الراصد القديم

2012/06/02

شوارع بيروت من قناديل الغاز الى المصابيح الكهربائية مروراً بالترامواي وتعريجاً على خط الشام



د. حسان حلاق

شهدت بيروت في القرن التاسع عشر تطوّراً ملحوظاً في رصف طرقها وشوارعها الرئيسة، سواء في باطن المدينة أو في ظاهرها. وقد استتبع الوضع الاقتصادي المتطوّر فيها وفي مدن بلاد الشام، تطوير طرق المواصلات البرية التي تربطها بالمدن الأخرى.
ففي عام 1857 نالت الشركة الفرنسية "شركة طريق الشام العثمانية" امتياز شق طريق دمشق – بيروت. وقد بدأت العمل به بهمة الموسيو دي برتوي (M. de Perthuis ) عام 1863، وتحت إشراف المهندس الفرنسي ديمان الذي أشرف أيضاً على خمس طرق أخرى للعربات في لواء بيروت. وقد بلغ طول الطريق 112 كيلومتراً وعرضها 7 أمتار. كما حقّقت هذه الشركة أرباحاً طائلة. وتضاعفت واردات الطريق في مدة عام، وبقيت الشركة تحقّق أرباحاً عالية إلى أن جرى إنشاء الخط الحديدي بين دمشق – بيروت، ما أدى إلى نقص في أجرة نقل البضاعة إلى الثلث تقريباً بواسطة السكك الحديد، وانعكس إيجاباً على الأوضاع الاقتصادية في بيروت ودمشق معاً.

زيادة التصدير
وأدّى نجاح طريق دمشق – بيروت إلى ازدياد حركة التصدير في ولاية سوريا، واستتبع ذلك أن باعت "شركة طريق الشام العثمانية" جميع حقوقها المحررة في الفرمان السلطاني المؤرخ في 20 تموز 1857 إلى شركة خط حديد دمشق – بيروت، (وهي شركة عثمانية – فرنسية) بتاريخ 2 كانون الثاني 1892، وخصّص لكل ذي سهم في شركة الطريق سهمان في شركة الخطوط. وقد دشّنت هذه الطريق عام 1895.
في 18 نيسان 1890 منحت الحكومة العثمانية امتياز خط دمشق – بيروت إلى يوسف أفندي مطران، ولكن لما لم يتقدم صاحب الامتياز بمشروع خلال المدة المقرّرة، فقد سقط حقّه في ذلك الامتياز. وما لبثت الحكومة أن منحته إلى حسن أفندي بيهم في حزيران 1891 وجرى توقيع المقاولة والشروط في نظارة التجارة والنافعة.
وبين هذه الشروط ضرورة استعمال التركية وحدها، واستخدام الرعايا العثمانيين وتوظيفهم، ونظر المحاكم العثمانية في أي خلاف يحدث خلال العمل. كما أن للحكومة العثمانية الحق في شراء المشروع بعد ثلاثين سنة، ودفع ثمنه أقساطاً، وأن يدفع صاحب الامتياز عربوناً للحكومة في مقابل الامتياز… وقد سمى حسن أفندي بيهم شركته باسم "الشركة المساهمة العثمانية لخط بيروت – دمشق الاقتصادي"، ولكن يوسف مطران استطاع أن يؤسس شركة بلجيكية باسم "شركة ترامواي دمشق وخط دمشق – حوران"، فارتأت الدولة العثمانية إدماج الشركتين معاً تحت اسم "شركة الخطوط الحديدية العثمانية الاقتصادية لبيروت – دمشق – حوران في سوريا"، وصدر فرمان سلطاني بذلك مؤرخ في 12 تشرين الثاني 1891 الذي حدّد مدة امتياز الشركة الجديدة بتسع وتسعين سنة أي لغاية عام 1999.

خط بيروت - دمشق
وقد افتتح خط بيروت – دمشق في 3 آب 1895. ومن المحطات التي كان يتوقف فيها: بيروت – الحدث – بعبدا – الجمهور – عاريا – عاليه – بحمدون – صوفر – رأس الجبل – المريجات – الجديدة – المعلقة – البقاع – رياق … الزبداني – الفيجة – دمر – دمشق.
ونظراً الى كثرة حركة التجارة والنقّل بين بيروت والمناطق، فقد تبيّن أن العربات (الكارات) والحوافل (الديليجانس) والسكك الحديد، لم تعد تكفي، لذا أنشئ خط جديد للسكك الحديد يربط بين بيروت والمعاملتين عام 1898. ثم أنشئ خط طرابلس – حمص، ثم أنشئ الخط الإسلامي الشهير الخط الحديد الحجازي الذي يربط الحجاز بكل الأقطار الإسـلامية ومنـها بيروت، حيث أفـاد الحجـاج من هذا الخط ابتداء من عام 1908 – 1909. وكان الحجاج البيارتة يتجمعون قبل سفرهم عند محطة السكة في مرفأ بيروت. كما شهـدت طريق بيروت – صيـدا وجود العـربات التي تجرّها الخيول، ثم استحدث في ما بعد خطاً للسكك الحديد يربط بيروت بصيدا وصور، فالناقورة ومن ثم فلسطين.

الكهرباء والترامواي
أما في ما خص إنارة بيروت، فقد ارتبطت في ما بعد الكهرباء بطرق المواصلات ولا سيما منها الترامواي. ولكن في أواخر القرن التاسع عشر وتحديداً في عام 1888 أنيرت بعض مناطق بيروت بالغاز بواسطة "شركة تنوير بيروت بالغاز". وتوزّعت قناديل الغاز في باطن المدينة، ومن ثم في ظاهرها، وبلغ عدد القناديل التي أنيرت في شوارع بيروت 604 قناديل عام 1892، ثم تقررت زيادتها إلى 915 قنديلاً. وكانت بيروت قبل ذلك تعاني الظلام والعتمة، كما أن بعض الشوارع كانت تعاني العتمة ليس ليلاً فحسب، وإنما نهاراً بسبب كثافة الأبنية الصغرى، لهذا سمي أحد شوارع بيروت باسم شارع "الطمليس" الذي كان قريباً من سوق المنجدين (شارع المصارف).
وفي أوائل القرن العشرين، أنشئ خط الترامواي في دمشق وبيروت، وكان قد اتفق بين الحكومة العثمانية وبين يوسف أفندي مطران، كما جرى الاتفاق في ما بعد مع الأمير محمد أرسلان من أجل تقديم القوة الكهربائية اللازمة لتسيير الترام. وفي ما بعد، وابتداء من عام 1904، نالت شركة بلجيكية امتيازاً بتسيير حافلات الترام في دمشق أولاً ثم في بيروت، وأنهت العمل عام 1908 حيث سيّرت الحافلات في العام نفسه. كما عملت على إنارة المدينتين. وكان ارتباط الترام بالكهرباء وثيقاً، فمنذ أن بدأ استخدام الكهرباء استتبع ذلك تشغيل الترام، وانعكس إيجاباً على الواقعين الاجتماعي والاقتصادي للبيارتة.

أول ترامواي... وأول سيارة
وكان ترامواي بيروت من أهم ميزات المدينة، وكان حدثاً بارزاً في مطلع القرن العشرين، وقد استمر عاملاً بين مناطق بيروت وضواحيها إلى عام 1964. وكانت تتفرّع خطوطه من داخل بيروت إلى المنارة عابراً باب إدريس فالجامعة الأميركية فرأس بيروت، ثم يتوقف عند آخر خط المنارة. وهناك خط آخر يربط داخل بيروت بساحة رياض الصلح فالبسطة فالنويري، ثم يتوقف عند محطة الحرج قرب مدرسة بيت الأطفال المقاصدية. وهناك خط آخر يربط داخل بيروت بالدورة والنهر حيث محطته ومبيته. وهناك خط رابع يربط بيروت بطريق الشام ففرن الشباك، فزاد بذلك عدد العمال من أهل لبنان، فيستوطنون بيروت أو يتردّدون إليها، مما انعكس إيجاباً في تنشيط الحياة الاقتصادية وتفعيلها.

لقد استطاعت وسائل النقل الجديدة التي ربطت مناطق بيروت بعضها بالبعض الآخر، وربطت بيروت بالمناطق والمدن الأخرى، أن تؤدي خدمات اقتصادية وتجارية واجتماعية، وأدت إلى اختصار الوقت وتوفيره، وسهّلت حركة السفر والتنقل، وساهمت في حركة تنقل اجتماعية بين السكان، وتطوير مدينة بيروت اقتصادياً وعمرانياً. وإذا أردنا الإشارة إلى رخص أجرة التنقّل بالترامواي، فإننا نشير إلى أنها كانت في البدء أقل من قرش للراكب، وقبيل إلغاء الترامواي خمسة قروش (أي فرنك قديم) في مقاعد السكوندو، وعشرة قروش في مقاعد البريمو عن كل شخص على كل المسافة التي يقطعها.
والحقيقة، فإن هذه الحركة التي شهدتها بيروت من حيث تطوّر طرق مواصلاتها الداخلية والخارجية، استتبعت مجيء بعض السيارات من الخارج، والتي بدأت تتكاثر من عام 1925. علماً أن أول سيارة دخلت بيروت كانت في عام 1905 وهي تخص السيد ميشال سرسق. كما شهدت بيروت تطوراً ملحوظاً أوائل القرن العشرين، عندما بدأت باعتماد الكهرباء وأنوار الكاز، فأضحت لياليها مشعشعة ساطعة، بعد أن كانت تئن من الظلمة. وقد رأت شركة كهرباء بيروت قبل الحرب العالمية الأولى أن قوّتها المحرّكة غير كافية لسد حاجات المدينة، فطلبت عدداً من المحركات الجديدة، وعملت على تشغيلها لتلبية حاجات السكان.
لقد اعتمدت بيروت مدة طويلة على الدواب بداعي التنقـل والسفر والاتجار، وكذلك على الشموع والزيوت والفوانيس لإنارة البيوت والدكاكين. ثم ما لبثت أن وثبت وثبة مهمة، باعتمادها على السكك الحديد والترامواي والسيارات، وعلى العربات التي تجرّها الخيول، والتي عرفت في العهد الفرنسي باسم (هيبو موبيل)، وعربات التاك والموتوسيكل أو كما يسميها البعض (الأفّورة). كما وثبت بيروت وثبة مهمة أخرى باعتمادها على الكهرباء والغاز والكاز والمواد البترولية، وكان كل ذلك مدعاة لبدء حركة تقدّم صناعية واجتماعية واقتصادية وعلمية.






0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر