الراصد القديم

2012/05/08

الجولان: الاحتلال والمياه





نـزيه بريـك


للمياه شأن كبير في حياة المجتمع البشري وفي عالمنا الحاضر. وبسبب التطور الكبير الذي أضحت عليه المجتمعات البشرية واعتبار المياه كأحد أهم عناصر التنمية البشرية في مختلف فعالياتها - خاصة الزراعية والصناعية - التي تسعى إلى تحقيقها، أصبحت الموارد المائية مدخلا للصراع بين العديد من الدول، وتطور دور المياه ليصبح أحد المكونات الفائقة الأهمية للسياسة الدولية، حيث تحولت مصادر المياه إلى أدوات ضغط سياسي تمارسه بعض الدول التي تسيطر على مصادر المياه، على الدول المتشاركة على مجرى المصدر المائي.
إنّ أخطر ما يواجه مسألة الأمن المائي العربي هو المعادلة المائية غير المتكافئة بين العرب ودول الجوار. فالحصة العربية من المياه الإقليمية مرهونة إلى حدٍ كبير لإرادات غير عربية، حيث إن 60% من الموارد المائية العربية تنبع من خارج الأراضي العربية. وهذا الأمر، من منظور الواقع الإقليمي للوطن العربي، والمشاريع المائية الحاضرة والمستقبلية لدول الجوار والاحتلال الإسرائيلي للأرض ومصادر المياه، سيؤدي عملياً إلى توسيع ثغرة الأمن المائي العربي، وبالتالي تسديد ضربة قاتلة إلى الأمن الغذائي العربي.

التاريخ والحاضر
شكلت قضية المياه مركباً أساسياً في تصورات القادة الصهيونيين لحدود الدولة اليهودية التي سعوا لإقامتها على أرض فلسطين، حيث أرادوها أن تتمتّع بمقوّمات الدولة القادرة على الاكتفاء الذاتي الاقتصادي، لتضم حدودها الأرض الواسعة ومصادر المياه الضرورية للزراعة والصناعة. وعملت الصهيونية منذ قيامها على المطالبة بضم المناطق الغنية بالمياه إلى رقعة الأرض التي تزعم أنها جزء من «إسرائيل التوراتية»، بغية استيعاب الاستيطان اليهودي وتأمين «المجال الحيوي» لنشاطات المستوطنين المستقبلية. وتلخصت المخططات الصهيونية على صعيد الموارد المائية المتوافرة في توسيع حدود الدولة بحيث تشمل الأراضي الواقعة إلى الشمال والشمال الشرقي من فلسطين، وصولاً إلى منابع الأردن ونهر الليطاني وجبل حرمون (جبل الشيخ) واليرموك وروافده.
خلال الحرب التي بادرت إليها إسرائيل عام 1967 وبعدها، دفعت إسرائيل بالقوة إلى طرد السكان العرب من الجولان ولم يبق من السكان الأصليين والبالغ عددهم آنذاك ما يقارب 130.000 نسمة، إلا 6,400 نسمة. أما التجمعات السكانية (مدينة، قرية، مزرعة) والبالغ عددها قبل الاحتلال 140 تجمعا سكانيا، فلم يبق منها إلا 5 قرى، والباقي تم تدميره بالكامل، ليصبح الجولان، في فترة قصيرة معالم من الأطلال. ثم تبدلت جغرافية الجولان السكانية والمعمارية بعد أن انتشرت فوقه المستوطنات من شماله إلى جنوبه، حيث يبلغ عدد المستوطنات اليهودية 32 مستوطنة، يقطنها 19.500 مستوطن يهودي، أما عدد سكان الجولان العرب (حسب إحصاءات 2008) فبلغ 21.200 مواطن.
مواقع عسكرية سورية قديمة مطلة علي بحيرة طبرية
مواقع عسكرية سورية قديمة مطلة علي بحيرة طبرية
إن جغرافية الجولان المتحكمة بمصادر المياه الأساسية في المنطقة، كانت السبب الرئيس للاحتلال، وقد برز هذا واضحا من خلال تعطيل «إسرائيل» المشروعات العربية للاستفادة من مياه نهري اليرموك والأردن، ومن خلال طرح مشاريع «إسرائيلية» كثيرة لتحويل مجرى نهر الأردن إلى الأراضي المحتلة.
ويعتبر جبل الشيخ (جبل حرمون) من أهم المصادر المائية المغذية للجولان والمناطق المجاورة بسبب كميات الأمطار والثلوج المتساقطة فوقه. أما المصدر الثاني لمياه الجولان، فهي الينابيع. وبسبب غزارة الأمطار والتركيب الجيولوجي لتربة الجولان، فإن هضبة الجولان غنية بالمياه الجوفية والينابيع والآبار التي تتجه لتشكل روافد أساسية لنهر الأردن وبحيرة طبرية. المصدر الثالث للمياه في الجولان هو الأنهار، حيث يعتبر نهرا اليرموك وبانياس ووادي الرقاد مصادر مائية مهمة لهضبة الجولان ومحيطها لما تحمله من كمية مياه تروي هذه المناطق وتغذي نهر الأردن بكمية كبيرة. إلى جانب الأنهار والأودية، في هضبة الجولان عدد من الأنهار الصغيرة والسيول التي تجف في فصل الصيف وتشكل روافد لأنهار اليرموك وبانياس ووادي الرقاد.
إسرائيل والمياه
تتزود إسرائيل باحتياجاتها من المياه الطبيعية، والتي تقدر بـ 1550 مليون متر مكعب، من ثلاثة مصادر:
* الخزان الجوفي الغربي – الساحل.
* الخزان الجوفي الشرقي – المرتفعات الجبلية الشرقية في الضفة الغربية لنهر الأردن.
* بحيرة طبريا.
إن هذه المصادر تزوّد إسرائيل بما يقارب الثلث من احتياجاتها المائية فقط. والمعروف أن حدود حوض بحيرة يمتد طبريا إلى الشمال حتى حوض نهر الليطاني، وإلى الجنوب حتى حوض اليرموك، وإلى الشرق حتى حوض نهر الرقاد، أما جبل الجرمق فيشكل الحدود الغربية. ويمتاز هذا الحوض، خلافاً حوض الساحل وحوض الجبال، باستغلال مياهه السطحية بالأساس والتي تصب على مدار السنة في نهر الأردن، بالإضافة إلى جودة مياهه (ملوحة منخفضة). أما مياه الحوض الجوفية، فلم يتم استغلالها إلا بكميات قليلة: 20 مليون م3 من الجليل الأعلى الشرقي، 13 مليون م3 من الجولان و30 مليون م3 من غرب بحيرة طبريا. وتبلغ مساحة هذا الحوض 2,730 كم مربعا، منها 660 كم مربعا تقع داخل الحدود اللبنانية، وإذا أضفنا مساحة الجولان المحتل (1158 كم مربعا)، يتبين لنا أن ما كان يخضع للسيطرة الإسرائيلية من مساحة هذا الحوض قبل احتلال الجولان عام 1967 هو ما يقارب 900 كم مربع أي ثلث المساحة الكلية فقط. وهذا الحوض يزوّد بحيرة طبريا بمعدل مليار م3 في السنة، يتبخر من هذه الكمية 270 مليون م3، ويتم استغلال 250 مليون م3 في الشمال، فيما يتم سحب 450 مليون م3 (المشروع القطري) إلى الجنوب حتى النقب.

الاستيطان والسكان
في نهاية حزيران من عام 1967 قامت سلطات الاحتلال بأول مسح مائي (هيدرولي) للجولان، حيث تمَّ اكتشاف ما يقارب مئة نبع. عملت سلطات الاحتلال على تسريع مشروعها الاستيطاني في الجولان، كي تثبّت سيطرتها على الأرض من خلال الوجود البشري.
تطلب تطوير المشروع الاستيطاني في الجولان توفير بنية تحتية تضمن تطوير القطاع الزراعي، الذي ما زال يشكل القاعدة الاقتصادية الأهم للمستوطنين. وتبلورت هذه البنية التحتية في وضع خطة شاملة لتوفير المزيد من المياه للقطاع الزراعي، تقوم على بناء مجمعات مائية موزعة من شمال الجولان حتى جنوبه، بحيث يضمن هذا التوزيع ليس سدّ احتياجات المزارعين فقط وإنما يضمن انتشار الاستيطان فوق أرجاء الجولان كله أيضاً.
انطلاقا من هذه الرؤية، أقامت سلطات الاحتلال الاسرائيلي 22 مجمعا مائيا بقدرة استيعاب تصل إلى 46.6 مليون م3، بالإضافة إلى بركة رام الطبيعية التي تصل سعتها إلى 6.8 ملايبن م3. أما كمية المياه التي تستخرجها سلطات الاحتلال من الحفريات المائية، فتبلغ 16.2 مليون م3 في السنة ويتم استخراجها من سبع آبار.
يبقى القول إن الأرض والماء يشكلان المادة الأهم في استراتيجية الفكر الصهيوني، فالأرض هي الحيّز الضروري لاستيعاب المهاجرين اليهود والزيادة السكانية وهي شرط مادي من شروط توفير القاعدة الغذائية للسكان، أما الماء فهو أوكسجين الزراعة.

المياه والصراع
إن ندرة المياه في منطقة الشرق الأوسط أصبحت مشكلة سياسية خطيرة لعدد من الأسباب، منها الخلل في توزيع المياه في المنطقة، فإسرائيل تحصل على ثلثي احتياجاتها المائية من مصادر خارج حدود 1948، ومع تزايد عدد السكان، وبالتالي تزايد الاحتياجات المائية، تصبح مصادر المياه عاملا هاما في صياغة الصراع العربي - الإسرائيلي. والجدلية القائمة بين الأمن المائي والأمن الغذائي - كلاهما يأخذان حيزا مهما في صوغ مفهوم «الأمن القومي» - سيكون لها شأن مهم في تحديد «أولويات» أي مفاوضات بين إسرائيل وسوريا، لكن ما لا جدل فيه أن القوه العسكرية – كما كانت دائما - تفرض نفسها في صوغ مضمون الاتفاقيات بين الأطراف المتصارعة.

الأردن والإذعان
- إنَّ اتفاقية السلام الأردنية - الإسرائيلية المبرمة عام 1994 تضمنت مسألة تنظيم المياه بين البلدين، لكن مضمون هذه الاتفاقية كان انعكاساً واضحاً لموازين القوة، فالطرف الأقوى، أي إسرائيل، هو من فرض شروطه، فلم تسمح إسرائيل بأن يستغل الأردن حصته من مياه اليرموك مباشرة، إنما فرضت على الأردن تخزين حصته في بحيرة طبريا ومن بعدها يتم ضخها إلى الأردن، وهكذا ضمنت إسرائيل تحكمها بأهم مصادر الأردن المائية. ولم يختلف الأمر في اتفاقية أوسلو الموقّعة عام 1993، حيث عبرت إسرائيل جلياً للفلسطينيين، أن لها حقوقاً لا يمكن التخلي عنها في المياه الجوفية للضفة الغربية، ونصت اتفاقية أوسلو على تأليف لجنة فلسطينية - إسرائيلية مشتركة لإدارة المياه في الضفة، لكن الأمر لم يتعد النص النظري وظلت إسرائيل تتحكم بالمطلق في إدارة مصادر المياه في جميع الأراضي الفلسطينية.


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر