الراصد القديم

2012/05/15

الهويـة القوميـة لشبـاب ١٩٤٨




أنطـوان شلحـت


منذ سنة 2000 وما شهدته مناطق 48 من انتفاضة شعبية عرفت في ما بعد باسم «هبة أكتوبر»، لوحظ أن ردة الفعل الإسرائيلية على أي حراك للفلسطينيين في الداخل كانت متسمة بمنحيين متوازيين: منحى ترهيبي ومنحى احتوائي. ولئن كان المنحى الأول يشكل استمرارًا للسياسة الإسرائيلية منذ النكبة على مراحلها المتعددة، فإن الهدف الرئيس للمنحى الثاني طوال العقد الفائت يتجسد في تواتر محاولات مسخ أو تشويه الهوية القومية والوطنية لهؤلاء الفلسطينيين، ولا سيما هوية الأجيال الشابة التي اعتبرت «الأكثر قابلية للتطرّف» من وجهة نظر المؤسستين السياسية والأمنية في إسرائيل. يمكن القول إن هذه المحاولات كانت مقرونة بتطورين: رسوخ الهوية القومية والوطنية للفلسطينيين في الداخل من جهة، ومن جهة أخرى بروز مرحلة جديدة من الوعي السياسي فحواها الأساسي تحدي فكرة الدولة اليهودية. يرى كثير من الباحثين (في مقدمهم الدكتور سامي مرعي) أن عمليات التنشئة السياسية على الهوية القومية الفلسطينية في الداخل أصبحت منذ بداية سبعينيات القرن العشرين جارفة تقاوم كل تيار مناقض أو حتى أي تيار مختلف معها، بما فتح المجال أمام حدوث عملية تسيّس جماهيرية شاملة انعكست أكثر شيء في «يوم الأرض» (1976) وفي سائر الأيام النضالية التي تلته وتلونت به. ويشدّد هؤلاء الباحثون على أن الثورة الفلسطينية كانت تتويجاً للهوية القومية، وعلى أن هذا التتويج لم يؤد إلى الركود (الاستكانة) بل كان مولدًا ومدفقًا لهذه الهوية، حيث إنه وهبها البعد المستقبلي والهدفية في إطار من وحدة الانتماء ووحدة المصير، على الرغم من تباين المواقع والظروف وتغايرها. وقد تفتق الوعي الجمعي وأبدع من خلال مبادرات كثيرة مثل برامج صيانة التراث وإحيائه، وإقامة المسرح الوطني، وتشجيع الفنون التشكيلية، وإنتاج الوعي الفلسطيني الأصيل وبثه ونشره، ورعاية الطفولة والشباب وحمايتهما من الاغتصاب الحضاري والقومي.. الخ.
في موازاة ذلك، يؤكد البروفسور نديم روحانا أن التحدي الذي طرحه الفلسطينيون في إسرائيل للدولة اليهودية - فكرا وتطبيقا - شفّ عن قوة كامنة كبرى تتكشف ببطء، ومن شأنها أن تؤدي بصورة تدريجية إلى نقل مركز الثقل الفلسطيني في كل ما يتعلق بتحدي جوهر الفكرة الصهيونية إلى داخل إسرائيل نفسها.


أدوات الاستهداف
لعل أبرز أدوات استهداف الهوية القومية والوطنية لشباب 48 هو القرار الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية في شباط/ فبراير 2007 والقاضي بتجنيد هؤلاء الشباب في إطار ما يسمى رسميا بـ«الخدمة الوطنية»، والتي تُسَوّق لدى المواطنين العرب على أنها «خدمة مدنية». وقد كانت مسألة «الخدمة المدنية» للشباب العرب تشتط وتخبو في جدول الأعمال الإسرائيلي العام. وبرزت بادئ ذي بدء على خلفية الوعي السياسي الجديد الذي تطرقت إليه «لجنة أور» (اللجنة الحكومية الإسرائيلية لتقصي وقائع «هبة أكتوبر 2000») في تقريرها الصادر سنة 2003، واقترحت فيه طرقاً لتفاديه. وكان في طليعة استنتاجات تقرير هذه اللجنة وجوب أن تعالج السلطات الإسرائيلية ما أسمته «مسألة الغربة والعداء بين الشرطة والمواطنين العرب». وأقيمت في سنة 2003 لجنة وزارية لمتابعة توصيات «لجنة أور» عرفت باسم «لجنة لبيد». وقدمت هذه اللجنة اقتراحاً متكاملاً لإنشاء هيئة حكومية تعمل على تنفيذ تجنيد الشباب العرب في «الخدمة المدنية». واعتقدت اللجنة أنه من خلال هذه «الخدمة» يتم جسر الهوة بين الشباب العرب ودولة إسرائيل، ويتم صقل وعي جديد يستبدل الهوية القومية للشباب العرب أيضا. وانتقلت التوصيات من لجنة إلى أخرى حتى وصلت صيغتها الأخيرة إلى الحكومة الإسرائيلية التي أقرت في شباط 2007 توصيات تحاول الالتفاف على القيادات العربية والتوجه إلى الشباب مباشرة.


الشباب والهوية واللغة

نص قرار الحكومة على إنشاء برنامج «الخدمة الوطنية - المدنية» وإقامة إطار حكومي لتطبيقه وإقامة «مديرية الخدمة المدنية - الوطنية» بغية إدارة البرنامج في إطار هيئات عامة وسلطات محلية أو مؤسسات أهلية (جمعيات) تحصل على موافقة وترخيص خاص من قبل الوزير المُخَوّل. كذلك قررت الحكومة منح هبات مالية ومساعدات أخرى، لمن يخدم في «الخدمة المدنية - الوطنية»، وقامت السلطات الإسرائيلية بحملة واسعة للترويج لها. وفي المقابل قامت مؤسسات أهلية وسياسية عربية بحملة توعية وفعاليات مناهضة لبرنامج «الخدمة المدنية». وعلى المستوى السياسي القطري انبثقت لجنة خاصة عن لجنة المتابعة العليا للعمل إعلاميًا وسياسيًا، ولتعبئة الجماهير ضد هذه «الخدمة» وتوضيح أبعادها الخطرة. وتولي الحكومة الإسرائيلية الحالية أهمية كبيرة لبرنامج «الخدمة المدنية». ولا بُد من الإشارة في هذا الشأن إلى أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو حرص في الخطاب الذي ألقاه في 31 آذار/ مارس 2009، عشية تقديم حكومته في الكنيست، على أن يتعهد بـ«اتباع سياسة مساواة بين اليهود والعرب ودمج المواطنين العرب في الاقتصاد الإسرائيلي»، غير أنه ظل يشترط ذلك بضرورة انخراط الشباب العرب في «الخدمة المدنية». وفي الاجتماع الذي عقدته الحكومة في 26 آذار/ مارس 2012 والذي طرح في جدول أعماله موضوع «اتساع نطاق الإجرام في صفوف عرب إسرائيل»، شدد نتنياهو على أن «الوسط العربي» يستطيع أن يساعد نفسه في كل ما يتعلق بتشديد تطبيق أحكام القانون أيضا من خلال التطوع في صفوف «الخدمة المدنية».
ثمة أداة استهداف أخرى كشفت عنها جمعية الثقافة العربية (الناصرة) عبر «مشروع المناهج والهويّة»، الذي أطلقته سنة 2010، وتقوم من خلاله بمراجعة ودراسة ورصد الأخطاء اللّغويّة والمضمونيّة في كتب التدريس للصفوف الابتدائيّة والإعداديّة، بهدف كشف مواطن التشويه التربويّ والثقافيّ في المناهج القائمة، وممارسة الضغط من أجل تصويبها، والعمل الجاد من أجل خلق البديل الملائم لهويّة المجتمع الفلسطينيّ في الداخل وتطلعاته. ويُعنى هذا المشروع بالكتب التدريسيّة على مستويين:
الأوّل، من الناحية اللّغويّة وسلامة اللّغة العربيّة التي كتبت بها الكتب، حيث يتمّ رصد الأخطاء اللّغويّة في جميع الكتب المستعملة للصّفوف المحدّدة، وتصنيف هذه الأخطاء وتصحيحها؛
الثّاني، من ناحية المضامين، حيث يتمّ فحص الكتب التي توصلُ مضامين تربوية أو معلوماتية تعليميّة في المجالات الآتية: التاريخ، الموطن، الجغرافيا، العلوم، الرياضيات، الأدب واللغات، وموضوعات غيبت عن المنهاج على أهميتها مثل الفنون.
ويأتي الاهتمام بكشف السياسات التربويّة والتعليميّة الإسرائيليّة المفروضة على المجتمع الفلسطينيّ في الداخل، وبالبحث العلميّ والنقديّ والكشف التفصيلي والعينيّ لمواطن الأخطاء والتشويه في المناهج، من منطلق تأثيرها ودورها الحاسم في بلورة الهويّة الثّقافيّة لهذا المجتمع، حيث تشكّل المناهج مصدر المعرفة «الموضوعيّة» و«العلميّة» للطلبة والمعلمين في كل المجالات، لا سيما في مجالات تصوغ وعي الطالب ولغته وهويّته وإدراكه لبيئته، خصوصًا اللّغة العربيّة والتاريخ والموطن والجغرافيا. ففي حين يدرك القاصي والداني جوهر السياسات التي تتبعها وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية ومسعاها لتشويه الهويّة القوميّة والوطنيّة وأسرلة الطالب العربيّ، فإن المهمة التي وضعتها الجمعيّة في مشروعها هي تفكيك وتحليل كل النصوص التعليميّة للصفوف الابتدائية والإعدادية التي يجب أن تخضع للبحث والنقد والمراجعة من زاوية نظر علميّة وتربويّة عربيّة وعدم الاكتفاء بالمقولات العامة.


يتعلمون تاريخ كفربرعم تحت أشجارها

وجمعية الثقافة العربية هي جمعية مستقلة تأسست سنة 1998 بهدف تعزيز وبلورة الهوية القومية والثقافية للفلسطينيين في الداخل، وفق أسس إنسانية وديموقراطية، وذلك إيماناً منها بحاجة كل أقلية قومية لتعريف ذاتها بما يتلاءم مع تحديات العصر ومستجداته. وترى الجمعية أن الثقافة هي نشاط إبداعي مستمر يعكس هموم الواقع وتحديات العصر، ويحمل في طياته إرثاً ثقافياً عربياً عريقاً. ومن هذا المنطلق تشدد الجمعية على ضرورة التصدي الثقافي لسياسات التشويه المؤسّساتية الرسمية التي يتعرض لهما المجتمع الفلسطيني في الداخل.
وفي ما يتصل باللغة العربية ودورها، تؤكد أدبيات الجمعية، من ضمن أمور أخرى، ما يلي: يعيش العربيّ في إسرائيل حالة من رباعيّة لغويّة قسريّة، وفي بعض حالات «الترف» حالة من خماسيّة اللغة، إذ تضيف بعض المدارس الأهليّة اللغة الفرنسيّة أو الإيطاليّة أو الألمانيّة ابتداء من الصفوف الدنيا، وعندها يزدحم كمّ كبير من اللغات على الطفل العربيّ، يزاحم العربيّة الفصحى التي يتعلمها كغيرها من اللغات، ذلك لأنّ كلّ لغة بعد العاميّة هي لغة ثانية، لا يواجهها الطالب بشكل ممنهج إلا على مقاعد الدراسة، فمن ناحية تُضرب الفصحى باقتحامات سالبة من العاميّة، ثمّ تتلقى ضربات من العبريّة التي تدخل مجال المزاحمة في سنّ مبكّرة لكونها اللغة المسيطرة ولغة التعامل الرسميّ وغير الرسميّ في شتى مجالات الحياة العلميّة والعمليّة. ولم يكن التّماسّ بين العربيّة والعبريّة في المؤسسة المدرسيّة فحسب، إذ إنّ التماسّ الواسع المنفلت المهدّد للعربيّة نشأ من جملة عواملَ أدّت إلى فتح ثغرات لدخول العبريّة في حديثنا.
وتضيف: لا نعدو الحقيقة حين نقرّر أنّ السلطة في إسرائيل على اختلاف أحزابها وتوجّهاتها (ولا يشمل مصطلح السلطة الأحزابَ العربيّة) تضع أمامها رؤية ورؤيا، تتلخص في تحقيق الدولة اليهوديّة المتحدّث عن سِمَتها هذه صباح مساء، وهذا الواقع يحمل في أحشائه مجملَ نظريات النقاء العرقيّ المنصهر في الدينيّ في الحضاريّ، ولا يتأتى هذا إلا بتطبيق نظريات إفراد المُغاير، أو تفريغِهِ من المقوّمات التي يهدّد بقاؤها رؤية ورؤيا الدولة اليهوديّة، وعلى هذا سارت وفق متتالية حلقاتُ الاقتلاع من الوطن، مصادرة الأرض، الاستيطان، التهويد، الأسرلة وأخيرا العَبْرَنة، وهي أخطر ما يتعرض إليه العربيّ المواطن في إسرائيل لأنه موجّه إلى صميم الخاصّ الأسمى في العامّ القوميّ، فالناظر إلى منهجية تعامل وزارات التربية والتعليم قادر على تشخيص الحالة المَرَضيّة لمنهج اللغة العربيّة والمتمثلة في الانحطاط والانحلال والتفسّخ وبتر الأعضاء، ولو حيّدنا عمدا حقيقة أنّ ضرب اللغة كفيل بقطع التواصل مع ما أنتجه أصحابها من إبداع عبر العصور في مجالات المعرفة العامّة، في التاريخ والطب والفلك والفلسفة والمُجْتمَعِيّة والجبر وفقه اللغة والأدب .


تحدي فكرة الدولة اليهودية
في واقع الأمر فإن تحدي فكرة الدولة اليهودية في صفوف فلسطينيي 48 بدأ منذ أن طرحت هذه الفكرة قبل نحو عشرة أعوام. وقد بيّن استطلاع الرأي العام السنوي الثاني الذي أجراه مركز «مدى الكرمل» للأبحاث الاجتماعية التطبيقية في سنة 2005 واستطلع فيه آراء وتوجهات الفلسطينيين في إسرائيل إزاء مجالات حياتهم المتعددة وخصوصًا السياسية والاجتماعية، أن 90 بالمئة منهم يعتقدون أن تعريف إسرائيل كدولة يهودية لا يضمن المساواة للمواطنين العرب، وأن 81 بالمئة يرون أن هناك تناقضًا في تعريف إسرائيل لنفسها كـ «دولة يهودية وديمقراطية» في الوقت نفسه. كما بيّن أن 83 بالمئة يعتقدون أن تعريف إسرائيل كدولة يهودية غير عادل، وأن 85 بالمئة لا يوافقون على ادعاء اليهود أن لهم حقًا تاريخيًا في إقامة دولة يهودية في البلاد، وأن 94 بالمئة يقبلون بحل تكون إسرائيل بموجبه دولة جميع مواطنيها وتضمن مساواة تامة لجميع المواطنين فيها. وليس من المبالغة أن نفترض أن هذه النسب ارتفعت أكثر، وذلك في ضوء ما نشهده منذ ذلك الوقت من تفاقم المحاولات المنهجية الرامية إلى تغيير أصول اللعبة الديمقراطية وصورة إسرائيل من الأساس، وذلك بهدف تحويلها إلى دولة يهودية دينية يمينية متزمتة، يكون التشديد فيها على طابعها اليهودي لا على طابعها الديموقراطي.




0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر