الراصد القديم

2012/05/22

سوق الشوام في حيفا




علي بدوان

تميزت مدن فلسطين العامرة قبل النكبة بأسواقها وحوانيتها، وبضجيج وصخب الحياة على امتداد شوارعها وحاراتها وأزقتها. وبالمظاهر الحضارية الشاهدة عليها كالمسارح ودور السينما، ونشاط العمل الاعلامي كالصحف والمطبوعات وغيرها.
والآن، مر على مدينة حيفا أربعٌ وستون شهراً من شهور نيسان المتتالية كل عام، وما زال هواؤها وبحرُها وأرصفتُها وشوارعُها وحجارتُها تتذكَّرُ الحجَّارين والبنَّائين والصَّيَّادين والبحَّارة وعمَّال المصانع وسكك الحديد والفلاحين والمعلِّمين والمثقَّفين وغيرهم من أبنائها الذي غادروها عام النكبة بفعل عمليات التطهير العرقي التي قامت بها قوات الهاغاناه بدعم مباشر من قوات الانتداب البريطاني. كل هؤلاء تتذكَّرهم وتذكُرهم وتُذكِّرهم مدينة حيفا بأنَّ العودة أكيدة مهما طال الزمن.
مدينة حيفا، عروس البحر المتوسط، وفردوس فلسطين المغتصب، ضمت في ثناياها عدة أسواق رئيسية هي : سوق الأبيض، سوق الواد، سوق الهدار، سوق المركز، سوق شارع الملوك، وسوق الشوام :
• سوق الأبيض كان قائماً بالقرب من ساحة الحناطير أو (ساحة الخمره) (الخاصة بعربات الحناطير والتاكسي) والتي باتت تسمى اليوم بساحة باريس، بعد أن تحولت مع السوق بعد تدميره بعيد النكبة الى محطة للمترو (ريكبيت) الصاعد الى الكرمل. سوق الأبيض اختص ببيع الجلديات والمكسرات، واللحم والخضار، والتحف والمنوعات والحلوى كالبقلاوة وغيرها، وحتى الحلاوة الحمصية المعروفة الان في سوريا الحالية.
• سوق الواد، ويقع في وادي النسناس وهو السوق العربي الوحيد الذي مازال قائماً الى الآن، وفيه نجد كل شيء تقريباً.
• أما سوق الهدار فمعظم محلاته كانت لليهود من أبناء العرب أي من اليهود الفلسطينيين الذين عاشوا على أرض فلسطين دون تمييز ودون تفرقة.
• سوق المركز يقع في شارع اللنبي، ويضم بين جنباته محال بيع الأحذية، والعطورات، والصاغة الذهبية والفضيات، والاكسسوارات النسائية.
• أما سوق شارع الملوك، فقد كان ايضاً من الأسواق العامرة في مدينة حيفا، وفيه كل شيء تقريباً.
• لكن الأهم من كل تلك السواق كان سوق الشوام، الذي ربط مدينة حيفا بمدينة دمشق برابط كان أكبر من رابط اقتصادي أو تجاري. فمدينة حيفا كانت على الدوم نقطة استقطاب لسكان دمشق وضواحيها كما كان الحال مع مدن طبريا والناصرة ويافا وسمخ وصفد.... وفي العودة لكتاب صدر عن المكتبة العمومية بدمشق عام 1946 وفيه نبذه عن حياة وعناوين واعمال رجالات البلد، نجد أن عدد كبيراً من رجالات سوريا كانوا من سكان مدينة حيفا، فالواحد منهم كان يملك عنوان في سوريا الى جانب عنوانه في حيفا أو عنوان عمله ومحله التجاري في حيفا أو باقي المدن الفلسطينية. منهم على سبيل المثال مدونة الرئيس الراحل شكري القوتلي وعنوانه الدمشقي والحيفاوي، ومدونة معامل (أصفر وخطيب) للبلاط والموزاييك والرخام والحجر وعنوانها بدمشق وحيفا ... الخ
*************************
سوق الشوام
سوق الشوام في حيفا يلخص الحال الطبيعية التي تقول بأن حيفا ودمشق شقيقتان وتوأمان من جسدٍ واحدٍ. كان هذا السوق واقعاً قرب حارة الكنائس، وبالقرب من ساحة الجرينة، مقابل الجامع الكبير (جامع الاستقلال الذي كان يخطب فيه الشهيد عز الدين القسام) في قلب مدينة حيفا، وقد غلب عليه حضور ووجود التجار الدمشقيين من أبناء مدينة دمشق، الذين امتدت محالهم التجارية داخل السوق، فيما اختص السوق ببيع المنسوجات والأقمشة المختلفة والقطنيات والمناشف والبرانص والملابس الداخلية، اضافة للأحذية وغالبيتها من صناعة دمشقية. ومن بين تلك المحلات كانت محلات تعود للعائلات المدشقية التالية (ملط، ملص، تابري، حجار، حجازي، نارتو، الملقي، حوتري، حوارنة، فواز، كشورة، السروجي، الكناني، أصفر، الزعيم، الخطيب، مظفر الحموي، المهايني، دوماني، آغا، عنبري، العسلي، النجار، أبو نعيم العسل ...) ومن المحال التجارية الشهيرة في سوق الشوان كان محل أبو معروف الشامي صاحب حانوت (العشرة بقرش) الشهير في سوق الشوام في حيفا.
في سوق الشوام كنت تجد كل شيء تقريباً، حيث كنتَ تجد فيه من المرَق حتَّى الورَق والعَلَق ومن الحامض إلى الحلو، ومن الإبرة حتَّى الوِزرة.
المواطنة الفلسطينية جميلة دهشان، الموجودة الى الآن في مدينة حيفا تستحضر عبر ذاكرتها الحية سوق الشوام في حيفا قبل النكبة، فتقول :
وسوق الشوام عالدوام بافخر القماش مليان
احسن جهاز للعرايس وبدلات جوخ للعرسان
واحذيه اخر موديل وجميع انواع الاكسسوار
ومحل الصايغ قطوف فيه طلبات العروس
محل الصايغ العجمي معامله حسنه و مشهور
وفي سوق، كنت تجد أيضاً محلات تجارية لتجار من مدينة نابلس، منها محلات عائلة الخروف وستيتية وملحيس ... وفي سوق الشوام أيضاَ محل ابو معروف اللبناني من عائلة كساب/ وهو محل تجاري انشهر جدا في حيفا قبل سقوطها، اضافة لمحال المثلجات، التي تقول فيها جميلة جهشان :
ما احلى ايام زمان لما كنا اولاد صغار
نسكن بحارة الكنائس كانت احلى ايام
جارتنا ماري غوروس مشهوره بعمل البالوظه
تسكبها بصدر نحاس ملونه بكل الالوان
بماء الزهر مطعمه وبالمكسرات مزينه
نشتري منها كبار وصغار تسترزق وترجع عالدار
وكل يوم تعمل صدر بالوظه طازه وتبيع حتى في يوم العيد
و مابننسا بوظة جارنا محمود اطيب بوظه بالوجود
كان ينادي ويقول حليب وإيما يا بوظه ثلاث الوان الفوركيته
نتجمع كل اولاد الحي ونشتري من محمود بوظه
اجود بوظه حيفاويه طعمتها بالمستكا شهيه وبالفستق الحلبي غنيه
افضل بوظه بحر الصيف بتتقدم لاعظم ضيف
شو شربنا شراب جلاب يا زبيب فيه صنوبر مع زبيب
وشراب التمر هندي بتقدم للافندي
وشراب العرق سو س بالكاسات الفضيه
منعش وطعمه لذيذ

وكان رئيس بلدية حيفا رشيد الحاج ابراهيم المولود في مدينة حيفا سنة 1891، وعضو المؤتمر السوري الأول وسائر المؤتمرات الوطنية الفلسطينية وأحد قادة حزب الاستقلال الفلسطيني، وأحد رجالات فلسطين وقادتها خلال الانتداب البريطاني، قاد المقاومة في حيفا قبل احتلالها في نيسان/ أبريل 1948، وتوفي في عمّان سنة 1953 ودفن في مقبرة الدحداح في دمشق بناء على وصيته، وايماناً منه بوحدة فلسطين الجغرافية والبشرية مع سورية الوطن الأم.
*************************
في الثاني والعشرين من نيسان 1948 سقطت مدينة حيفا بيد العصابات الصهيونية، فقد اجتاحت المدينة قوات لواء كرملي ولواء اسكندروني من قوات الهاغاناه، وقوات البالماخ (كتائب السحق بالعبرية) وعصابات ليحي، واستطاعت السيطرة الكاملة عليها، في وقت قامت فيه قوات الانتداب البريطاني بتسليم عصابات الهاغاناه أغلب المواقع الحيوية في المدينة ومنها عمارة سكة الحديد والبريد، كما وقفت تتفرج على مايجري في حيفا، ووقف القائد البريطاني الجنرال (سكويل) ينظر ويتفرج أيضاً من شرفة مقر قيادته في جبل الكرمل، بل وكانت قوات الانتداب تعمل على تسهيل مهام القوات الصهيونية خصوصاً بالنسبة لتهجير الفلسطينيين عبر بوابتين، بوابة أولى نحو مدينتي جنين وطولكرم لتهجير وتطفيش اكبر عدد ممكن من السكان والمواطنين الفلسطينيين، وبوابة ثانية نحو الميناء في البحر لحمل الفلسطينيين كلاجئين نحو لبنان وسوريا.
لقد قام الجيش البريطاني (جيش سلطات الانتداب) بدور فعّال بترحيل وتسهيل عملية التطهير العرقي للعرب الفلسطينيين من مينة حيفا والتي قامت بها العصابات الصهيونية، وبكافة الوسائل ومنها الترحيل القسري تحت النار برّا الى جنين والناصرة وطولكرم، وبحراً الى لبنان وسورية، وفتحوا لهم ابواب الميناء وطلبوا منهم ان يلجأوا داخلا الى ساحات الميناء، وعندما أصبحوا في داخل الميناء اقفلوا البوابات ومنعوهم من الخروج وأجبروهم على مغادرة حيفا بحراً. انه الدور القذر الكبير الذي قامت بها بريطاني في اقامة الكيان الصهيوني على انقاض الكيان الوطني والقومي للشعب العربي الفلسطيني.
وبعد أن اتمت عصابات الهاغاناه احتلال حيفا، وتنفيذ اوامر بن غوريون بتشريد سكانها العرب، الذين لم يبق منهم سوى حوالي الثلاثة آلاف مواطن فقط من مدينة عامرة كانت تضج بالصخب والحياة، بعد ذلك قررت قادة الهاجناه تجميع من تبقى من أبناء المدينة الأصليين من العرب الفلسطينيين في حي وادي النسناس وحي العباس.
*************************
وكانت القوات اليهودية قد وضعت خطة متكاملة لاحتلال مدينة حيفا، اطلقت عليها اسم (مسباريم بالعبرية) (أي المقص)، وحدثت معارك ضارية في حي الحليصة، وحارب العرب واستبسلوا حتى ان نفذت معداتهم وسقطت حيفا يوم الثاني والعشرين من نيسان/ابريل من عام 1948، لتنتشر بعد ذلك أعمال العنف والقتل والسلب والنهب والحرق في مختلف أحياء المدينة وأسواقها من وادي النسناس الى وادي الصليب ووادي الجمال ووادي روشميا، والحليصة وأرض البلان والزوارة والكروم والمرج والزيتون والحلقة والوردية وشاطئ الرمل و (أبو نصور) والعزيزية، وشوارع العراق والناصرة والجبل والراهبات والمخلّص وصلاح الدين واحمد شوقي والمامون والأخطل والفرزدق والصنوبر والأفغاني والملوك والبوتاجي، وغيرها مما استُبدلت اسماؤه. فنهبت سجاجيد شارع العباس وشارع الملوك حتى أثاث البيوت بما فيها جران الكبة، ونسافات عث، وحتى الكتب ككتب الفارابي وقد خصصت لتك المسروقات ساحة في معرض الشرق في عنق تل أبيب لبيعها من قبل عصابات الاحتلال لليهود القادمين الجدد لفلسطين في عنق تل أبيب. كما تشير ذاكرة المناضل الفلسطيني أميل حبيبي الذي بقي في مدينة حيفا وأبى مغادرتها.
وكان نصيب سوق الشوام من النهب نصيباً كبيراً الذي تم نهبه ونهب مخازنه من قبل عصابات الهاغاناه والبالماخ وليحي وغيرها من العصابات الصهيونية، وتم حرقه بعد ذلك ولم يبقى له أثر من حينها.
ان حيفا المدينة الفلسطينية، تنتظر عودة أبنائها، وعلى حد ماقاله أبن المدينة خالد تركي والذي مازال حياً يرزق في قلب مدينته حيفا :
ولَو شرَّحْتُم جَسَدِي لَسَالَ مِنْهُ عَنَاقِيدٌ وَتُفَّاحُ
وَلِو فَتَحْتُم شَرَايِيني بِمِدْيَتِكُم سَمِعْتُم في دَمِي أَصْوَاتَ مَنْ رَاحُوا

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر