الراصد القديم

2012/06/15

إشكالية الثورة والثورة المضادة في الحراك العربي الراهن




اسماعيل أبو البندورة

كل المؤشرات التي ظهرت في الواقع العربي في العقود الأخيرة كانت تشير الى ضرورة وامكانية الثورة ، أو على الأقل ضرورة وامكانية ابتداء لحظة اصلاح وتغيير حقيقية تؤدي في النهاية الى الخروج من الاوضاع البائسة السائدة ، ان لم نقل الانحطاط والتردي المتصاعد · وكانت تلك حالة تاريخية وسياسية لابد أن تقود في مآلاتها النهائية الى مثل هذه الامكانية بعد أن توفرت كل عوامل الثورة والانتفاض ، وبعد أن جاوزت الأنظمة الاستبدادية الظالمة المدى ، وأطبقت على المجمتعات وخيارها وقرارها ، وشوهت وشيطنت كل ماهو قريب من مسألة الحرية والديموقراطية ، والمطالبة بها ، واعتقدت بخيالها الاستبدادي المريض أن وجود واستمرار هذا الحال هو من حتميات التاريخ العربي وأقداره الأزلية ، ولافكاك منه بأي سبيل ·
وعندما انطلقت الثورة المنتظره ، وبأشكال ومستويات تفاوتت من قطر لقطر ، وجاءت الاستجابة الشعبية في اللحظة التاريخية المتوقعة ، على هيئة زلزال لايريد أن يبقي أو يذر، وتطابق التوقع المفترض مع الحدث ، ونشأت لحظة الشعب وانطلقت من عقالها ، فانخرط الجميع في الاستجابة المعنوية والفكرية والميدانية ، وبدأت الشعوب المقهورة في جميع الاقطار العربية تفتش عن دورها وخيارها من اجل التلاقي في الهدف والمآل عند نقطة عربية قومية واحدة ، وهي الثورة والنهضة والوحدة لصناعة المستقبل العربي الجديد ، والخروج من عنق الزجاجة التي خنقت كل الاحلام والاشواق الوطنية ، واجهضت فكرة الحرية وعطلت ارادة الشعب واعدمت خياله ·
هذا ماكان يلوح ويدور في خيال ابناء الامة العربية عندما أزفت اللحظة ، وهكذا كانت التوقعات ، وهكذا كان المشروع المرتجى ، أما مادار في خيال انظمة التسلط والاستبداد بعد أن استمعت لنداء الشعب المنادي باسقاطها ، فكان من لون آخر ، اذ بدأ باتهام الشعب بالدهمائية ، والحرامية ، والجرذان ، ومن أنتم ، وغيرها من الاوصاف ، وعندما تحققوا من حقيقة مايرون ومايريده الشعب ، وأن الاتهام والازدراء المتوارث ، لن يؤدي الى أية نتائج ، بدأ الترغيب الرخيص تحت العنوان الاحتيالي ( سوف نكون من الآن فصاعدا كما تريدون ، لن نبقى رؤساء للابد ، والآن فهمناكم ، وغيرها من الحيل والبهلوانيات ) ، أما بعد أن تصاعدت الثورة وتعاظم الاحتجاج ، وبدأت المنازلة بين الجماهير وأنظمتها ، فقد كان لابد أن تنتقل الانظمة الى الاستعداد لاجهاض الثورة والقيام بالثورة المضادة ، ومهدت الانظمة الى هذا الخيار برفض الاعتراف بطبيعة مايجري وانكاره ، أو من خلال تغيير ماهيته ، واذ عرفت بحقيقته ، فقد عمدت الى التمويه والتعمية ، وتغيير ماهية مايجري من خلال افتراءات ، وتشويهات ، واتهامات للشعب ، وكانت هذه الازاحة من اكثر مااقدمت علية الانظمة من تزييف ، عندما جعلت شعبها خائنا يثور بايحاءات من الخارج ، وينشد حرية مزيفة وديموقراطية مفبركة صنعتها مطابخ الغرب الاستعماري ، وأن لاعلاقة لكل مايجري بماهية وطبيعة السلطة الغاشمة وممارساتها وتراثها الاستبدادي ، وخصوصا بعد أن تقدم وجود النظام لديها على وجود الوطن ·
لقد اعطت بعض قوى المعارضة الفرصة المناسبة لتمرير الثورة المضادة التي تريد الانظمة جعلها اجهاضا للثورة الحقيقية ، وساعدت على تسويقها وتسويغها عندما أعلنت بعض اطرافها العميلة والعدمية الى المناداة بالتدخلات الخارجية وتمزيق البلاد ضاربين بعرض الحائط سيادة وحرية الوطن ، ومعلنين عن ديماغوجية في الطرح والتصور ·
وهكذا شهدنا في بعض الاقطار العربية ثورة مضادة تخطط لها الانظمة من اجل تغيير ماهية الثورة وتزييف مطالبها الحقيقية ، من اجل البقاء والاستمرار في الحكم ، وثورة مضادة مقابلة وموازية ، اطلقتها معارضة مشبوهة خلطت بين الثورة الساعية الى التغيير ، وبين ثورة تريد أن تسلم امور البلاد الى الشيطان ، فأجهضت بذلك الثورة الحقيقية وساعدت على تحقق الثورة المضادة التي عملت بعض الانظمة على القيام بها تمريرا لعملية ازاحة وتمويه كبرى لاغراق الناس في متاهات وتجاذبات تؤدي في النهاية الى طمس واجهاض اي ثورة أو حالة تغيير تريد اقتلاعها واسقاطها الى الابد·


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر