الراصد القديم

2012/05/19

دوما والعلاقة المرتبكة مع دمشق






طارق العبد

ريف دمشق هو تلك المساحة الشاسعة المحيطة بالعاصمة السورية من الغرب، حيث الصبورة والزبداني وبلودان ومضايا، ومن الجنوب حيث الكسوة، ومن الشمال حيث دوما وحرستا ورنكوس والقلمون، وهناك أيضاً داريا والمعضمية وقطنا.

هي ببساطة المدن والبلدات التي تتوزع على طول الطرقات التي تربط دمشق بحمص ودرعا والجولان ولبنان، وهي على كثرتها، لكل منها حكايتها الخاصة على وقع الأزمة التي تضرب البلاد.

قصص كثيرة تفرض عليك اختيار منطقتين لزيارتهما، لكن كل بلدة تشدك إليها بحكاية لا تشبه سابقاتها، على أن أصوات الرصاص وقصص التشدد في دوما تبدو لافتة، فيتسرب في ظل قطع الاتصالات عن البلدة أن عمليات متبادلة بين الجيش النظامي ومسلحين تشتد في دوما مع انسحاب تكتيكي لمسلحي «الجيش السوري الحر». إذا نحن أمام مشروع «بابا عمرو 2». فلنتوجه إلى دوما مع هدوء أصوات الرصاص.

لا يستغرق الطريق من دمشق إلى دوما أكثر من 15 دقيقة بالسيارة، لكن عليك البحث كثيراً عن سائق يقلك إلى المنطقة، ولو بأجر عال للغاية. وفي الطريق سيكشف لنا الرجل القادم من حرستا أن أصوات إطلاق النار هدأت للتو في دوما، وربما ساهم بذلك انتشار المراقبين الدوليين. طمأنة كانت ضرورية قبل الدخول بمفردك إلى منطقة عرف عنها التشدد الزائد، ورفعت فيها ذات مرة الرايات السوداء بدل أعلام «الاستقلال» التي دأب المعارضون على رفعها في تظاهراتهم، والأهم أنها معقل من معاقل المسلحين، حيث تتباين الروايات بين من يحتضن المنشقين وبين من كفر بوجودهم على أرضه.

يقطع سلسلة الأفكار هذه رجل الأمن، الذي يطلب البطاقة الشخصية، ويسأل عن سبب الزيارة، ويطلب تفتيش السيارة قبل أن يأذن لنا بالدخول. وبعد مسافة قصيرة سيتوقف السائق معتذراً عن إكمال الرحلة، وبالتالي عليك التجول في مدينة لا تعرفها بمفردك، ريثما يصل مرافقنا إلى شارع الجلاء في المنطقة، لكن هي في المقابل فرصة لاكتشاف الصورة الحقيقية لدوما، حيث يتمتع الأهالي بعفوية تجعلهم يروون لك الكثير عما جرى ويجري فيها.

دوما من الداخل

يفخر أبناء المنطقة بأرضهم ويقدمون لك تعريفاً تفصيلياً عنها، ما إن تسألهم عن حالها. فدوما تعتبر مركز الريف ومركزاً نشطاً جداً من حيث التجارة، ونسبة كبيرة من السكان تعمل في مجال الأراضي، سواء البيع والشراء أو الزراعة، وكذلك بحجم عال من النشاط التجاري. ودوما كانت، لفترة ما قبل 20 عاماً، تكاد تخلو من أي عنصر غريب عنها، باستثناء بعض العائلات الفلسطينية التي كادت تذوب في النسيج العام لأهالي المدينة. ويعتبر سوقها الكبير مركزاً حيوياً واقتصادياً مهماً تعتمد عليه جميع المناطق المحيطة بها، بالإضافة إلى وجود الكثير من الدوائر الحكومية المهمة فيها، ما يتيح دخول أعداد كبيرة من الناس إليها يومياً، منهم المتسوقون وأصحاب الحاجات، ما يدر عليها أرباحاً جيدة.

ويعرف أهل المدينة بالسعة الاقتصادية، فمعظمهم من التجار، ويوصفون بالطيبة والكرم والنخوة والمحافظة. وازدادت علاقاتهم قرباً وبريقاً مع اندلاع الاحتجاجات، فجميع عائلاتها متكاتفة مترابطة لا ينام فيها جائع. وفي داخل المدينة، وتحت مراقبة القناص، ثمة ناشط وطالب جامعي يسرد لنا تاريخ المدينة، قائلا: رفضت المدينة حكم حزب البعث إبان الانفصال، وبقيت ثائرة، بعد أن فضت الوحدة مع مصر، لفترات طويلة من دون أن يستطيع النظام الجديد فرض سطوته عليها.

ولم ينخرط أهالي المدينة سوى بأعداد قليلة جداً في السلك الحكومي أو ضمن كوادر حزب البعث. وانتشرت فيها قبل الاحتجاجات أحزاب وتنظيمات سياسية، وكان لأهلها انخراط واسع في العمل السياسي خلال الفترات السابقة للعام 1990، ضمن بعض الأحزاب الشيوعية والقومية، وأهمها حزب الاتحاد الاشتراكي الأوسع انتشاراً بين صفوف أهلها في فترة السبعينيات والثمانينيات، وجماعة الإخوان المسلمين التي نشطت في الثمانينيات، وتعرض المنتسبون فيها إلى ما تعرض له باقي أعضاء الجماعة في حماه وغيرها، من ملاحقة وقمع.

انغلقت المدينة سياسياً بعد ما تعرض له النشطاء فيها، من جميع التيارات، من قمع واعتقال وإرهاب. وظهرت فيها بعض التيارات الإسلامية الوهابية والسلفية خلال العقدين الأخيرين، ولكنها ضمن نطاق ضيق جداً، بفعل السطوة الأمنية والملاحقة، ورغم تميز المدينة بالمحافظة، لكنها تعتبر من المدن الوسطية دينياً، ولا يعير أهلها الكثير من الاهتمام للتوجهات المتطرفة دينياً، أو الحركات المسماة بالجهادية المسلحة، ولم تسجل حوادث تذكر أو اعتقالات سابقة قبل «الثورة» على تلك الخلفيات.

ننجح بفضل مرافقنا في الوصول إلى إحدى ناشطات «الحراك الشعبي» في دوما، التي ستخبرنا الكثير عما يجول في عقول أهل ريف دمشق. هكذا تعتبر محاورتنا أن وجود المراقبين الدوليين كان وبالاً على دوما، بدلاً من أن يخفف عنها بسبب الاعتقالات والاقتحام المتكرر، إضافة للقصف. وفي الحقيقة هناك حلول كثيرة لو كانت هناك إرادة دولية حقيقية بالتخلص من هذا النظام، وإنهاء القتل في سوريا، فالنظام هو المسؤول الأول والأخير عن سقوط أي ضحية في البلاد، من جميع الأطراف، والمجتمع الدولي لا يزال يشكل غطاء لذلك النظام. تتابع الناشطة: نحن كنشطاء نعي تماماً بأن أحداً لا يعمل لأجلنا، بل إن مصالح إسرائيل والغرب هي من يتحكم بقضيتنا.

وبحسب وجهة نظر الناشطة فإنه لا يوجد مؤيد في سوريا، بل يوجد صاحب مصلحة، وهم الفئة الدائرية حول النظام، كما يوجد من هو خائف مع ما يشاهده من إجرام فيصمت أو يؤثر السلامة فينخرط في صفوفه، ولكنهم ليسوا مؤيدين. كما يوجد، وأعترف، فئة ثالثة هي فئة المتأثرين بالدعاية الطائفية، وهم من يعمل النظام منذ انطلاق «الثورة» على شحنهم، وهم أيضاً ليسوا مؤيدين بل خائفين من المجهول، بحسب قولها.

نحاول العودة إلى ارض دوما حيث باتت سمة التطرف والنزعة الدينية المتشددة احد ابرز سمات المنطقة، خصوصاً اثر تسريب مقاطع فيديو توضح تظاهرات رفعت فيها رايات سوداء شبيهة بتلك التي يرفعها مناصرو تنظيم القاعدة. فتنفي ذلك قائلة: نحن في دوما خرجنا من اليوم الأول للاحتجاجات، وكنت أنا وناشطات أخريات أول من وقفن في الشارع نهتف، والشباب من كل التيارات معنا يهتفون خلفنا، وهذا يعني أننا ليس كما يرغب النظام أن يصفنا، فنحن قمنا بهذه الثورة لأننا نحلم ببلد للجميع، ذي حكم مدني عصري، السيد الوحيد فيه هو القانون، وبالتأكيد دوما، لا يوجد فيها تنوع طائفي، بل كلها من دين واحد وحتى مذهب واحد، ولكن ذلك طبيعي، فهناك توجهات سياسية مختلفة، فهناك إسلاميون وهناك تيار قومي قوي، والأكثرية، وأنا منهم، من لا يمثله أي تيار سياسي سوى تيار التغيير والثورة، وإن كان البعض يرفع راية سوداء لغاية معينة فهي تمثله وحده، أما عموم الناس فيرغبون بالتغيير للعيش في النور وليس في ظل استبداد جديد تحت أي مسمى كان. ونحن مسلمون نعتز بإسلامنا ونريد التعبير عن هذا الإسلام بسلوك راق متحضر يمثل أخلاقياتنا، أما الأهم لدينا فهو دولة يحكمها قانون مدني يساوي بين جميع الشرائح، ولا نسمع فيها ذكر لكلمة طائفة أو دين، بل يحترم الجميع وتلك طبيعة الإنسان السوري دائماً.



0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر