الراصد القديم

2012/06/15

المؤتمر القومي العربي في تونس : "ميزان الامة"




د. هاني سليمان

اثبتت الدورة الثالثة والعشرون للمؤتمر القومي العربي التي انعقدت في تونس ايام 4و5و6 حزيران/يونيو ان هذا المؤتمر، وبعد حوالي ربع قرن على تأسيسه، قد نجح الى حد كبير في ان يكون "ميزان الامة" كما قال الامين العام السابق للمؤتمر الأخ معن بشور، اي ان يكون الاطار القادر على تجسيد العلاقة الجدلية بين الطموح والواقع، بين القومي والقطري، بين الثابت من المبادئ والمتحول من المتغيرات، بين الاهداف الستة للمشروع النهضوي للأمة (الوحدة، الديمقراطية، الاستقلال الوطني والقومي، التنمية المستقلة، العدالة الاجتماعية والتجدد الحضاري) دون مقايضة بينها، او دون تنازل احدها لحساب الآخر، بل جدلية العلاقة بين تيارات الامة الرئيسية الكبرى (القومي، الاسلامي، اليساري، الديمقراطي الوطني) دون طغيان لتيار على آخر، او اقصاء تيار لحساب الاخر.
وتزداد اهمية نجاح المؤتمر في ان يكون فعلا "ميزان الامة"، وانه انعقد وسط زلازل عنيفة تحيط بواقعنا العربي، فتدفع ارتجاجاتها البعض الى مهاوي الغلو والتطرف، فيما تدفع البعض الاخر الى منزلقات المساومة على المبادئ والثوابت، فننظر الى ما تمر به الامة بعينين لا بعين واحدة، ونسمع بإذنين لا بإُذن واحدة وذلك لكي نسهم في رسم حلول لازماتنا بدلا من ان نتحول الى مشكلات جديدة تزيدها تعقيداً.
ففي مواجهة الازمة السورية مثلاً دعا المؤتمر الى الحوار الوطني السوري الشامل، والى وقف العنف أياً كانت مصادره، والى تحقيق المطالب الشعبية المشروعة للشعب السوري رافضاً كل اشكال التدخل الخارجي، والعقوبات الاقتصادية، وتسليح المتشددين، وتعليق عضوية سورية في جامعة الدول العربية مندداً بأسلوب قطع العلاقات الديبلوماسية مع دمشق وسحب السفراء منها لأن هذه العلاقات هي بين شعوب ودول وليست بين حكام هم بالنهاية عابرون مهما طال بهم الزمن.
وحول العراق كان تمسّك برفض الاحتلال وافرازاته والدعوة الى انتخابات جديدة ودستور جديد لتحقيق رغبات الشعب العراقي وطموحاته، اما في البحرين فلم يسقط المؤتمر في ازدواجية المعايير حيث يطبق الصمت المريع على مؤيدي ما يسمى "الربيع العربي" حين يأتي الامر الى الانتفاضة الشعبية الرائعة لابناء البحرين، اما في مصر فمع اعتزاز المؤتمر بملايين الاصوات التي نالها عضواه حمدين صباحي وعبد المنعم ابو الفتوح، واعتزازه بعودة التيار العروبي الناصري مع صباحي الى قلب المعادلة السياسية، فقد دعا المؤتمر الى الحفاظ على الثورة ومكتسباتها منبهاً الى اي تفريط بها، كما دعا الى وحدة قوى ثورة 25 يناير المجيدة.
في الجزيرة العربية كان الموقف ايضا واضحاً حين دعم المؤتمر الحراك الاصلاحي الممتد من شرق الجزيرة الى غربها، ثم جاء الانتخاب شبه الاجماعي في امانته العامة الجديدة للكاتب القومي الاصلاحي الجرئ محمد سعيد طيب ، رغم غيابه عن الدورة بسبب منعه من السفر، رسالة واضحة للمعنيين في السلطات السعودية تقول ان منع الاصلاحيين الاحرار من السفر، او حتى سجنهم، لن يؤثر في توهج قضيتهم ونضالهم.
اما فلسطين، فبقيت البوصلة الموجهة للمؤتمر، والمعيار للحكم على سلامة اي تغيير، "فالشعب يريد تحرير فلسطين" لم يكن نصاً في بيان المؤتمر فحسب، بل هتافاً ردده متظاهرون امام قاعة حقوق الانسان التي افتتح بها المؤتمر اعماله، كما كان قولاً صريحاً أعلنه زعيم حركة النهضة، عضو المؤتمر، الشيخ راشد الغنوشي في جلسة الافتتاح بأن تحرير فلسطين هو مطلب يجمع عليه التونسيون.
البعد العالمي للقضية العربية مثله حضور النائب البريطاني جورج غالاواي بكلمة في جلسة افتتاح المؤتمر لاقت تصفيقاً حاداً عدة مرات، كما مثله حضور عدد من رواد اسطول الحرية منهما زميلان لي في تلك الرحلة التاريخية هما رجل الاعمال الجزائري كريم رزقي، ونائب الامين العام لاتحاد الاطباء العرب د. ادريس ربوح , واركان المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن صاحب المبادرة في المنتديات الدولية التي سيتوجها في الخريف القادم منتدى دوربان (جنوب افريقيا) لمناهضة الابارتايد الصهيوني.
لم يغرق المؤتمر في اللحظة السياسية الراهنة فقط، بل امضى اعضاؤه ساعات في مناقشات فكرية واستراتيجية حول "حال الامة"، وهو تقرير سنوي يصدره مركز دراسات الوحدة العربية، وحول "سبل استنهاض التيار القومي العربي" في مناقشة لورقة قدمها أ. معن بشور .
كما ناقش المؤتمر في عدة جلسات عناصر المشروع النهضوي الست في ضوء اوراق قدمها اعضاء الامانة العامة للمؤتمر ، الاخوة عبد الملك المخلافي (والذي انتخب امينا عاما للمؤتمر)، والدكتور يوسف مكي (الجزيرة العربية)، محمد حسب الرسول( السودان) عبد الاله المنصوري (المغرب)، د. زياد الحافظ (لبنان)، الذي دعا في ورقته المميزة الى قيام منظومة معرفية عربية، وهو امر قد يكون شاغل المفكرين والمثقفين العرب في المرحلة القادمة.
من اللحظات المميزة في المؤتمر كانت جلسة التبرعات المالية التي يشترك فيها اعضاء المؤتمر، والتي ادارتها بكفاءة مساعد الامين العام الاخت رحاب مكحل، فساهم اعضاء المؤتمر كل حسب قدرته، بالتبرع لايفاء ديون المؤتمر وللمساهمة في تكاليف الدورة، علماً ان غالبية المشاركين يتحملون نفقات سفرهم واقامتهم.
كذلك كانت من الجلسات الفارقة واللافتة جلسة مناقشة البيان الختامي الذي اعدته بتوازن وبراعة لجنة الصياغة برئاسة الامين العام السابق المناضل الكبير خالد السفياني، حيث برز التنوع في الاراء، والتعدد في الرؤى، والتباين في المواقف، خصوصاً في المسألة السورية ، فكانت مداخلة واقتراحات الامين العام الاسبق للمؤتمر القومي العربي د.خيرالدين حسيب التي ساهمت في حل إشكالات كانت تأمل احدى الفضائيات العربية ان تتحول الى "اشتباكات" حيث بثت خبراً بوقوعها ولم يكن ينقص الخبر سوى "شاهد عيان".
وعلى طريق تكريس تقليد تميز به المؤتمر وهو تقليد تداول المسؤولية أصر الأمين العام السابق المناضل الليبي الصادق عبد القادر غوقة على رفض ترشيح نفسه لولاية ثانية مختطاَ طريقاً سلكه امناء عامون سابقون وهم خيرالدين حسيب (العراق)، الراحل عبدالحميد مهري(الجزائر)، الراحل ضياء الدين داوود(مصر)، معن بشور (لبنان) وخالد السفياني (المغرب)، بعد ان قدّر المؤتمرون لغوقة قيادته الحكيمة للمؤتمر وسط عواصف داخلية مرت به، وزلازل سياسية ودموية تمر بها المنطقة.
وجاء انتخاب عضو مجلس الشورى اليمني عبدالملك المخلافي، وهو واحد ممن حضروا المؤتمر الاول (عام 1990) وبقي عضواً في امانته العامة لدورات عدة، ليمثل انتقال راية امانة المؤتمر من بلد اخر، ومن اقليم عربي الى اخر، وليؤكد على ان المؤتمر، كهيئة شعبية عربية، يرفض تهميش دور اليمن كما هي العادة في النظام الرسمي العربي.
واكد فوز المخلافي بالتزكية، بعد اعتذار معلل وراق من الدكتور زياد الحافظ، الى روح الوحدة العميقة المسيطرة على مؤتمر بقي صامداً 23 سنة دون توقف او انقطاع، رغم كل ما مر بالامة من تحولات وحروب وكوارث، وبقي اميناً على ثوابته رغم كل ما تعرض له من تهجمات واتهامات، وبقي مبادراً في غير اتجاه رغم حالة الحصار الهائل التي فرضت عليه بسبب طابعه القومي العربي الجامع والمزعج لكل قوى التفتيت في المنطقة التي لا تطيق سماع كلمة "عروبة" بعد ان ظنت انها أجهزت على رموزها لا سيما بعد رحيل القائد الخالد جمال عبدالناصر.
وهكذا فقد جاء توقيت انعقاد المؤتمر في ذكرى حروب عدوانية صهيونية على مصر وسوريا والاردن عام 1967، وعلى لبنان عام 1982، رداً على تلك الحروب وسعياً لازالة اثارها، وتأكيداً على تمسك الأمة بوحدتها ومقاومتها وبفلسطين التي لا تحررها سوى الوحدة باطارها الجامع، والمقاومة بنهجها القاطع.



0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر