الراصد القديم

2012/06/30

العلاقة اللبنانية – الفلسطينية … عود على بدء





معن بشور

يوم أقّر النواب اللبنانيون اتفاق الطائف في 23/10/1989، لاحظنا أن أحد ثغرات ذاك الاتفاق هو اهماله للعلاقة اللبنانية – الفلسطينية اعتقاداً من واضعيه أن تفاهماً بين لبنان وسوريا نظّمه ذاك الاتفاق، وأن تفاهماً بين اللبنانيين أنفسهم على إعادة توزيع الصلاحيات وشروط المحاصصة، مع الرعاية العربية الدولية لهذين التفاهمين، أمور كافية لخلاص لبنان من أزمة وطنية كبرى تتكرر كل حين. وانه يكفي الإشارة إلى رفض التوطين، دون تحديد سبل مقاومته، لكي تتم معالجة قضية متفجرة كانت في صلب الأسباب التي أدت إلى الحرب اللبنانية التي جاء اتفاق الطائف ليوقفها.
مرّت السنوات فلم يكتب للتفاهم اللبناني – السوري أن يستمر بشروط الطائف وبنوده، وتعّثر التفاهم اللبناني – اللبناني وتشعبت مشاكله وقضاياه وعجز عن تناول بنود رئيسية من الميثاق الجديد، أما العلاقة اللبنانية – الفلسطينية فقد تركت للمعالجة الأمنية، مع الاعتقاد إن الدعم السوري للسلطة اللبنانية كاف يومها لتذليل اي عقبات، فرأينا في العام الأول بعد الطائف محاولة ضرب الفلسطينيين حين ظن بعض أهل السلطة أنهم قادرون على سحب السلاح الفلسطيني بالقوة، فكانت معارك شهيرة في شرق صيدا ما لبث أن تسمّرت على أبواب المخيمات في عاصمة الجنوب في صيف عام 1991.
ومما زاد الطين بلة إن بعض أهل الحكم في مرحلة ما بعد الطائف، وأمام اتهامات وانتقادات لهم بممالأة النظام السوري، كانت تتردد بقوة في البيئات التي ينتمون اليها، لم يجدوا أفضل من التحريض ضد الفلسطينيين كطريق لتأكيد "لبنانيتهم"، حتى لا نقول لتأكيد ولائهم لبيئة لبنانية متحفظة أساساً على الوجود الفلسطيني والعربي بأسره، قبل السلاح ، قبل اتفاق القاهرة وبعده، الى درجة انه انعقدت في وقت لاحق مساومة غير موفقة جرت بين الغاء أتفاق 17 ايار مع الكيان الصهيوني وألغاء أتفاق القاهرة مع الفلسطينيين في بندين متلازمين في قانون واحد صادر عن مجلس النواب في آواخر ايار ،1987 وهو ما اعتبر تمهيداً لاتفاق الطائف بعد اكثر من سنتين.
كان البديل عن اتفاق 17 ايار مع الصهاينة هو أعتماد المقاومة التي حررّت الارض دون قيد او شرط، بل بشكل خاص دون التنازلات المذّلة التي تضمنها أتفاق 17 ايار، الذي رعاه السيد شولتز وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية آنذاك والذي لم يستطع حمايته رغم قوات المارينز التي أنزلها في العاصمة، فكانت حرب الجبل وانتفاضة بيروت والضاحية في 6شباط 1984، وسبقتها صلاة العيد في الملعب البلدي التي أمّها المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد، كما سبقها تشكيل جبهة الخلاص الوطني.
اما البديل من اتفاق القاهرة فكان سلسلة من المغامرات والتوترات والحروب المؤلمة التي انطلقت جميعها من فكرة بسيطة هي وحدانية المعالجة الامنية للوجود الفلسطيني في لبنان.
وبلغ الاستهتار بالوجود الفلسطيني ذروته مع ما يسمى قانون تملك الفلسطينيين في لبنان عام 2001 الذي حرمهم من حقوق يمنحها القانون لكل الاجانب حتى ولو كان بينهم إسرائيليون يحملون جنسيات اجنبية، وعلى صخرة هذا الاستهتار جرى الاستمرار في تجاهل الحقوق المدنية والاجتماعية والانسانية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، رغم ان معظم الكتل النيابية والوزارية الكبرى تعلن في كل المناسبات دعمها لهذه الحقوق دون اي ترجمة ولو بسيطة لها ما عدا أستثناء بسيط يذكر لوزير العمل السابق الدكتور طراد حمادة الذي اعطى حق العمل ببعض المهن للفلسطينيين، ودون وقفة لوزير الداخلية الاسبق بشارة مرهج الذي منع اي ممارسة قمعية بحق الفلسطينيين في المخيمات، وألغى أجراء كان معتمداً لشطب قيود فلسطينيين مسجلين في سجلات اللاجئين في لبنان إذا ثبت حصولهم على جنسية أخرى، وهي القيود الوحيدة التي تثبت فلسطينية هؤلاء وحقهم في العودة إلى بلادهم.
وهكذا غابت أي مرجعية لبنانية لمعالجة العلاقة مع الفلسطينيين في لبنان، الاّ اذا استثنينا تشكيل لجنة حوار برئاسة السفير السابق خليل مكاوي عام 1996والتي بقيت نتائج عملها متواضعة جدا ومقّيدة بألف اعتبار واعتبار رغم نوايا رئيسها السليمة.
وبالمقابل انعكست الانقسامات السياسية بين القيادات الفلسطينية، لا سيّما بعد اتفاق اوسلو عام 1993، على عدم تشكيل مرجعية فلسطينية موحدة تحاورها السلطة اللبنانية وتعالج معها المشكلات القديمة والمستجدة.
ورافق غياب هذه المرجعية الفلسطينية ضعف أي أهتمام قيادي فلسطيني جدّي بأوضاع المخيمات وسكانها، وأنحصر الأهتمام القيادي بأعضاء التنظيمات الذي اخذوا بالتناقص في العدد، والتراجع في التأثير، وانشغلوا بالتناقضات المرهقة ليس بين التنظيمات فقط، وانما داخل بعضها بحيث بات هُّم كل فريق داخل التنظيم الواحد ارباك الفريق الآخر بدلاً من الاهتمام بحاجات الشعب المتزايدة، وهكذا نشأ فراغ عمدت الى الاستفادة منه قوى متعددة، بعضها متشدد وبعضها مرتبط بأجندات غير فلسطينية.
جاءت التجربة المريرة والقاسية في مخيم نهر البارد الذي دفع سكانه ضريبة الاحداث المؤلمة في أيار 2007 مرتين، مرّة حين أُختطف المخيم بغير ارادة اهله من قبل مجموعة ارتكبت اعتداءا آثماً وغير مبرر ضد الجيش اللبناني، ومرة أخرى حين جرى التعامل مع اهل المخيم كمسؤولين عما ارتكبه من أختطف مخيمهم ضد ارادتهم.. فبقيت المعالجة الامنية مرّة أخرى هي الطريق الوحيد المعتمد، وتحول اعمار نهر البارد الى عملية بطيئة ومعقدة وظالمة ومحاصرة بالحسابات الضيقة على أنواعها.
في ظل هذا الواقع الذي أضيفت له تعقيدات محلية وفلسطينية وعربية ودولية، تعمّق لدى الفلسطينيين إحساس بحرمان وقهر وحصار امني وضيق اقتصادي مترافق مع مزايدات سياسية لبنانية تتحدث عن مخاطر التوطين دون ان تفسح في المجال للفلسطيني ان يناضل من أجل العودة، لا بل ان بعض من كان يرفع شعار التوطين علناً كان يعمل له سراً بذريعة ان تحقيق التوطين يبرر التقسيم (الذي يسعى اليه دعاة الفدرالية في لبنان) وكلاهما يرفضهما الدستور اللبناني بنصّ قاطعة.
في ظل هذا الشعور، لم ينتبه العديد من الفلسطينيين الى أن الحرمان والقهر والضيق، وحتى الحصار الأمني، ليس واقعاً خاصاً بهم، بل يشاركهم فيه العديد من اللبنانيين الذين يعيشون بالقرب منهم، ولعل ما شهده ويشهده لبنان من أزمات كهرباء وماء وصحة وتعليم وضمان صحي واجتماعي وانخفاض اجور وبطالة وهجرة لا يقّل عما يعاني منه الفلسطينيون.
اما بعض اللبنانيين المغرمين بنكء جراح الماضي مع الفلسطينيين او السوريين او حتى مع مواطنيهم اللبنانيين، فلم ينتبهوا بالمقابل الى أن الاضطراب الأمني في بلدهم ليس مرّده الفلسطينيون وحدهم، بل إن الاضطرابات المرتبطة بهم هي اقل بكثير من الاضطرابات المتواصلة التي تسّببها إثارة مستديمة لغرائز وعصبيات طائفية ومذهبية وقبلية وجهوية تفتك بوحدة لبنان واستقراره وأمنه كما لم تفتك من قبل.
على قاعدة هذا الحذر المتبادل، والذي تغذيه جهات ومخططات ومصالح، وتحرّض عليه قيادات ووسائل اعلام معينة، وفي ظل ما يعصف بلبنان والمنطقة من زلازل وأعاصير، تقّدم الاضطراب في المشهد الفلسطيني الى الواجهة، فبتنا امام مشاعر يملأها الاحتقان والغضب عند اجيال شابة من الفلسطينيين لا تفهم سبب التعامل معها بقسوة وبشكوك دائمة، كما امام سياسات حكومية وغير حكومية لا تجد غير المعالجة الامنية سبيلاً لمواجهة الاحتقان الفلسطيني.
في ظل هذا الواقع المتردي، والذي لا تتسع هذه العجالة للاحاطة بكل جوانبه وعناصره واسبابه، لا بّد من التأكيد على حقيقتين متلازمتين يمكن لهما ان يخرجا العلاقة اللبنانية – الفلسطينية من واقعها المتردي.
الحقيقة الاولى ان يدرك الفلسطينيون جميعاً، وخصوصاً أن معظم قياداتهم تدرك ذلك، بان أستقرار لبنان وأمنه وسيادته ووحدته وحكم القانون معه هو الضمان الاكبر لحياتهم وأستقرارهم وحل مشاكلهم، وأن سلوك أي درب أخر لن يجلب الاّ الخراب لهم وللبنان، ولن يزيد إلاّ الأحقاد والبغضاء بن شعب يعيش أعدل قضية في هذا العصر، وهو الشعب الفلسطيني، وشعب قدّم أغلى ما عنده انتصاراً لهذه القضية وهو الشعب اللبناني.
الحقيقة الثانية أن يدرك اللبنانيون جميعاً، والكثير من قياداتهم ، أن المعالجة الأمنية وحدها لا تستقيم في التعاطي مع الشأن الفلسطيني، وان لا بد من احترام حقوق إنسانية بسيطة لهؤلاء المقيمين ضيوفاً في لبنان ولا بد من العمل سوياً، لبنانيين وفلسطينيين، من أجل تأمين حق العودة للاجئين، وهو عمل له عدة مستويات كما علينا أن ندرك أن المقاومة في لبنان هي واحدة من أهم عوامل الضغط لتحقيق هذه العودة التي يتطلع إليها كل فلسطيني ليس في لبنان فحسب، وإنما في جهات الأرض الأربع بمن فيهم من يحمل جنسيات أغنى الدول وأرقاها، ومن يملك ثروات طائلة ، إذ لا شيء أغلى عند الفلسطيني، كما اللبناني، من أن يكون له وطن.
في ضوء هاتين الحقيقتين لا بد من مرجعية لبنانية خاصة بالشأن الفلسطيني، بكل مستوياته، وأخرى فلسطينية موحّدة لا تحصر مهمتها بالعلاقة مع السلطة اللبنانية وحدها، بل تعكف على معالجة كل جوانب المأساة الفلسطينية وتحمّل قيادات السلطة الفلسطينية، في الضفة أو غزة، مسؤولياتها التي يعيشونها، خصوصاً إن فلسطينيي لبنان، كغيرهم من فلسطينيي الشتات هم حالة نضالية تستطيع أن تحقق الكثير ممن لا تستطيع قيادات الداخل المكّبلة بألف قيد وقيد أن تحققه لا سيّما عربياً واسلامياً وعالمياً.


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر