز العدو جهده على طريق الإسفلت الرئيسي وينسى الطريق الجانبي إلى بيت جبرين، حتى يظل منفذاً مفتوحاً أمامنا.
وفي الساعة الواحدة عند الظهر تلقى السيد طه أمراً جديداً من رياسة القوات بالانسحاب إلى الخليل. ولكن واأسفاه. فإن الفرصة كانت قد أفلتت. ان طول التردد جعل الذي كان ممكناً بالأمس مستحيلاً تمام الاستحالة في اليوم. لقد قطع الطريق الخلفي الذي كنا نعتمد عليه.
لقد كان ممكناً ان ننسحب في سلام منذ ساعات، ولكن الوضع الآن يحتم علينا ان نخترق حصار العدو، ونقتحم خطوطه ونحن نحمل سلاحنا ومدافعنا، ونتحرك على الطريق.
واضطررت عند الظهر، وقد استبان الموقف من كل نواحيه، ان أصدر أمراً بتخفيض المؤن اليومية للضباط والجنود إلى ربع ما كانت عليه.
يجب ان نرتب أنفسنا للمجهول الغامض الذي يحيط بنا.

وقضينا ليلة عجيبة تحت معركة مثيرة من حرب الأعصاب. طارت طائرات العدو على مواقعنا تلقي المنشورات. وأمسكت أحدها أقرأه.... كان بياناً موجهاً إلينا على النحو التالي:
«أيها الضباط والصف والعساكر باللواءين الثاني والرابع».
ومضيت أقرأ المنشور حتى أخره... ودمي يغلي. كان نصه كما يلي:
«أيها الضباط والصف والعساكر باللواءين الثاني والرابع. هل تعلمون انكم محاطون الآن. اللواء الثاني محاط وكذلك اللواء الرابع. ولا توجد أي وسيلة للاتصال بينهما ولا مفر من الإحاطة. هل تعرفون ما معنى الإحاطة. ان الإحاطة معناها الفناء والموت وإنكم لتشعرون بذلك في المستقبل القريب، ولا يستطيع قوادكم ان يبروا بوعودهم الكاذبة قائلين إن النجدات من الرجال والمهمات والوقود ستصلكم قريباً. كلا. احتلت القوات الإسرائيلية بئر السبع بعدما دقت قواتكم دقاً وسحقتها سحقاً تاماً. وإذا اتكلتم على النجدات التي سيبعثها الملك عبد الله، فاعلموا انه لا ينوي إلا طرد قواتكم من قواعدها في بيت لحم والخليل. فإنكم ترون الآن في هذه البلاد نتائج الدعاية الكاذبة التي كنتم تصدقونها قبل ما أرسلتم من مصر. وصف قوادكم وساستكم مرحلة فلسطين بأنها سهلة. ووعدوكم بالغنائم والتمتع. أين الغنائم. وأين التمتع. فلن تجدوا هنا إلا المصائب ولم تلاقوا إلا الخسائر الفادحة. ولن تلاقوا غير هذا في المستقبل. وقد شاهدت عيونكم ان اليهود يعرفون الدفاع عن وطنهم وأراضيهم ويحسنون التحارب، فإنهم لم يحتلوا بلاداً غريبة ولم يفتكروا ـ ولا يفتكرون ـ في احتلال أي بلاد ليست لهم. وإذا تطلعتم بالخريطة تبين لكم ان الجيوش الإسرائيلية تحيطكم إحاطة السوار بالمعصم.
«وعليكم ان تختاروا: إذا أردتم البقاء في الحياة فاستسلموا وستعودون سالمين إلى بلادكم، واعلموا ان كذب من قال بأننا نقتل الأسرة فهذه أقبح دعاية اخترعها قوادكم الذين ينتظرون الأوسام والنياشين، ولا يكترثون بموت المئات والألوف من جنودهم.
«هل لهم النياشين ولكم الفناء».
«لقد أمر اللواء أحمد بك محمد علي المولوي الجنود المحاطين في بيت عفا وفي عراق السويدان، بالقتال حتى الموت. ولكن أين سعادة صاحب العزة الآن. انه ولى دبره تولية الجبان بعدما أسرنا من ضباط رئاسته. وأين قائد بئر السبع. لقد ترك جنوده منهزمين وهرب. فر في التقاطع وثبت الجيش. كان القائد أولى الهاربين. وكذلك في الحليقات وغيرها من المواقع التي احتلتها قواتنا.
«افتكروا قبل الموت أصغوا إلى إخوانكم الأسرة يدعونكم للاستسلام. انجوا أنفسكم بأنفسكم واستسلموا كل من يحضر وبيده هذا المنشور ستؤمن حياته ويعود سالماً إلى بيته».
«أيها الضباط، اعلموا إننا سنحترم حقوق مندوبكم الذي يتقدم حامل الراية البيضاء لتجري معه المفاوضات. وثقوا باحترام حقوقكم العسكرية في أديارنا. أعلمتم. أنذرتم».

ـ 5 ـ
في الصباح بدأت مرحلة جديدة من حرب الأعصاب. جاءني أحد الجاويشية يقول: ان سيارة مدرعة، من سيارات العدو، واقفة على الطريق خارج مواقعنا، رافعة راية بيضاء وعليها ميكروفون يصرخ بأعلى صوته: «ضابط إسرائيلي يطلب مقابلة ضابط مصري».
وركبت سيارة جيب وطرت إلى هذا الموقع. وإذ السيارة واقفة حيث سمعت والراية البيضاء ترفرف فوقها، والميكروفون ما زال يصيح: «ضابط إسرائيلي يطلب مقابلة ضابط مصري».
وانطلقت بالجيب بأقصى سرعة على الطريق في المنطقة الحرام بيننا وبين العدو في اتجاه المدرعة التي ترفع العلم الأبيض وتطلب بأعلى صوتها ضابطاً مصرياً لكي يقابل ضابطاً إسرائيلياً.
كان الجو غريباً مثيراً. وكانت مشاعري وأنا منطلق بسيارة الجيب على الطريق متباينة.
ها هي إحدى مدرعات العدو أمامنا تطلب واحداً منا. وها أنا منطلق إليها لأقابل أحد الضباط الذين كنت أجاهد لقتلهم. وكان هو أيضاً من ناحيته يجاهد لقتلي.
وكان موقفنا كما أعلم: حصار كامل، ونار لا تهدأ، ودبابات وطيارات ومنشورات أيضاً.
وكان الصمت على الطريق كاملاً إلا دوي محرك الجيب. وأوقفت سيارة الجيب في حذاء مدرعة العدو ملاصقة. وأطل راكبها من ضباط العدو علينا وفي عيونهم دهشة، ثم استجمع واحد منهم كبرياءه وشد رأسه في عنجهية مكشوفة وقال بالانكليزية: «أنا المساعد الشخصي للقائد العام لهذا القطاع. وأنا مكلف بأن اشرح لكم موقفكم. انكم محاصرون من كل ناحية. ونحن نطلب إليكم التسليم».
وقلت له في هدوء، فقد نزلت على أعصابي سكينة غريبة: «أما الموقف فنحن نعرفه جيداً... ولكن الاستسلام لن يحدث».
ثم قلت من دون ان تختلج في صوتي نبرة: «نحن هنا ندافع عن شرف جيشنا».
وبدأ يتكلم بالعبرية وأحد مرافقيه يترجم... ثم عاد يتكلم بالانكليزية. ثم تنازل عن كبريائه وبدأ يتكلم بالعربية وهو يشرح لنا الموقف حولنا.
وقلت له: انك تحاول عبثاً، ونحن نرفض الاستسلام.
وحملق فيَّ وقال في استنكار: ألا ترجع إلى قائدك وتسأله.
وقلت له: هذا موضوع ليس فيه مجال للسؤال.
وحملق فيَّ... وساد الصمت بعض الوقت وهو ينظر إلينا، ونحن ننظر إليهم، وفجأة أحسست ان قناع الكبرياء المصنوع على وجهه كله يرتفع، وقال في صوت خافت مؤدب: لنا طلب إنساني عندكم. قلت: ما هو.
قال: نريد ان نسحب قتلانا عندكم في المعركة السابقة... أنت تعرف أن أهل القتلى يحبون الاحتفال بدفن أبنائهم فهل تمانعون.
ونظرت، وصوته الخافت المؤدب يثير في أعماقي شعوراً غريباً بالراحة والرضى. نحن نوافق لكم على هذا الطلب الإنساني.
وحين عدنا إلى مواقعنا مرة أخرى عبر الطريق، كانت سيارة الجيب الصغيرة التي كنا فيها نضج بالضحك والمرح. كنا نقارن بين بداية المقابلة ونهايتها. العنجهية والكبرياء عند طلب التسليم والأدب والحياء عند طلب جثث القتلى.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر