الراصد القديم

2012/07/01

الدولة اللبنانية أمام الإمتحان الأمني الصعب




ابراهيم صالح

في يومها الأول تلقت الخطة الأمنية الرسمية ضربات متتابعة في بيروت والضاحية وصيدا على يد الفلتان الأمني المحمي سياسياً، مما بدّد الكثير من الآمال التي عقدها المواطنون المكتوون من الفلتان المستشري والضارب في أكثر من منطقة ومحافظة، على أن تعيد هذه الخطة الاستقرار وترسّخ الأمن والاطمئنان اللذين اهتّزا منذ أشهر. وطرح هذا الواقع تساؤلات وشكوكاً حول قدرة الدولة وأجهزتها على استعادة هيبة الأمن "المضروبة"، واستنقاذ دورها المفقود والذي خلّف إحتقاناً على كل المستويات. فبعد ساعات معدودات على "الافتتاح الرسمي" للشهر الأمني في محلة المشرفية في الضاحية الجنوبية، وبعد "تطبيّل وتزمير" سبقا هذه الخطة، و التهليل للإيجابيات التي ستجنيها وتعود بها وخصوصاً أن القرار بالتنفيذ والتطبيق حازم، والإجراء جازم، ولن يكون هناك أي ثغر أو بؤر أو محمية، كانت طريق مطار بيروت الدولي تشتعل بالإطارات المحترقة احتجاجاً على استمرار اعتقال وسيم علاء الدين، أحد الذين شاركوا في الهجوم على مبنى "تلفزيون الجديد" في محلة وطى المصيطبة الإثنين الماضي. وانتقلت عملية حرق الإطارات الى بعض شوارع العاصمة، وما لبث المدخل الشمالي لصيدا، عاصمة الجنوب، أن التهب أيضاً بالإطارات المشتعلة على يد جماعة الشيخ أحمد الأسير الذين خطر على بالهم الآن أن يعترضوا على ما يسمونه "السلاح غير الشرعي".
ظواهر توسّل الشارع واللجوء إليه للاعتراض على شيء أو المطالبة بمطلب ما، ليست جديدة على المشهد اللبناني، فهو بات خياراً وملجأً ومكاناً لعرض العضلات منذ أشهر، وتحديداً منذ أن قررت الحكومة طوعاً أو قسراً أن تنكفىء عن القيام بمهماتها الأساسية وهي إدارة شؤون البلاد وبحث مطالب العباد.
لكن الثابت أن الذين نزلوا الى الشارع بعد ظهر يوم بدء الخطة الأمنية، سواءً في بيروت وضواحيها أو في صيدا ومداخلها، إنما كانوا يتقصدّون هذا اليوم عامدين متعمدين أن يوجّهوا رسالة جلية الى الدولة وتحديداً الحكومة مفادها أنه صار محّرماً عليها استعادة الشارع من قبضة الزعران الذين يبدو أنهم استمرأوا اللعبة وأستطيبوا أداء هذا الدور الذي إبتدأوا بأدائه ولعبه أصلاً، إنفاذاً لرغبة زعامات وقوى سياسية تتوزع على ضفتي المولاة والمعارضة، وبحماية مباشرة من هذه الزعامات والقوى، حتى أضحت لعبة الشارع، والنيل من هيبة الأمن، اختزالاً للعبة عضّ الأصابع بين السياسيين أنفسهم، لا بل أن ثمة قوى كانت تتمنى وتعمل بكل قواها لكي يبقى الفلتان مستشرياّ في بعض المناطق، لا لشيء إلا لكي تتهم القوى النافذة في هذه المناطق بأنها تنّفذ سياسة "الدولة ضمن الدولة"، وبمعنى آخر، ثمة قوى وزعامات نفخت الى أقصى حدود النفخ بسياسة التحريض الطائفي والمذهبي، وهناك قوى وزعامات حمت أصلاً ظاهرة فلتان الوضع بدءاً من الشمال، وسهّلت الى أقصى الحدود تغييب الدولة وأجهزتها الأمنية عن مناطق في تلك المحافظة، وهناك قوى وزعامات نقلت بسياراتها الرسمية مشبوهين ومطلوبين ومتهمين بالتعامل الى بيوتهم، فقط لغايات انتخابية ولكي "تنافس" خصومها السياسيين ولو على حساب هيبة الدولة والأمن.
واستطراداً، ثمّة خطيئة أصلاً هي خطيئة استضعاف الحكومة لنفسها، وتالياً لترك حبل الأمور على غاربه، وترك المطالب والمشاكل تتراكم من دون حلول ناجعة وجذرية، فكانت الظواهر الأخيرة نتيجة من نتائج هذه الخطيئة، أو أنها النبتة التي نمت وكبرت في بيئة حاضنة هي بيئة التسيّب، والعزوف عن المعالجة، والتهاون مع العابثين بالأمن والمخلّين بالقانون، حتى بلغت الأوضاع "الدرك الأسفل" من الاهتراء والعجز والقصور عن الفعل والاستدراك.
واللافت أن الحكومة الحالية، وبعد أن تغرق في الخلافات بين مكوّناتها إلى أقصى الحدود، تتنّبه الى خطورة ما بلغته الأوضاع، فتشرّع في لعبة إعلامية فحواها أنها قررّت أخيراً حزم أمرها، وإعادة بعث الروح في ذاتها، وأنها عازمة على تزخيم أدائها ونفض ما تراكم عليها من صورة عجز وقصور.
لذا، ثمّة من نظر الى الخطة الأمنية الأخيرة على أنها جزء من محاولة استنقاذ متأخرة ومحاصرة بالشكوك لهيبة الحكومة المهدورة، وأنها قد تكون جزءاً من التجارب الممائلة السابقة لرفع العتب ليس إلا، وذلك لاعتبارات عدّة أبرزها:
- أن الأمن ليس موسمياً بل هو خطة مستدامة لها شروطها وظروفها المساعدة.
- إن أي سعي حقيقي الى فرض الحالة الأمنية المثالية والتي من شأنها إقناع الناس بها، تحتاج الى مقوّمات بشرية وإدارية أكبر خصوصاً من الأجهزة الأمنية المعنية التي وصمت بفعل التجارب بسمة التقصير والعجز.
- وأولاً وأخيراً هل ستتعاون قوى المعارضة وتكفّ عن نهج اصطياد الأخطاء وتضخيمها؟
ولا بد لأي مراقب من أن يسأل استهلالاً هل فعلاً اتخذ السياسيون قرارهم الحازم بعدم استخدام الشارع لأهدافهم المعلنة والمضمّرة؟

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر