الراصد القديم

2012/05/31

هل من ربيع خاص بطبعة فلسطينية





علي بدوان

الحالة الفلسطينية وحال الشتات للشعب الفلسطيني، والتداخل السلبي مع اشكاليات الحالة العربية ( كما وقع في المرحلة الأردنية والمرحلة اللبنانية من العمل الوطني الفلسطيني) ساهمت بشكل او بأخر بادامة بقاء واستمرار ( معادلات سلبية ) كان من تداعياتها ونتائجها غياب روح الاصلاح الجدي والحقيقي في عموم البيت الفلسطيني وفي عموم المؤسسات الوطنية للشعب الفلسطيني على مستوى منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى مستوى مجموع القوى والفصائل بمختلف مشاربها الفكرية الأيديولوجية والسياسية.
فكيف نرى حالنا الفلسطيني الآن، وهل من ربيع جديد ( حقيقي ) بنسخة فلسطينية خالصة ( نقول نسخة فلسطينية خالصة ) مغايرة لما جرى ويجري في بلادنا العربية من لغط بات يحيط بكل ربيع من تلك ( الربوع ). وهل من ربيع فلسطيني يعيد فيه الفلسطينيون التأسيس لانطلاقة جدية للعمل الوطني والسياسي، ربيع فلسطيني حقيقي ومغاير لما يجري في بعض بلداننا التي اختلط فيها الحابل بالنابل، وضاعت أهداف الناس ومطالبهم العادلة في لجة التداخلات والتدخلات الدولية...؟
إن التجديد المراد في البيت الفلسطيني عبر ربيع قادم، لا يعني البتة القيام بانقلاب تقليدي مباشر لنسف القديم وتدميره واجتثاثه، بالمعنى الفكري والسياسي، وحتى بالمعني الملامس للقيادات التي تعتقت في ميدان المواقع التي تأبدت باسمها في عموم القوى، بل ان المقصود بالربيع الفلسطيني المنشود هو القيام بعملية نقدية جدية وحقيقية لحالنا الفلسطيني، وإعادة التأسيس لحالة جديدة لا تنفي القديم ولاتعدمه، بل تعمل على تكريس معادلة عنوانها "التزاوج بين خبرة القديم وروح الجديد" وإعادة تحقيق جملة من الاصلاحات الجدية والحقيقية التي تأخذ بعين الاعتبار موقف الناس وصوتهم، وتقفز عن الخطاب الاصلاحي التقليدي التعبوي والانشائي الذي طالما سيطر على أدبيات مجموع الفصائل الفلسطينية منذ سبعينيات القرن الماضي.
فالربيع الفلسطيني المنشود يعني بالدرجة الأولى إصلاحا سياسيا أولاً، واصلاحا اداريا ومؤسساتيا ثانياً، واصلاحا للبنى التنظيمية لعموم القوى والأحزاب ثالثاً، وفي المقدمة منها منظمة التحرير التي تشكل الاطار الائتلافي الجامع لكل الشعب الفلسطيني بملايينه الاحد عشر المنتشرين في الداخل الفلسطيني وعلى امتداد دياسبورا الشتات والمنافي.
ان الاصلاح السياسي الجدي، يفترض كما يتم الآن الحديث عنه في حوارات تطبيق اتفاق المصالحة الوطنية الفلسطينية، ان هذا الاصلاح يفترض به أن يقفز عن المواقف الشعاراتية، وعن استيراد المبررات والشعارات التي تدغدغ المشاعر من "نيو سوبر ماركت الشعارات"، ليتم فتح الطريق أمام اصلاح سياسي يعيد الاعتبار لوحدة الصف والشعب الفلسطيني بين الداخل والشتات بعد سنوات طويلة من التمزق السياسي والكياني المؤسساتي في ظل التهميش الذي تعانيه منظمة التحرير الفلسطينية.
اما الاصلاح الاداري والمؤسساتي، فالمفترض به أن يطاول كل المؤسسات الوطنية الفلسطينية المتواضعة الحضور في صياغة القرار. وأن يعيد لها الاعتبار بعد تغييب مستديم منذ أكثر من عقدين من الزمن، حيث غياب المؤسسات والمرجعيات القانونية المستقلة، وسطوة الفرد، وتكريس السلطات القائمة على هياكل مؤسسات هي أقرب لهياكل ومؤسسات أنظمة القوى الشمولية الاوليجاركية الاستبدادية التي تعاني منها شعوبنا العربية وشعوب العالم الثالث الملسوعة بكرابيج القمع.
وعليه، وفي سياق الاصلاح الاداري والمؤسساتي، فان عنوانا اشكاليا كبيرا مازال يلف كل الحوارات الفلسطينية التي تمت خلال الفترات الماضية والتي توجت بتوقيع اتفاق المصالحة في القاهرة منتصف العام 2011 وما تلاه من توقيع لاعلان الدوحة. والعنوان الاشكالي المقصود يتعلق بملف المؤسسة الوطنية الشاملة للشعب الفلسطيني وهي منظمة التحرير التي تتصدر موضوع اعادة بنائها احد الملفات المعقدة في سياق عملية المصالحة الفلسطينية.
إن اشكاليات المنظمة الداخلية كبيرة ومتهددة، وتلخص عند أصحابها المخلصين لها، والى حد بعيد معنى الرغبة في تحقيق الاصلاح المؤسساتي المطلوب، ووضع حد للتهميش التي تعانيها المنظمة ومؤسساتها، وانهاء حالة الطغيان والاستحواذ الفردي والشخصي، والوصول الى ذهنية تريد للشعب الفلسطيني أن يؤطر بناه ومجتمعه المدني على أساس من مأسسة الحياة الداخلية واحلال وسيادة القانون، في مواجهة "عقلية تريد أن تحافظ على الإرث السلبي الذي مازال يعشعش ويفعل فعله في الساحة الفلسطينية" داخل البنى والمؤسسات وداخل عموم القوى والأحزاب والفصائل الفلسطينية وخاصة الفصائل اليسارية منها المتورطة في مستنقع الأزمات في الحالة الفلسطينية وعلى درجات من التفاوت.
ومن هنا القول بأن المسائل المثارة في الحوارات الفلسطينية لتحقيق المصالحة كان يجدر بها أن تكون أكبر من توزيع الصلاحيات أو المناصب والحصص على عموم المؤسسات والأطر القيادية للمنظمة، وأكبر من أسلوب النهج الاستخدامي الاستهلاكي على يد ملوك "اللعبة الداخلية".
وبالطبع، فان الحديث عن منظمة التحرير التي تشكّل الائتلاف الوطني العريض للشعب الفلسطيني، لا يعفينا من الحديث عن الحالة الفصائلية الفلسطينية، واشكالياتها الكبيرة الناجمة عن بنيتها اللاديمقراطية، وسطوة الفرد فيها، وغرق مجموعات منها في أزمات الفساد والافساد المستفحل في البيت الفلسطيني، والمسؤولة بشكل او بأخر عن الكثير من مظاهر التردي في المعادلة الفلسطينية.
ان احالة الأمور السلبية في جوانب كثيرة منها للفصائل، والحديث عن ضرورة اصلاح بناها ومؤسساتها ادارياً وتنظيمياً، ليس ( كلام حق يراد به باطل) أو تصفية لحسابات معينة كما قد يخرج علينا بعض المتسرعين، بل هو الحقيقة بعينها في السعي الجاد والمخلص للحديث بشثفافية وديمقراطية عن أوضاع البيت الفلسطيني. فهل تستقيم الديمقراطية مع وجود أمين عام على رأس التنظيم منذ أكثر من (44) عاماً على سبيل المثال لا الحصر، وهل تستقيم الديمقراطية مع وجود قيادات تأبدت في مواقعها القيادية في المكتب السياسي منذ أكثر من (44) عاماً حتى الآن. فمن غير المنطق أن يبقى هذا العضو في المكتب السياسي وقد حضر الهزائم والولائم وأرتكب الأخطاء والخطايا، ولن تتغبر أقدامه بتراب المخيمات أو حتى المناوشات، ومع هذا فهو على مقعد وثير من المهد الى اللحد.
إن الكلام الوارد أعلاه، قد يكون قاسياً، لكنه يأتي من باب النقدي البعيد عن المجاملات، فمسار ومسيرة الاصلاح والربيع الفلسطيني المنشود بطبعته الفلسطينية الخالصة وغير المستوردة، الذي يعيد الاعتبار لهذا الشعب الفلسطيني العظيم، الذي قدم تضحيات مذهلة، وسكب من دماء أبناءه أنهاراً مازالت جارية، يستحق حالة فلسطينية جديدة، على كل المستويات الفصائلية والحزبية وعلى مستوى الاطار الأوسع المتمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية.


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر