الراصد القديم

2012/06/15

حين تشرق شمس الناصرية




فهد الريماوي

في هذا الموضع والموقع، كتبنا غير مرة، وفي مناسبات عدة، ان الناصرية وعد قومي منقوش على صفحات المستقبل، ومشروع سياسي قابل للتحقق في اية لحظة، وحركة عقائدية تختزن اهداف الامة، وتجربة نضالية باسلة تفيض بالدروس والعبر، وتضيء اروقة التاريخ العربي المعاصر·
كتبنا مراراً واكدنا تكراراً، ان الناصرية بوصفها حركة امة تمتشق سيف النضال، وتبحث عن مستقبل افضل، لن تتقاعد من العمل، او تندرج في عداد الفعل الماضي، او تنتسب الى "خبر كان"، بل ستظل راية تخفق في فضاء الزمن الراهن، وجمراً يتقد تحت طيات الرماد، وشمساً تتحين فرصة الشروق بعد كل غروب·
كانت الناصرية - وستبقى - عقيدة قومية وحركة ثورية معاً، بل هي حركة عقائدية اثبتت وجودها الفعلي في ارض الواقع، وصمدت امام جحافل الردة والتشويه الرجعي والتضليل الاعلامي لاكثر من اربعين عاماً، وعبرت افضل تعبير عن اشواق الشعب العربي للوحدة والحرية والاشتراكية والتنمية بمختلف ابعادها الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية·
وبالاضافة الى ما تنطوي عليه الناصرية من مبادئ وطنية وقومية وتقدمية ونهضوية عظيمة تلبي طموحات الامة وحاجاتها ومستلزمات عزتها ورفعتها، فهي تتحلى، الى جانب ذلك، بمنظومة ضميرية وادبية واخلاقية سامية عصمت قادتها، وفي طليعتهم جمال عبد الناصر، من ادران الفساد، وقيضت لهم اعلى درجات النزاهة وطهارة اليد والفرج، واتاحت لهم ان يشكلوا قدوة او اسوة ممتازة للجمهور العربي الذي ما زال يتعلق بهم، ويحنّ الى ايامهم، ويراهن على تلاميذهم وخلفائهم من امثال القائد الناصري المميز، حمدين الصباحي الذي شكل قبل اسبوعين، عبر الانتخابات الرئاسية المصرية، مفاجأة الناصرية لنفسها ولشعبها المصري خاصة، والعربي بوجه عام·
غير ان هذه المفاجأة السارة والجبارة لم تطلع من العدم، او تنبع من الفراغ، او تنطلق عفو القدر والخاطر، بل جاءت تجسيداً للمخزون الناصري في الوجدان الشعبي المصري، وتعبيراً عن التوق الى الزمن الناصري الذي وفر لارض الكنانة اعلى درجات المهابة والكرامة والاحترام بين دول العالم، واملاً في استعادة ذلك الزمن الجميل على ايدي الصباحي ورفاقه الشجعان الذين راهنوا، وهم يخوضون غمار معركة انتخابية غير متكافئة، على وعي الكادحين والثوريين المصريين، واصالتهم الناصرية، وانتماءاتهم الطبقية، وتطلعاتهم التقدمية، وليس السلفية او الرجعية·
ورغم ان الصباحي قد تبوأ المركز الثالث في سلم هذه الانتخابات، الا ان من شأن التقييم الموضوعي ان يضعه في المركز الاول دون تحفظ، وذلك بالقياس والمقارنة ما بين حملته الانتخابية الشديدة الشح والكدح، وبين حملتي المرشح الاسلامي المدعوم مالياً وتنظيمياً، والمرشح المباركي المدعوم من المجلس العسكري، والمال الملوث بالفساد، والحزب الوطني المنحل اسماً وليس فعلاً·
مؤكد ان للقائد والمناضل الصباحي دوره الكبير في تحصيل هذا الفوز المشرّف، وان لفريقه "الاستشهادي" فعله العظيم في هذا المضمار·· غير ان الفضل الاول في هذا النجاح المؤزر يعود الى سحر الحركة الناصرية وجمرها الذي ما زال متقداً منذ عشرات السنين، وجذرها الذي ما زال ممتداً في عمق الكبرياء المصري، وانجازها الذي ما زال ماثلاً في ذاكرة التاريخ، ومتمثلاً في طرد المستعمر البريطاني، وبناء السد العالي، وانشاء الف مصنع، وتأميم قناة السويس، ومجانية التعليم المدرسي والجامعي التي استفاد منها ملايين المصريين والافارقة والعرب·
بضربة باسلة واحدة اقدم عليها الصباحي ورفاقه، ثبت ان الروح الناصرية لم تغادر الجسد المصري والعربي، وان كل محاولات الردة الساداتية والمباركية، وحملات الرجعية السعودية المتحالفة مع الصهيونية والامبريالية، وتحاملات الاسلام السياسي المحكوم برواسب ثأرية تاريخية معروفة، لم تستطع مجتمعة دفن الايدلوجيا الناصرية، او نفيها وتغييبها وتغريبها عن الوطن العربي، او توفير المشروع البديل المعقول والمقبول شعبياً لمشروعها، او تشكيل القيادة العربية التي تقوم مقام قيادتها، وتسد فراغها، وتحل في الملمات محلها·
عظمة الناصرية انها قالت وفعلت، حيث قرنت القول بالعمل·· انها نظّرت وطبّقت، حيث امتحنت افكارها ومبادئها في ميادين التجربة والتطبيق، ثم ما لبثت ان استخلصت من هذه التجربة الكثير من الدروس والحقائق المستجدة التي اغنت بدورها المحصول الايدلوجي الناصري، وفقاً لقانون الجدل او الديالكتيك الهيجلي المعروف الذي اتاح لها التجدد الدائم، والتقدم نحو المستقبل، والارتقاء في مفاهيمها وادبياتها من كتاب "فلسفة الثورة" حتى "بيان 30 مارس"، مروراً بـ "الميثاق" الذي طرحه عبد الناصر عقب جريمة الانفصال بين مصر وسوريا·
عظمة الناصرية انها لم تخمد او تتجمد بعد رحيل ربانها وانقلاب السادات عليها، ولم تذهب مع الريح في واد مثلما ذهبت عقائد وحركات عربية اخرى، ولم تفقد حضورها وجمهورها والرهان عليها حتى في احلك الاوقات، وتحت اقسى الضربات·· بل ظلت روحاً تسري، وبوصلة تهدي، وعنقاء تنبعث من رمادها، وتعيد انتاج ذاتها، وتستوعب مستجدات الزمان، وتتجول في ديار العروبة ما بين المحيط والخليج، وتتأبى - بوصفها حركة امة بأسرها - على كل محاولات التأطير والفرز والتشطير الحزبي او الجهوي او الطائفي او الطبقي·· الخ·
وفي خضم هذا التيه العربي الموبوء بالفتاوى الوهابية، والبلاوي الارهابية، والموبقات الليبرالية، والموروثات العثمانية، والحماقات القطرية الصبيانية، تصبح الناصرية حاجة حتمية، ورافعة ضرورية للتوعية والتنوير والتثقيف، واستنهاض العقل الجماعي العربي الذي يكاد يقف الآن على عتبة الخبل والجنون، لشدة ما يتعرض له من حملات التعمية والتشويه والتضليل·
انظروا كيف التزم الصباحي ورفاقه بمبادئ الناصرية وثوابتها واخلاقياتها وهم يخوضون معركة انتخابات الرئاسة المصرية·· كيف احتقروا اموال النفط والفساد، والتصقوا بقضايا الكادحين والعروبيين والمثقفين الثوريين، ورفضوا الترخص في القول والفعل والاستنجاد بدراويش الامية السياسية، كما رفضوا الزحف الى واشنطن لتقديم اوراق الاعتماد وحسن السلوك، او التعهد جهاراً نهاراً باحترام معاهدة كامب ديفيد وتوابعها، او الاعلان بان قضية فلسطين لم تعد اولوية لديهم، او الاستقواء بالناتو والدعوة الى التدخل الاجنبي في الشؤون العربية، مثلما فعل قادة "مجاهدون" من طراز الغنوشي والكتاتني والبيانوني ومصطفى عبد الجليل·
وعليه، وبعد انطلاق المارد الناصري في مصر بمجرد انكسار قمقم الردة الذي اصطنعه السادات المقتول ومبارك المخلوع، ترقبوا في القريب العاجل عودة النبض الناصري الى القلب العربي·· فقد برهنت الناصرية من جديد، انها قمح الارض العربية، وقمة الطهارة الثورية، وتاج الحركات القومية، وعنوان الخلاص العربي من الفاقة والفرقة والتخلف والتبعية·· ولو كره الحاقدون·




0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر