الراصد القديم

2012/05/30

انتخابات تأسيسية لوطن وتيار






معن بشور

حين تحدثنا عشية الانتخابات الرئاسية عن "ظاهرة حمدين صباحي" ظن كثيرون ان الدافع وراء هذا الحديث هو انتماؤنا مع المرشح الرئاسي صباحي الى تيار فكري وسياسي واحد، كما الى مؤسسات عربية ودولية جامعة، وظن البعض ان الصداقة مع حمدين والتي تعود الى ثلاثة عقود ونيّّف هي التي دفعتنا الى كلام دعاوي متفائل عن ترشيح حمدين.
لكن الملايين الخمسة الذين منحوا حمدين صباحي 20% من الكتلة المقترعة في الانتخابات الرئاسية المصرية، وكاد من خلالهم ان يتجاوز حاجز الاعادة ليصبح احد مرشحين رئيسيين لرئاسة مصر، أكدت ان تحليلنا حول هذه الظاهرة كان يستند الى معطيات موضوعية.
ومن يتابع القنوات الفضائية المصرية المتعددة، سواء ببرامجها الحوارية، او بمقابلاتها مع المواطن المصري، وخاصة الشباب، يكتشف دون صعوبة ان حمدين صباحي لم يكن مجرد مرشح بل بات حالة شعبية تكبر ككرة الثلج لدرجة ان كثيرين قالوا لو ان موعد الانتخابات تأخر اسبوعاً واحداً لكان صباحي في الطليعة.
لا بل ان من يدرك حجم الموارد المالية المحدودة، بل الشحيحة، التي كانت تتحرك من خلالها حملة صباحي مقارنة بحملات اخرى، يدرك تماماً ان النتائج التي حققتها كانت مذهلة، كما كانت مفاجأة، لكثيرين على غرار المفاجأة التي اطلقها نجاح ثورة 25 يناير نفسها، كيف لا وكل أهل حملة صباحي جاءوا من قلب الثورة، ومن قلب الحركة الشبابية التي مهدت للثورة، ومن قلب الحركة الشعبية التي سعت لحماية الثورة فيما بعد...
ولعل ما ميّز الكتلة الشعبية الضخمة التي منحت تأييدها لحمدين صباحي، انها كتلة عابرة لكل مكونات المجتمع المصري الجهوية والدينية، الاجتماعية والعمرية، فكان بين المؤيدين مسلمون وأقباط، شباب وشيوخ، رجال ونساء، متدينون وعلمانيون، فقراء وأغنياء، قوميون ويساريون، مثقفون كبار ومواطنون عاديون، بل ان اهم ما في هذه الظاهرة ان صباحي تفوّق بشكل كاسح على منافسيه في المدن الكبرى اي القاهرة والاسكندرية وبورسعيد، ناهيك عن محافظتي كفر الشيخ (مسقط رأسه) والبحر الاحمر الى درجة يمكن معها وصفه "برئيس المدن الكبرى" في مصر، وهو أمر يعرف المصريون أكثر من غيرهم معانيه ودلالاته لأن التغيير في مصر يبدأ أولاً في المدت الكبرى.
غير ان هذا التفوق لم يكن كافياً ليتجاوز صباحي تراجع اصواته في الصعيد والدلتا حيث لم يكن ممكنا لحملة انتخابية محدودة الامكانات ان تصل خلال اسابيع ثلاثة الى كل النجوع والقرى والبلدات المصرية، وهي بالاساس مناطق خاضعة للاستقطاب الحاد بين الاخوان المسلمين وانصار النظام السابق.
ولولا نسبة محدودة من الاصوات التي تسعى الآن حملة صباحي، كحملة عبد المنعم أبو الفتوح وعمرو موسى وناهيك عن شفيق نفسه، ولو من موقع معاكس، إلى الطعن بصحتها، وإلى التوثيق في حجم التجاوزات التي رافقت العملية الانتخابية قبل الاعلان الرسمي عن النتائج يوم الثلاثاء القادم، لكان صباحي قد دخل بسهولة إلى جولة الإعادة.
ان هذا التأييد العارم، خارج التوقعات والاستطلاعات، لحمدين صباحي، وقبله لعبد المنعم ابو الفتوح، هو في جوهره تأييد لتيار اكثر منه لشخص او تنظيم او مجموعة، هو تأييد لخيار ثالث في مصر يرفض العودة بالبلاد الى النظام السابق، كما يحذر من اي اتجاه نحو الاستئثار بالسلطة او احتكارها لصالح حزب او جماعة، او نحو إقصاء الآخر الديني او الفكري او السياسي، وبالتالي فهو تيار ديمقراطي في تقاليده، وطني مصري وعربي قومي في نواته الصلبة، يبحث عن رموز وقادة له يجدهم في حمدين صباحي وأمثاله.
وأيًاً يكن الشخص الذي سيتبوأ منصب رئاسة مصر، فان أحدا لا يستطيع ان ينكر جملة حقائق افرزتها هذه الانتخابات:
أولها: ان ما من أحد في مصر، حزباً او جماعة او نظاماً، يستطيع ان يحتكر السلطة في المرحلة القادمة، وان صناديق الاقتراع وحركة الشارع ستكونان له بالمرصاد اذا خرج عن روح التوافق الوطني والسياسي في مصر القائم ليس فقط على فكرة قبول الآخر، بل على أخذ هذا الآخر بالاعتبار في كل قرار او ممارسة.
ثانيها: انه بات لدى الشعب المصري من الوعي الوطني والديمقراطي، ومن السيولة السياسية في الانتقال من تأييد جهة الى تأييد الاخرى، ما لن يسمح لأي محاولة لاستعادة الهيمنة او التسلط على الشعب المصري.
ثالثهما: من يدرس الارقام بهدوء وتجرد بالنسبة لارقام استفتاءات او انتخابات سابقة سواء في نسبة المقترعين او في توزعهم بين منطقة وأخرى يلاحظ، دون صعوبة، تبدلات هامة في المشهد السياسي والانتخابي تشكل تحذيرات للبعض كي لا يسترسل في تفرده، وفرصاً للبعض الآخر كي لا يفقد مكاسب كبرى حققها عبر الانزلاق الى سياسات قصيرة النظر، وحسابات ضيقة الافق، تتجاهل الطابع التأسيسي الحقيقي لهذه الانتخابات الرئاسية التي لم تكن نصراً لمصر فقط، بل كانت مدخلاً حقيقياً لتيار عروبي ديمقراطي اصيل، ولمزاج وطني حقيقي عابر لكل انواع العصبيات.
انه تأسيس لوطن... بل تأسيس لتيار داخل الوطن





0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر