الراصد القديم

2012/05/08

أبواب بيروت منافذ في سورها التاريخي للحماية والتبادل التجاري تقليد تسليم سبعة من وجهائها زمامها لا يميّز "العائلات السبع"




د. حسان حلاق

كانت أبواب بيروت المحروسة مصفّحة بالحديد وتقفل عند المغرب، باستثناء باب السراي الذي كان يقفل عند العشاء. وهذه الأبواب هي: بـوابة يعقوب، باب الدركاه (الدركه)، باب أبو النصر (باب مستحدث في القرن التاسع عشر)، باب السراي، باب الدباغة، باب السلسلة، باب السمطية، باب ادريس.
ونُشير في دراستنا إلى جوانب من ملامح هذه الأبواب ومواقعها التي كانت تلتقي عندها العائلات البيروتية، ومن خلالها تجري العمليات الإقتصادية والتجارية والمالية، وهي من بداية السور حتى نهايته على النحو التالي:
باب يعقوب
باب يعقوب أو بوابة يعقوب: يقع هذا الباب من الجهة الجنوبية لبيروت القديمة على الطرف الشمالي لطلعة الأميركان شرق السراي الكبير قبالة صيدلية نجا القريبة من سينما كابيتول في ما بعد، وقرب درج الأربعين. وكان هذا الباب يؤدي إلى ساحة السور، إلى ما عرف في ما بعد، بساحة السبيل الحميدي، ومن ثم ساحة رياض الصلح وسوق الدلالين وسوق النحاسين. وهناك رأي يشير إلى أن أحمد باشا الجزار هو الذي أقام هذا الباب في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي. وينسب هذا الباب إلى أحد القاطنين بقربه، وهو إما يعقوب الكسرواني وإما الطبيب أبيلا، قنصل انكلترا في صيدا المتوفى عام 1873م. وكان على الطرف الشمالي من باب يعقوب، جامع بوابة يعقوب أو جامع شيخ السربة، وكان أمامه السوق المعروفة باسم سوق بوابة يعقوب. كما كان بمحاذاة زاوية الشيخ حسن الراعي، وجنينة خلف دكاكين البوابة. ومن ملامح بيروت العثمانية المهمة الواقعة قرب بوابة يعقوب، المحلة المعروفة بالثكنات والخستة خانة، أي المستشفى الحكومي العثماني (مجلس الإنماء والأعمار اليوم). وقد أدرك البيارتة هذا الباب في العشرينات من القرن العشرين.

باب الدركة
باب الدركة: موقع هذا الباب كان قريباً بين سينما كابيتول وأول شارع المعرض من جهة القبلة (الجنوب)، وكانت بمحاذاته زاوية ومسجد الدركه. والدركاه لفظة فارسية تعني باب القصر أو الفندق، ومن ملامحه حتى أواخر القرن التاسع عشر عبارة يونانية مثبتة على عتبة قديمة لبابه معناها "أيها الداخل بهذا الباب افتكر بالرحمة". وتُشير المصادر التاريخية إلى "أن القائد المصري إبراهيم باشـا بن محمد علي باشا دخل مدينة بيروت عام 1831 من هذا الباب، وشق طريقه إلى السراي في موكب ضخم تظلله أقواس النصر ومعالم الزين والقباب".

باب السرايا
باب السرايا (السراي): أطلق على هذا الباب أيضاً باسم باب المصلى، وهو أحد أبواب بيروت الشهيرة والمميزة. ففي حين تقفل جميع أبواب بيروت عند المغرب، يستمر هذا الباب مفتوحاً إلى حين صلاة العشاء، باعتباره الباب الرسمي للمدينة. وقد سُمي بهذا الإسم لمحاذاته سراي الأمير فخر الدين التي تهدمت عام 1882، وكان موقعه قرب جامع الأمير منصور عساف قرب سوق سرسق، يحده من الغرب السراي، ومن الشرق الطريق المؤدي إلى محلة المدور التي كانت تُعرف باسم مزرعة الصيفي، ومن الجنوب خان الوحوش وسهلات البرج حيث تقع ساحة الشهداء أو البرج، وسينما أوبرا حيث كانت إسطبلات الأمير فخر الدين المعني. بقيت ملامح هذا الباب إلى أن هدمته السلطة الفرنسية عام 1927. وكانت قهوة علي الشيخ قريبة من السراي الصغير الذي هدم عام 1951.

باب الدباغة
باب الدباغة: وقد سُمي بهذا الإسم لوجود دباغة للجلود قربه، كما سُمي الجامع المحاذي له جامع الدباغة (جامع أبو بكر الصديق في ما بعد). وكان موقعه في الجهة الشرقية لميناء بيروت، وأمامه دار إلى جانب البحر للأمير ناصر الدين التنوخي المتوفى 1350م. وكانت تتفرع منه طريق فرعية تطل على سوق القطن وقد أطلق عليها زمن الإنتداب الفرنسي شارع فوش. وكان هذا الباب أكثر أبواب المدينة ازدحاماً بالتجار لقربه من الميناء، تجنباً لاجتياز أسواق بيروت الضيقة، وكان أمامه المركز الخاص بتحصيل المكوس والضرائب المقررة على البضائع الصادرة والواردة.

باب السلسلة
باب السلسلة: وموقعه قرب مرفأ بيروت شمالاً، وقد سُمي السلسلة، لوجود سلسلة في المرفأ تؤمن للسفن الرسو بأمان وتمنع المراكب الصغيرة من الدخول والخروج. ووجد إزاء الباب أحد أبراج مدينة بيروت العاملة، وقد عرف باسم برج السلسلة. وكان الباب بين برجين: برج الفنار وبرج السلسلة. وقد ذكر هذا الباب صالح بن يحيي في كتابه "تاريخ بيروت". وقد هدم هذا الباب إثر عاصفة هوجاء عام 1849.

باب السمطية
باب السمطية: يقع هذا الباب في الجهة الشمالية لسور بيروت إزاء البحر، وقد وجدت قربه وخارج سور بيروت مقبرة السمطية (الصنطية) الشهيرة، بمحاذاة مقهى الحاج داود التاريخي المندثر في الطريق المؤدية إلى مرفأ بيروت. وقد سمي هذا الباب السمطية نسبة إلى السماط وهو جانب الطريق أو أرصفته، حيث كان الباعة المسلمون يعرضون بضائعهم للبيع والشراء، كما أن السماط والسمطية هو نوع من أنواع النباتات المعروف باسم "السنط" أو ما يعرف باسم "أكاسيا".

باب إدريس
باب إدريس: من أبواب بيروت القديمة المعروفة، يقع في الجهة الغربية للسور، وله مدخل داخلي يطل على خط الترامواي المستحدث أوائل القرن العشرين، قريباً من سوق أياس. وقد سُمي باب إدريس بهذا الإسم نسبة إلى عائلة إدريس المتوطنة في تلك المنطقة ولا سيما منها المدعو أبو صالح إدريس. هدمت هذا الباب الشركة الفرنسية التي عهد إليها توسيع أسواق المدينة، وشق طريق بيروت – دمشق عام 1860.

باب أبي النصر
وكان ثمة باباً ثامناً، قرب سوق الخضر واللحوم والأسماك، سُمي باب أبي النصر نسبة إلى الشيخ أبو الوفاء عمر أبي النصر اليافي، غير أن هذا الباب ليس من أبواب بيروت القديمة، إنما من مستحدثات القرن التاسع عشر.

ويُلاحظ أن أسوار بيروت وأبوابها اندثرت تباعاً منذ القرن التاسع عشر، ولم يبق منها سوى أسمائها، غير أنها استمرت قائمة في العهد المصري. ولا بد من الإشارة إلى أنه كانت لهذه الأبواب أنظمة تحكمها، فقد كان على كل منها عين من أعيان المنطقة، مسؤولاً عن وضعها وأمنها، ومكلفاً الإنفاق على مصباح معلق إلى جانب الباب الخارجي ينيره عند المغيب بعد أن يقفل الباب بمفتاح خـاص كبير، ويودعه متسلم بيروت حتى الصباح. وهكذا كل مساء وصباح. وكان حفّاظ الأبواب من العائلات البيروتية المعروفة، ومن كان يتولى هذه المهمة يحرز شرفاً نظراً إلى أهميتها وصدقية الحافظ. أما القوافل التي يُصادف وصولها ليلاً إلى بيروت، فتضطر إلى المبيت في ظاهر بيروت وخارجها: في الغلغول، في الصيفي، في البسطة، في المصيطبة، في زقاق البلاط، في الباشوراء… إلى أن تفتح أبواب بيروت صباحاً، فتدخل لممارسة نشاطها وتبضع حاجاتها، أو بيع حمولتها.
وفي عهد إبراهيم باشا (1831 – 1840)، صدرت إرادة أكدت على وجود أبواب بيروت، وقد تضمنت ضرورة إقفال أبواب بيروت مساء لأسباب أمنية حفاظاً على أمن سكانها ومصالحهم. وقد أعلم القائد المصري القناصل الأجانب والسكان بذلك. وفي ما يلي رسالته إلى القنصل الإنكليزي في بيروت يعلمه بأسباب تلك الإرادة ومبرراتها:
"الجناب الأكرم، حضرة المحب الأجل المحترم قنسلوس بك دولة الإنكليز المحتشم حفظه الله تعالى. ليس خافي محبتكم الحال الواقع من ظهور خروج بعض أشقياء من رعايا جبل لبنان، كما هو المسموع والمحسوس بالقرب من هذه الناحية، ومن جراء ذلك رعايا بيروت من إسلام وذميين سكنا البرية، متحسبين وعمال ينزلوا عفشهم على البلدة، والبعض نزلوا من محلاتهم على البلدة، فبحيث الحالة هذه وللمحافظة المأمورين بها، واحتراساً لأمر ما، اقتضى التنبيه بأن كافة البوابات تقفل آذان المغرب، وبالأذن يصير فتح بوابة السراي إلى حد العشاء فقط، وبعد آذان العشاء المتقدم شرحه، ما في رخصة لفتح البوابة كلياً، بل الذي يكون داخل البلدة يفضل بها، كما والذي خارج البلدة أيضاً. وحيث ذلك عايد لراحة الضمير، ولأجل المحافظة المأمورين بها اقتضى إفادة محبتكم بذلك وأنه تعالى يحفظكم" محافظ بيروت محمود نامي مير محمود.
الأبواب السبعة والعائلات السبع
الأبواب السبعة والعائلات السبع: الرؤية الإجتماعية والعائلية الخاطئة. إن غالبية العائلات البيروتية من العائلات المنسوبة ذات الأصول العربية العريقة، بل إن بعضها يُنسب للنسب المحمدي الشريف ولآل البيت، وبعضهم من أحفاد العلماء والأئمة الكبار مثل الإمام الأوزاعي وسواه. وقد انتشرت في بيروت مقولة راسخة في أذهان البيارتة ينبغي توضيحها، وهي أن بعض العائلات البيروتية هي من العائلات السبع. بمعنى أنها عائلة كريمة منسوبة تتميز عن سواها بالنسـب والكيان، ومعنى ذلك أنه لا يوجد في بيروت عائلات مميزة سوى سبع عائلات، وهذا خطأ فادح وخطير. لذا فتوضيح هذا الأمر بات ضرورياً.
فمن المعروف أن البيارتة يكرمون الرقم (7) لوروده كثيراً في القرآن الكريم، لذا اختاروا سبعة أبواب لمدينتهم تفاؤلاً بهذا الرقم. وكـان والي بيروت حريصاً على اختيار سبعة أفراد من وجهاء العائلات البيروتية ليسلمهم زمام الأبواب السبعة من حراسة وحماية وإنارة. وكان في كل عام يُسلم هذه الأبواب لأفراد جدد من عائلات أخرى. وكان في بعض الأحيان يجدد سنة ثانية أو ثالثة لأحد الوجهاء الذين أثبتوا مقدرة وعناية في حماية أحد أبواب بيروت. ومن خلال هذا التقليد، نشأت عند البيارتة مقولة "العائلات السبع" وإن هذه العائلة أو تلك من ضمن هذه العائلات. لهذا اقتضى توضيح هذا التقليد التاريخي لأهميته الاجتماعية.





0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر