الراصد القديم

2012/05/18

في ذكرى النكبة: فلسطين بوصلة توجه... وتصحح أيضاً


معن بشور

للرئيس سليم الحص عبارة دقيقة أطلقها منذ عقدين ونيّف بأنه اذا واجه الانسان قضية ومشكلة في آن، فإنه ينشغل عن المشكلة بالقضية، فالأم التي لا تجد حليباً لطفلها مثلاً ليست مستعدة للأهتمام بالقضية مهما كان لهذه القضية من قدسية او مكانة عندها.

نتذكر هذه العبارة البالغة الأهمية ونحن نعيش مرحلة نرى فيها قضايانا الكبرى المتصلة بفلسطين او الوحدة او النهضة مطوقة بكم هائل من المشكلات والصراعات والتعقيدات لا يجمعها سوى غرض وحيد هو اشغالنا عن قضايانا، وفي المقدمة منها قضية الصراع مع العدو الصهيوني والاستعماري الذي اراد من اغتصاب فلسطين قبل 64 عاماً ان يقيم حاجزاً بين الامة ووحدتها، واستقلالها، وحريتها، وتنميتها، وعدالتها الاجتماعية وتجددها الحضاري.

الماضي تتحول اليوم الى نكبات متواصلة سواء على مستوى الامة او على كل مستوى قطر من اقطار، بل نكبات تتوالد حولنا كالفطر وتغزو كل جوانب حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والتي لا مجال لتفصيلها في هذا المجال.

وحين يتساءل اي عربي عن سبب تخلّفنا وتأخرنا وتعثر مسيرتنا في حين ان أمم وشعوب أخرى قطعت اشواطاً على طريق التقدم والنهوض والقوة، رغم انها لم تكن تسبقنا ابداً قبل ستين عاماً، بل كنا نسبقها في مجالات عديدة، فان الجواب بسيط وهو ان تلك الأمم والشعوب لم تعرف في قلبها كياناً استيطاناً استعمارياً ارهابياً احلالياً كما هو الكيان الصهيوني الذي هو محاولة لتأييد الاستعمار والتجزئة

من هنا فان التوجه نحو تحرير فلسطين ليس مجرد استعادة حقوق مسلوبة لشعب مظلوم فحسب، بل هو أيضاً المدخل الحقيقي لنهوض الامة بأسرها، بكل ما هو معروف عن ابجديات النهوض في كل الامم والشعوب.

وليس صحيحاً على الاطلاق ما يدعيه بعض من احتلت الثقافة الاستعماريةعقله بان التركيز على فلسطين يسعى الى اهمال اهداف الامة الأخرى التي حددها مشروعنا النهضوي بعناصره الست الوحدة والديمقراطية والاستقلال الوطني والقومي والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والتجدد الحضاري.

ففلسطين اذا اخلصنا لتحريرها فعلاً لها، هي التي توحد الامة عبر مقاومة غاصبيها ... تماماً مثلما الوحدة هي الاقدر على تحرير ارضنا المغتصبة في فلسطين وعلى امتداد الامة.

وفلسطين كعنوان لحرية وطن هي أيضاً الطريق لحرية المواطن العربي، وكل استبداد في الامة انما قام اصلاً، ام انزلق اليه البعض، انما قام من اجل حراسة المشروع الصهيوني- الاستعماري، فلا يمكن ان نضحي من اجل حرية وطن ثم نضحي في الوقت ذاته بحرية المواطن.واغتصاب فلسطين على يد الصهاينة وحلفائها انما كان لحماية نهب ثروات الامة ومصادرة مواردها ومنع تنميتها، والا لماذا لم تنجح حتى انظمة التطبيع والمساومة مع العدو في تحقيق تنمية اقطارها، بل لماذا يشن الصهاينة وحلفاؤهم الحروب لتدمير الدول العربية التي حاولت قياداتها ان تنمي قدراتها وتصون مواردها، كما رأينا في مصر والعراق والجزائروسوريا ، وصولا الى تدمير لبنان ذاته حين لاحت فيه بوادر استقرار وازدهار.

وما يقال عن علاقة فلسطين بالوحدة والحرية والتنمية، يقال عن علاقتها بالامن القومي للأمة كما لاقطارها، اذ كيف يقوم أمن قومي واستقلال حقيقي فيما تقبع في قلب الامة ترسانة نووية وقاعدة متقدمة لكل الطامعين في امتنا، ويقال كذلك عن علاقتها بالعدالة الاجتماعية التي ما غابت عن بلادنا وساد الفساد مكانها الا حين تربعت على عروش الحكم عندنا الطبقات والفئات المتعاونة مع العدو وأسياده، كما يقال أيضاً عن علاقة فلسطين بالتجدد الحضاري حيث فلسطين مهد مواردنا الحضارية ومقدساتنا الروحية.
وبهذا المعنى ففلسطين ليست مجرد البوصلة التي توجهنا نحو تحرير أمتنا فيما نحن نحرر قلبها الفلسطيني، بل هي البوصلة التي تصحح مسارنا وتصون مصيرنا، فالاقتراب من فلسطين هو اقتراب من اهدافنا كلها، والابتعاد عنها هو ابتعاد عن هذه الاهداف،ـ بل ان التشبث بموقفنا من هو تشبث بكل معاني الكرامة والعدالة والحرية.

واذا كنا نرفض استخدام فلسطين كستار لتغطية اغراض أخرى او تبرير عيوب وخطايا، وفي المقدمة منها الاستبداد والفساد، فاننا، وفي الذكرىالرابعة والستين للنكبة نرفض أيضاً كل محاولات صرفنا عن التوجه نحو فلسطين باغراءات عابرة تحت هذا المسمى او ذاك.
فلسطين، التي تتحول هذه الايام الى قضية انسانية كبرى يتحلق حولها كل يوم المزيد من احرار العالم، والتي يقدم شعبها اروع ملاحم البطولة ، وآخرها معركة الامعاء الخاوية، هي اليوم المقياس التي نقيس بها وطنية كل وطني، وعروبة كل عربي، واسلام كل اسلامي، ومسيحية كل مسيحي، وايمان كل مؤمن ، ويسارية كل يساري، وليبرالية كل ليبرالي.
فلسطين يحرر الاوطان كما النفوس،والابتعاد عنها يفضح الخفايا كما النوايا....

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر