الراصد القديم

2012/06/22

رسالة من أهالي نهر البارد الى الشعب اللبناني الشقيق .. اعذرونا


عثمان أحمد بدر

أيها الإخوة اللبنانيون

اعذرونا...
نحن لسنا ضد جيش بلادكم... كما يحاول أن يصوّرنا بعض الإعلام المشبوه، ولا نكّن له العداء والضغينة، بل مشاعر الحب والاحترام... ومواقفنا تدل على هذا.
فحين قام الطيران الصهيوني بقصف أحد مواقع الجيش اللبناني في منطقة "العبدة" أثناء حرب تموز من عام 2006، هبّ أبناء مخيم البارد لإسعافهم ونجدتهم في وقت تخلّف فيه الجميع... وما قمنا به آنذاك كان واجب الشقيق تجاه شقيقه.
وحين قامت مجموعات "فتح الإسلام" باعتدائها الآثم على حواجز الجيش، أعلنا بملء الفم والكلمات تضامننا ووقوفنا الى جانب المؤسسة العسكرية، وشجبنا بأشد الكلمات، واستنكرنا بأقسى العبارات ما حصل، وغادرنا بيوتنا وممتلكاتنا إفساحاً في المجال أمام الجيش للاقتصاص من العصابة المذكورة، ودفعنا الأثمان الباهظة في سبيل ذلك. فعدا عن تدمير مخيمنا بالكامل وتجريفه وخسائرنا المادّية والاقتصادية، فقد سقط من أبناء مخيمنا أكثر من خمسين شهيداً ومائتي وخمسين جريحاً، وجرى اعتقال العشرات من أبنائنا وإخوتنا، والتنكيل بهم، ولا يزال البعض منهم يقبع في "زنازين رومية"، لا لذنب اقترفوه سوى أنهم من أبناء المخيم الجريح....
تقبّلنا كل العنصرية و التحريض والإهانات التي مورست بحقنا...
صمتنا رغم أننا دفعنا ثمناّ كبيراً لما ليس لنا فيه "ناقة ولا جمل"، مراعاة لمشاعركم وأحاسيسكم؛ إذ إن جيشكم كان قد تعرّض لاعتداء ومن حقكم الالتفاف حوله والوقوف الى جانبه، رغم أنكم أضعتم "البوصلة" في ذلك الوقت وقام بعضكم بوضعنا في خانة الأعداء.
أطلق جيشكم النار على مظاهرة سلمية لأبناء مخيمنا في بلدة "البداوي" لمجرد أن المتظاهرين كانوا يطالبون بالعودة الى مخيمهم، فسقط خلالها شهيدين وعشرات الجرحى وكانت الذريعة دخول "طرف ثالث" على الخط.
أفتى بعض مشايخكم بتحليل قتلنا وتدمير مساجدنا ومصلياتنا واستباحة أرزاقنا وممتلكاتنا وبجواز سبي نسائنا وبناتنا، بما يوحي بأننا أُعتبرنا "كفرة" و"ملحدون" وخوارج على الملّة والدين...
تجاوزنا هذا الأمر، ودعينا لهؤلاء المشايخ بالصلاح والهدى...
سُرقت أموالنا ونُهبت ممتلكاتنا ولم نأتِ على ذكر هذه القضية حرصاً منا على عدم نكأ الجرح الأليم...
لملمنا كل الجراح، وتجاوزنا الآلام، وعدنا الى مخيمنا لنعيش في "خيمٍ" و"بركسات حديدية" تفتقر الى أدنى مقومات العيش آلآدمي والإنساني، وتصلح لأن تكون "مخامر موز" أو "مزارع دجاج"...
عدنا الى أنقاض مخمينا لنفاجأ بأننا لسنا "شركاء في الانتصار"، كما أعلن عبر وسائل الإعلام أكثر من مسؤول لبناني، وفي المقدمة منهم رئيس الحكومة آنذاك، فؤاد السنيورة، بل تمت معاملتنا على أننا مهزومون شر هزيمة.
شطبنا الشعارات العنصرية و"الشوفينية" التي كُتبت على ما تبقى من جدر منازلنا وبيوتنا و مساجدنا وأزلنا آثرها، كي لا تعمّق الهوّة بين الجيش والشباب.
أنزلنا "الثياب الداخلية" العائدة لبناتنا ونسائنا، والتي مُثل بها وكتب عليها كلمات نابية لا يرضاها كل ذي دين وضمير وقد عُلقت على الأسطح و"فرندات" المنازل، وكظمنا الغيظ...
رضينا أن يكون مخيمنا "منطقة عسكرية" ومعزولة ومغلقة، رغم انتهاء المعارك فيه... لم نعترض على نظام "التصاريح" في الدخول الى المخيم و الخروج منه....
تجاوزنا أن تمنع عجوز تجاوزت الثمانين من العمر من الدخول الى منزلها لأنها أضاعت "التصريح"...
صمتنا ونحن نرى بأمهات الأعين كبار السن فينا، من الرجال والنساء، وهم يُذلون على الحواجز ويُفتشون أثناء الدخول الى المخيم والخروج منه...
غضضنا الطرف، ونحن نسمع تحرشات و"تلطيشات" بعض الجنود على بناتنا ونسائنا.. وكنا نعزّي أنفسنا بأن أفراد الجيش ليسوا "أنبياء" ولا "ملائكة"، بل هم من بني البشر ولديهم بعض الأخطاء والتجاوزات...
سكتنا وفي - بعض السكوت مذلة - و نحن نرى "قادة الرأي" في مخيمنا وهم يُعتقلون ويُهانون ويتم استدعائهم الى أروقة "المخابرات" لمجرد أن أبدى أحدهم رأياً أو قال كلمة قد يُفسرها الجيش ضده أو لا تصب في صالحه وخدمته...
أُعتقل بعض أطفالنا وشبابنا وكبار السنّ والنساء، لا لشيء سوى حباً في ممارسة "العسكرتاريا"، ولمحاولة فرض حالة من الإرهاب النفسي المعنوي على أبناء المخيم... أو لتجنيدهم للعمل لصالح "جهاز المخابرات" والأجهزة الأمنية الأخرى...
صُودرت بعض بيوتنا ومنازلنا وتم تحويلها الى مواقع عسكرية .. ولم نكترث للأمر...
جرى مصادرة بعض الأراضي التي سبق وأن كان يقيم فيها أبناء المخيم، فتجاهلنا الموضوع...
تم وضع اليد على "المقابر" التي دُفن فيها الآباء والأجداد وتم تجريف بعض القبور، فرضينا أن نزور أمواتنا في مناسبات الأعياد فقط...
تم مصادرة الأراضي العائدة ملكيتها لـ "منظمة التحرير الفلسطينية" لإقامة قاعدة عسكرية فيها وعليها, وتخيلوا أن قاعدة عسكرية تُقام على حساب المنازل التي تأوي الناس ووسط الأحياء السكنية, وتقبلنا الواقع...
اكتظت مقبرة "خالد بن الوليد"، وهي آخر المقابر عندنا، ولم يعد لدينا مكان ندفن فيه أمواتنا, وصار عبء الميت في مخيمنا أكبر من عبء الحي.. استجدينا الجيش أن يعطينا بضع أمتار في "أرض صامد" لإقامة مقبرة فيها، ولكنه رفض... وعملنا على استصدار فتوى شرعية من دار الإفتاء وبعض المشايخ بجواز حرق أمواتنا، إسوة بما يفعل "السيخ" و"الهندوس" في الهند، ولكنهم رفضوا منحنا هذه الفتوى التي كانت بالنسبة لنا الحل الأخير و البديل...
جرى توقيف إعادة إعمار مخمينا لأكثر من عامين، تحت حُجج واهية ومبررات غير مقنعة,.. مرة تحت مُسمّى وجود آثار "مدينة ارتوزيا" التاريخية في المخيم - علماً أن "الفخّار" الذي وُجد في المخيم هي من مخلفات "جرار" و"اباريق" المرحوم الحاج "حسين الحاج أسعد" وبقايا "مجارير صرف صحي" قديمة - ومرّة أخرى تحت ادّعاء أن الحكومة لم توافق على "المخطط التوجيهي" لإعادة الإعمار... و... و.. فصبرنا وتحملنا على أمل المباشرة بالإعمار...
وبدأ بالفعل الإعمار.. إلا أنه تمّ تحويل عشرات "ملايين الدولارات" من أموال إعادة إعمار مخيمنا الى "صندوق المهجّرين" و"هيئة الإغاثة" و"لجنة الحوار الفلسطيني - اللبناني" و"هيئة آلآثار"، بما أسهم في تأخير الإعمار .. وصمتنا على قاعدة المثل الشعبي: "من العُب الى الجيبة"، وأن لا فرق بيننا وبينكم.. علماً أننا نعلم أن هذه الأموال ذهبت الى "جيوب" البعض...
سكتنا ... ليس ضُعفاً كما حاول أن يُصوّر البعض...
صمتنا... ليس جبناً، بل لقناعتنا اليقينية أن أفراد الجيش اللبناني هم إخوتنا وأهلنا، ونحن وإياهم في خندق واحد في مواجهة العدو الصهيوني...
فتحنا حوارات مع القيادات اللبنانية ومع الحكومات المتتالية منذ نكبة مخيمنا ومع قيادة الجيش، على أمل أن يفهموا ويتفهّموا أننا بشر ولدينا أحاسيس إنسانية ومشاعر آدمية وكرامة وكبرياء وشرف ورجولة... ولكنهم لم يفهموا هذا الأمر او يتفهموه... بل كانت كل تمنياتنا تضرب بنعالهم و"بسواطيرهم" العسكرية... ولم يستوعبوا أو يستدركوا ما قد يحصل، رغم حرصنا طيلة السنوات الخمس الماضية على عدم حصوله...

أختي اللبنانية...اخي اللبناني...
ليس بيننا في "مخيم نهرالبارد"، أو في سواه من مخيمات شعبنا، "طابوراً خامساً" ولا "سادساً" ولا "سابعاً" ولا حتى "عاشراً".. ولا يوجد عندنا "طرف ثالث" ولا "رابع" ولا "خامس".. فلا تنصتوا إلى أولئك المفلسين من أصحاب الرؤوس الفارغة، والمنظرين من خلف المكاتب الفارهة والمكيفة، الذين لا همّ لهم سوى التحريض الرخيص والّدس المشبوه.. فحرصنا على الجيش اللبناني أكبر بآلاف المرات من حرص أولئك الذين يدفعونه دفعاً الى "الاحتكاك" بالفلسطينيين لجرهم الى أتون تجاذباتكم وخلافاتكم الداخلية التي لسنا طرفاً فيها، و لن نكون في أي من الأيام جزءاً منها، رغم محاولات البعض جرنا اليها. فأنتم جميعاً، بطوائفكم ومذاهبكم وأحزابكم وتنظيماتكم ومناطقكم وعائلاتكم، عندنا سواسية.. ولا فرق عندنا بين شقيق لبناني وآخر إلا بمدى تعاطيه الإنساني والأخلاقي معنا... وحرصنا على جيشكم أكبر من حرص أولئك الذين يتباكون عليه اليوم.. وكانوا بالأمس القريب يصوّبون إليه سهام حقدهم وضغينتهم، وأقدموا في بعض المناطق على إطلاق النار باتجاه ضباطه وجنوده...
ولكن.. يا إخوتنا، هناك نظرية علمية تقول إن: "الضغط يوّلد الانفجار" ونظرية أخرى تُفيد: "إن لكل فعل ردّة فعل ربما تكون أقوى منه",.. فما حصل ويحصل في مخيم نهر البارد - منذ يوم الجمعة الماضي الواقع فيه 16-6 وبغض النظر عن تفاصيله المرّة والأليمة - تتحمل مسؤوليته حكوماتكم التي تعاقبت على إدارة البلد منذ عام2007 ولم تصغِ الى صوت المنطق والعقل، ولم تقبل التعاطي معنا على أننا من بني البشر، رغم استغاثاتنا الدائمة والنداءات المتكرّرة التي وجهناها... ولم تقبل أن تفترض مجرد افتراض أن الفلسطيني إن سكت على الظلم والضيم لبعض الوقت، فإنه لن يسكت لكل الوقت...
لست أقول إن ما حدث هو ردة فعل آنية نتيجة التعرّض لامرأة فلسطينية بالضرب، وهي تحمل طفلة رضيعة، كل ذنبها أنها - كأي أم – حاولت أن تحمي ابنها, بل هو نتيجة حتمية وطبيعية لحالة من الاحتقان المزمن تسببت بها الممارسات اللاإنسانية التي استمرت لأكثر من خمس سنوات...
اعذرونا... لسنا بلا كرامة...
لسنا بلا شهامة...
لسنا بلا شرف...
لسنا بلا كبرياء...
ولسنا قطيعاً من "الأغنام" أو "الماعز"، نُساق وفقاٌ لرغبات البعض...أو بـ"العصا"...
اعذرونا فدماء أطفالنا وفتياتنا ليست رخيصة... كما أن دماء أبناءكم ليست رخصية... وأرواحهم عندنا غالية جدّا... فقد ربيناهم وشقينا وتعبنا في تربيتهم، وذُقنا أنواع الذل والمهانة والحرمان لتربيتهم، على حد قول المثل الشعبي: "كل شبر بنذر" لنراهم رجالاً رجال, وأطبّاء ومهندسين وشعراء وكتاباً وصحافيين وأساتذة ومعلمين وعلماء ذرّة وكيمياء ومقاتلين ثوريين، يقاتلون عدونا الصهيوني من أجل عودتنا الى أرض وطننا الحبيب فلسطين, لا لكي يُقتلوا بسلاحٍ شقيق... وبدم بارد...
اعذرونا... فقد يكون بعض فتيتنا رشقوا الحجارة باتجاه أحد المواقع العسكرية للتنفيس عن احتقانهم وغضبهم إزاء ضرب امرأة من أمهاتهم أمام أعينهم, وقتل أحد أترابهم، وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، على مرآهم ومسمعهم, وإزاء ممارسات ضاغطة بحقهم طيلة السنوات الماضية,.. ولكن أن يرد الجيش على "الحجر" بإطلاق النار الحي على الصدور العارية والرؤوس المكشوفة، فهذا أمر نضعه برسمكم... وما ترضوه لأبنائكم وأنفسكم ارضوه لنا و لأبنائنا...!!

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر