الراصد القديم

2012/06/01

رشيد كرامي… شهيد لبنان الحقيقي





كمال خلف الطويل *

لثلث قرن من الزمان (1955ـــــ1987) مارس رشيد كرامي السياسة في بلده لبنان بأقرب ما يكون وما يمكن من شروط النزاهة والوطنية والتفاني والعروبة… كلها في آن.
نعم، هو وريث أبيه المفتي الوطني عبد الحميد كرامي، لكنه، بجدارة ذاتية الاستحقاق، صعد سلم العمل العام بأفضل ما يكون الأداء، رغم صغر سنه عند بداية الانطلاق.
كان الاصطفاف في ذلك العام الحاسم (1955) قد أخذ يرتسم بحدة بين معسكر تبعية يصل بغداد بعمان ببيروت بالرياض، وبؤرة تمرد واستقلال في القاهرة… وبينهما ساحة الشام ميدان تجاذب واصطراع.
في لبنان كان كميل شمعون رئيس البلاد يلقي بمجاذيفه مع رياح حلف بغداد ـــــ الإنجلو أميركي الإسناد ـــــ وهو ما تجلى بعد السويس بالذات.
عند ذاك المنعطف كان رشيد كرامي واحداً من أبرز الخارجين عليه والساعين ـــــ بدءاً ـــــ لنهيه عن غيه، ثم لإسقاطه بعد تبين إصراره على المضي في نهجه.
وصل الحال بالأخير إلى أنه زوَّر الانتخابات البرلمانية صيف 57 وهندس تزويرها ليكفل إسقاط كل معارضيه وفي الصدارة منهم رشيد كرامي.
كانت تحولات شمعون طلقة البدء للحرب الأهلية التي تفجرت عنفاً ودماء في مايو 58.
قاد كرامي جبهة الشمال وعن يمينه ـــــ بشكل أو بأخر ـــــ سليمان فرنجية ورينيه معوض، وكفل خروجها عن سلطة شمعون بأقل الخسائر.
عرف جمال عبد الناصر رشيد كرامي عن كثب في تلك الفترة… بداية بشكل غير مباشر عبر عبد الحميد السرّاج رجله القوي في دمشق والمشرف على الملف اللبناني. وبعدها بالتماس المباشر إثر تأليف كرامي وزارة تسوية ما بعد الحرب خريف ذلك العام.
والحق أن ما مكَّن كرامي من أن يكون قماشة مختلفة عن مجايليه من الساسة اللبنانيين ـــــ ومن ضمنهم الوطنيون والعروبيون ـــــ هو، فضلاً عن مزايا شخصية تحلى بها، تشكيله ثنائياً متجانساً ومتكاملاً مع رجل دولة من الطراز الأول بكل ما تحمله تلك الصفة من قسمات: رؤيوية واستقامة ووطنية… هو فؤاد شهاب.
والحاصل أن كرامي تعاون مع شهاب في مطلع عهده رئيساً للوزراء ثم ـــــ لأكثر من عام ـــــ أخلى السبيل لصائب سلام، ليعود مطلع 1962 شريكاً في خطة تنمية طموحة وعادلة، وفي بناء مؤسسات عصرية للدولة، وفي استنان سياسة خارجية قوامها قاسم مشترك أعظم مع عبد الناصر وما يمثل… وقاسم مشترك أدنى مع الولايات المتحدة وتوابعها.
ما كان لشهاب أن يحظى بأفضل من كرامي رئيساً للحكومة… والعكس صحيح. عبر تلك السنوات اكتشف عبد الناصر معدن الرجل الذي ينم عن رجاحة في الرأي وصلابة في المبدأ مع اعتدال في التناول، فنال منه كل إعجاب وتقدير، ومن ثم تعامل معه كواحد من أبرز الحلفاء والأصدقاء، إن لم يكن الأبرز. وبامتياز.
تعرض لبنان لأول اختبار نهج مع نهاية رئاسة فؤاد شهاب في أيلول عام 1964. كان همّ عبد الناصر استمرار النهج الشهابي من دون التدخل في «كيف وبمن». من ثم ترك لشهاب اختيار من يستنسبه خليفة موافقاً سلفاً عليه.
والشاهد أن شهاب ـــــ لسوء حظ لبنان ـــــ أخطأ الاختيار عندما زكى شارل حلو خليفة، بظنِّه أن سابقة كتائبيته، فضلاً عن فرانكوفونيته كفيلتان بنيل رضا اليمين المسيحي، واستهواء شارل ديغول، وبعلم أنه مزنر بالمكتب الثاني لا يستطيع عنه فكاكاً.
كانت هناك فرصة لقدير مثل فؤاد عمون وحتى لعبد العزيز شهاب، لكن الأفضل والأجدر كان اللواء جميل لحود.
التزم حلو السياسة الشهابية حتى حرب عام 1967. شكل كرامي الوزارة مطلع عهده ممضياً بصحبته قرابة عام ونصف العام.
ومن الأسف أنه خرج ـــــ أو أخرج ـــــ في ربيع 66 بما أتاح لحلو أن يهندس عملية تدمير بنك «إنترا» بينما رئيس حكومته الجديد عبد الله اليافي لاهٍ أو صامت أو موافق.
ما كان للمارونية السياسية وهي ترى صرحاً مصرفياً واستثمارياً وصل لشأو لم ينافسه عليه غيره، أن تتركه في يد فلسطيني حتى لو شاركهم في الديانة. والأكيد أن شهادة نجيب علم الدين عن تدمير إنترا المدبر والممنهج تفي بجلو أي غامض.
عاد كرامي بعد فضيحة إنترا محاولا لجم حلو واحتواءه في ما بقي من ولايته، أي نصفها الثاني. لكن صدمة 67 كان لها مفاعيل كبرى في لبنان.
ائتلف رموز المارونية السياسية الثلاثة: الجميل وشمعون وإدة ـــــ على تنافرهم ـــــ مسنودين بحلف ثلاثي آخر: صائب سلام وكامل الأسعد وسليمان فرنجية، ليخوضوا جميعاً وبنجاح الانتخابات البرلمانية ربيع 68.
كانت تلك المعركة أول جولة في صراع انتزاع لبنان من عروبته وإلحاقه بمناطق النفوذ الأطلسي.
سبقتها في نهاية 66 بروفة صادحة عندما ساند فيصل السعودية الشيخ شفيق يموت مرشحاً له في معركة الإفتاء، فيما وقف عبد الناصر خلف مرشحه الشيخ حسن خالد. كانت الهزيمة من نصيب فيصل… لكن ربيع 68 كان شيئاً آخر.
والحق أن ذلك العام كان مفصلياً بيقين، إذ شهد تبارز حيثية شبه جديدة على لبنان، وهي ظاهرة العمل الفدائي الفلسطيني، الذي دق أبوابه بتهيب في البدء، ثم باندفاع السيل بعد أيلول 70. حاول كرامي بعد الانتخابات أن يوازن تأثيرات الحلفين الخصمين، وإن بنجاح متقطع ـــــ والأخطر من ذلك ـــــ بزلات كانت أفدحها قضية الميراج/ أكتوبر 69.
ليس قطعياً الجزم بأن لفؤاد شهاب سابق اطلاع أو رضا على هذه العملية، أو أنها اجتهاد تلامذته في المكتب الثاني، لكن الراجح أن كرامي كان غائباً عن صورة المسألة بدليل أنه استمات لغسل أدرانها.. وفشل.
رفض الرجل فتح النار على التظاهرة المساندة للمقاومة في نيسان 69 واعتزل الحكم ـــــ إلا لتصريف الأعمال ـــــ طوال أشهر سبعة، رافضاً أن يمكِّن حلو من استخدام الجيش لضرب المقاومة. والثابت أن كرامي كان من دعاة تقسيم العمل بين الدولة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية بما يكفل سيادة الأولى وهيبتها وسريان أنظمتها وسلامة المقاومة وحرية عملها المقاوم.
من هنا تأييده لاتفاق القاهرة/ نوفمبر 69، الذي كان عبد الناصر عرابه الأول والأخير، ووفق الاعتبارات السالفة الذكر. سبق هذا الاتفاق بأسابيع قليلة حادث الميراج الذي خططه ونفذه غابي لحود مدير المكتب الثاني، بمحاولة للتحبب من الولايات المتحدة علها لا تمانع في انتخاب خليفة شهابي لحلو، وللبرهان لها أن شهاب ورجاله ليسوا في جيب عبد الناصر.
رأى الأخير أن فعلة الميراج هرطقة لا تغتفر، وخصوصاً أنه يخوض أقسى معاركه وخلفه الداعم الرئيسي، الاتحاد السوفياتي.
من الأسف أن عبد الناصر لم يقبل نفي شهاب لسابق علمه، ولا اعتذاره عن فعلة رجاله.
لقد حاول رشيد كرامي ـــــ بما أوتي من قدرة إقناع ـــــ تليين قناة عبد الناصر فلم يجد لذلك سبيلاً. ليته ـــــ أي عبد الناصر ـــــ استجاب، مشترطا أن يكون مرشح الرئاسة لعام 70 هو فؤاد شهاب عيناً وليس أحداً سواه.
والحاصل أن غضب عبد الناصر هو السبب الرئيسي وراء اعتذار شهاب عن الترشح، ومن ثم فوز خصم الشهابية سليمان فرنجية بفارق صوت واحد.
عبر السنوات الخمس الأول ـــــ وهي جل فترة فرنجية ـــــ كان رشيد كرامي زعيم المعارضة الشهابية… وخلالها أمسى حليفاً موثوقاً وعاقلاً للمقاومة الفلسطينية.
بعد غياب عبد الناصر المفاجئ، وجد كرامي لزاماً أن يوثق صلاته مع نظام حافظ الأسد الجديد في سوريا، لكن من موقع الند واحترام النفس ورفض الاستزلام.
من هنا ترجيح الأسد له مرتين رئيساً للحكومة: الأولى في حزيران 75 مع بداية الحرب الأهلية، والثانية مع نهاية أهم جولاتها في نيسان 84، ليرأس في المرتين وزارتي مصالحة داخلية.
رفض الرجل الزج بالجيش في أتون الحرب الأهلية طوال العام الأول من عمرها، وقبل أن يتمزق الجيش إرباً في آذار 76.
كانت محنته كبيرة عندما اصطدم الأسد بعرفات في مدينته طرابلس خريف 83، وكانت أكبر عندما اجتاحت القوات السورية مدينته مرة ثانية في تشرين الأول 85 بصحبة حلفائها المحليين لاستئصال شأفة الأصولية السنية، وخصوصاً وهي تحن لعرفات وأيامه.
لم يتوان كرامي عن معارضة رجل الولايات المتحدة حينها ـــــ أمين الجميل ـــــ وهو في عز بأسه، فأسس جبهة الإنقاذ الوطني مع آخرين وخاض بها معركة إسقاط اتفاق 17 أيار.
ثم حاول في وزارته الأخيرة ـــــ التي جاوز عمرها سنين ثلاثاً ـــــ أن يجترح صلحاً أهلياً جديداً يوقف الحرب الأهلية بعد دزينة سنين من اشتعالها، ويمكن من إعادة البناء، ومن صيغة ميثاقية جديدة تماشي معطيات الواقع والعصر.
ولأنه من هو وما يمثل: الوطنية اللبنانية بهواها العروبي ونفسها الليبرالي واستقلاليتها الموزونة، كان من لزوم ما يلزم أن يخرجه من الساحة كل من هم على تضاد مع هذه السمات.
من هنا تنطح أحد اثنين من أشهر القتلة في لبنان لهذا الدور في الأول من حزيران 87.
عشرون عاماً مضت على رحيل شهيد استحق توصيفه بما يحمله من معان، وكرس حياته ـــــ الخاصة والعامة ـــــ للبنان ولوطنه العربي ولأمته العربية وللإنسانية جمعاء.
قتل رشيد كرامي مرة ثانية بإخراج قاتله من السجن بأوامر من سادته.. لكنه ما زال يحيا في ضمائر الكثيرين مثلاً أنموذجاً لسياسي من بلادنا استطاع أن يكون آدمياً ونزيهاً ووطنياً وماهراً وعروبياً وصلباً، كلها في آن… وفي لبنان.




0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر