الراصد القديم

2012/06/08

حي «الطمليس» في الطريق الجديدة: مبان ترتفع تخفي الشمس عن بيوت بحجم العلب




جهينة خالدية
بيت الخالة أم علي خليل، ليس بيتاً. هذه غرفة من الصفيح والتنك وبعض الحجر، فيها عليّة ومغسلة، فيها تزوجت وعاشت وأنجبت وربت الخالة عشرة أولاد.

بيت الخالة يقع في «الحوش»، الزقاق الأفقر والأكثر وحشة في «حي الطمليس» الموازي لكورنيش المزرعة والواقع إلى الجهة الشمالية من منطقة الطريق الجديدة في بيروت.

الحي برمته، واحد من الأحياء التي يتذكر المرء أن يسأل عن أحوالها، وما خلف جدرانها، وسلامة بنائها وحياة ناسها فيها، كأن المأساة التي تقع في منطقة ما في لبنان، تُذكر باحتمالات مأسٍ أخرى في أحياء شعبية، وتذكر بيوميات مكتظة، مرهقة تحت خطوط الفقر والحياة.

الحي الذي تعود نشأته إلى عشرينيات القرن الماضي، ولا تتعدى مساحته الكيلومتر المربع الواحد، يبدو اليوم كقرية صغيرة تكاد المباني الحديثة المستجدة تحجب عنه الشمس وربما تخفي ملامحه ومبانيه المؤلفة من طبقتين وثلاث. علما أن ليس واضحاً ما إذا كانت المباني الجديدة قد ارتفعت وفق مخطط عمراني ما، ومدى سلامة نشأتها، لكن الواضح والظاهر للعيان وجود عدد من المباني وأشباه المنازل غير الصالحة للسكن، المتصدعة، والتي يُخشى أن يكون مصيرها كمصير مبنى صبرا وسط الحي، الذي انهار في كانون الأول من العام 2007.

غير بعيد من هذا الحي وبيوته التي تشبه العلب الصغيرة، يقع الخط الرئيس لكورنيش المزرعة الذي يفصل منطقة الطريق الجديدة عن شارع بربور، ويشكل مدخل الحي لجهة تلة زريق أو تلة الأيتام واحداً من المداخل الرئيسة لحي «الطمليس»، من دون أن يُغني هذا المدخل عن منافذ كثيرة أخرى إنما أصغر، منها لجهة طلعة «أبو شاكر»، أو لجهة الكورنيش ومسجد عبدالناصر، أو لناحية نزلة المقاصد.

الحوش وجرذانه

إلى حي «الطمليس»، وتحديداً إلى «الحوش»، جاءت أم علي خليل بعدما تعرّفت إلى زوجها، وتركت بيت عائلتها في إقليم التفاح، منذ أربعين سنة.

مذ ذلك الوقت، تغير الكثير في حياة السيدة السبعينية، كبرت ابنتاها دلال وزينب، وكبر أولادها علي وعباس وخضر وحسين ومحمد وحيدر ويوسف وإبراهيم، وتزوج بعضهم وأنجب.

تغير الكثير، لكن بيتها وحده لم يتغير، ما زال نفسه ضيقاً، يحتاج إلى صيانة وإعادة بناء، وربما كما تقول «يحتاج إلى بيت». ليست السيدة الوحيدة التي تعيش في غرفة في هذا الزقاق أو في الحي كله، وليست الوحيدة التي تفتح بابها طوال النهار ليدخل بعض الضوء وتعود لتسد نصفه الأسفل بخشبة متحركة، لعلّها تمنع الجرذان من «العبور» إلى الداخل، وإذا لمحت واحداً حاولت نصب فخ له، ثم إعادة «شطف» بيتها وترتيبه كله.

في الحوش، نحو عشرة بيوت صغيرة، يتوسطها درج متسلسل صغير يتحوّل إلى ساحة يفترشها السكان لطبخ و«تنقية» العدس ومدّ بعض أوراق الملوخية لتجف وتتيبس، ويستغلها الأطفال للعب من دون أن يشعروا بخطر مرور السيارات. لم تعد البيوت كلها مسكونة، فأم عليّ تقول إن «أصحابها ماتوا، وعادت ملكية البيوت لمالكتهم الأصلية سيدة من آل شهاب الدين، ومن يسكنها يدفع بدل إيجار قديم، 40 ألف ليرة، لتتضاعف اليوم. وبعض الجيران بيوتهم أكبر، وزاد إيجارهم من مئة إلى ثلاثمئة ألف ليرة».

لا تحتاج أم علي إلى من يوضح لها أن «هذه البيوت غير صالحة للسكن، فسماكة الباطون فيها وطريقة البناء ليست سليمة أبداً». تعرف السيدة ذلك عندما تمطر السماء في الخارج وتبدأ المعزوفة اليومية داخل بيتها مع «النش» من السقف والأصوات التي ترافق ذلك نتيجة نقر حبات المياه في الدلاء الموزعة وسط الغرفة. لكن السؤال يبقى نفسه: «أين نذهب، أين نجد «منزلاً» آخر والناس تكاد تموت في بيوتها ولا تعويضات تكفيها لتنتقل إلى خيارات أفضل. ونحن سبق أن طالبنا صاحبة الملك بالترميم أو التعويض، ولم يُنفذ أي من الاقتراحين».

من يعرف حي «الطمليس» وبعض أزقته، يعرف أن «الحوش» هو البقعة «الإكزوتيكية» فيه، إذ درج أن يكون أغلب سكانه من الطائفة الشيعية وسط محيط من الأغلبية السنيّة، من دون أن يشكل هذا الاختلاف خلافاً بين الجهتين، فزينب التي تعيش في «الحوش» منذ سنوات تجزم أن الكل «جيران وأحباب» وإن كان مجالس العزاء في عاشوراء تقام سابقاً هنا، لا سيما قبل حوادث أيار 2008، أما اليوم فهي ملغاة تماماً، وكل ما نبحث عنه اليوم هو السترة».

لم يتبق الكثير من الشكل القديم لهذه المنطقة وهذا الحي تحديداً. اختفت التلال الرملية التي كانت تغمر كل منطقة الطريق الجديدة والأحياء خارج وسط البلد، وقلعت أشجار الزنزلخت والتوت والتفاح، وارتفعت مكانها بداية البيوت المتفرقة هنا وهنالك، ثم وبعد هجرات مختلفة إلى المنطقة، من العمال من المناطق العربية ثم الفلسطينيين بعد نكبة 1948، ثم الجنوبيين، اكتظت المنطقة بالمباني التي قد تصل ايجاراتها إلى 700 دولار أميركي. اليوم، بالكاد تتسع الطرقات الضيقة في حي «الطمليس» لمرور بعض السيارات والدراجات النارية، وبعض أزقته مسدودة ببيوت صغيرة، تبدو وكأنها تقاوم الزحف العمراني المستجد. إنما الدكان الأشهر «لأم زكور» ما زال صامداً هنا، وهو دكان لطالما عُرف بأسعاره المقبولة، ولقبه «دكان الفقير».



«المُغربية» تنقذ من الموت

السيارات التي تقف على أطراف الحي، وجدت لنفسها مساحة جديدة، أشبه بمرأب مستجد في قلب الحي، تماماً مكان مبنى صبرا الذي انهار في الحادي عشر من كانون الثاني من العام 2007، وأدى إلى وقوع ستة جرحى. بعض السكان القدامى للمبنى ما زالوا هنا في الحي، لا ينسون ذلك اليوم، وكأنه حصل أمس، إنما المؤكد أن مأساة فسوح فتحت جروحهم، شاكرين ربهم أن الاصابات البشرية في حادثتهم اقتصرت على وقوع جرحى. لا تنسى سهيلة رمال التي كانت تسكن في المبنى وزوجها وبناتها الثلاث، طبخة جارتها فاطمة الحاج التي أدت بطريقة غير مباشرة إلى إنقاذها من الموت. تروي رمال أن «جارتها فاطمة التي تسكن في المبنى المجاور، أنهت زيارتها لديها لتتفقد طبخة المغربية التي تعدها، ولتنتبه فجأة إلى تساقط بعض الأحجار الصغيرة من مبنى صبرا الذي نسكنه، فراحت تصرخ بأعلى صوتها لنخرج مسرعين وكل سكان المبنى الذي تسكنه عائلات صبرا، العال، كولكو، الحاج، رمال وغيرهم».

كيف سقط مبنى صبرا؟ هو السؤال الذي ما زالت عائلات المبنى تبحث عن إجابات له، سهيلة رمال تقول إن «جارها في الطابق الأخير، وهو قريب المالك، قام بتصليحات في بيته في الطبقة الأخيرة وهدم بعض الجدران الداخلية، وأضاف خيمة حديد ذات ارتفاع محدود فوق سطحه لتمنع النش، ما جعل مياه الأمطار تتراكم عند أطرافها وتصب في أساسات المبنى، وعلى مدى أشهر قبل سقوط المبنى كانت المياه تتجمع في بيتي في الطبقة الأرضية والمؤلف من غرفة فوق الأرض وأخرى تحت الأرض».

«اللي راح راح»، تقول سهيلة، «منذ سنوات خمس، لم نرَ أي دعم، لا من هيئة الإغاثة ولا من الدولة». منذ ذلك الوقت، استطاعت سهيلة وزوجها علي رمال وعائلتها استئجار شقة مقابل مبنى صبرا، وهي تشبه إلى حد كبير البيوت العشوائية في مخيم صبرا وشاتيلا، علماً أنها تدفع مقابلها 400 ألف ليرة لبنانية في الشهر الواحد، في حين كان ايجار بيتها القديم بقيمة خمسين ألف ليرة شهريا».

«زاروب الحارس»

على بعد خطوات من مبنى صبرا، يقع مبنى «الحارس» تماماً عند مدخل «زاروب الحارس». المبنى المؤلف من ثلاث طبقات وتسكنه عائلات خمس، لا يحتاج إلى خبرة فائقة ليثبت تصدعه، إذ تبدو واجهته الخشبية متصدعة، وسبق لبعض الأحجار من سقفه أن سقطت عند مدخله ودرجه وحتى داخل البيوت. يقول محمد الحارس أحد سكان المبنى إن «عناصر من الأمن قاموا، بعد سقوط مبنى الأشرفية، بالكشف على المبنى، إنما لم يبلغنا أحد بأي تطورات، أو أي قرار فيما يتعلق بالترميم». أما مصطفى الحارس، فيشير إلى أن «المشكلة ليست بالكشف، المشكلة بالبديل، أين نذهب في حال تبين أن مبنانا غير صالح للسكن؟ العائلات تقبض 30 مليون ليرة بعد موت أفراد عائلتها، من سيدفع لنا ونحن أحياء، وأي بيت يمكن أن نشتري مقابل هذا المبلغ؟».

المشاكل في حي «الطمليس» لا تقتصر على المباني القديمة، بل تبرز بالدرجة الأولى في بطالة مستشرية لأبناء الحي، وأوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة. هنا في ساحة الحي، يتجمع عدد من الشبان والسيدات «يتشمسون» ويدخنون النرجيلة. محمد يجلس بينهم منذ ساعات الصباح حتى ما بعد الظهر. لا يملك الشاب وظيفة، ولا المال ليكمل دراسته، يقول إنه لا يجد ما يفعله إلا الجلوس هنا، في انتظار الفرج، وربما التدرب على مهنة جديدة كالسنكري، أو الكهربجي، أو الحداد والميكانيكي، وهي المهن الأكثر انتشاراً في الحي. أما الخيار البديل فهو أن يحصل على قرض صغير يمكنه من استئجار محل وتخصيصه لإيجار النراجيل وتوصيلها إلى البيوت «ديلفري». يبدو محمد متردداً في خطوته الأخيرة، وذلك لتزايد هذا النوع من المحال في الحي.

وما لا ينساه أحد أنه من هذا الحي كانت الانطلاقة الأبرز لـ«حركة المرابطون» ورئيسها ابراهيم قليلات (أبو شاكر) الذي يقع مكتبه على بعد خطوات من مدخل الحي.


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر