الراصد القديم

2012/07/30

أزمة مياومي الكهرباء بين "المياومة" في التحالفات و"الكهربة" في العلاقات




معن بشور

كشف الانقسام السياسي الحاد، والاصطفاف الطائفي المرافق له أثر إقرار قانون تثبيت المياومين في مؤسسة كهرباء لبنان كم هو هش المشهد السياسي اللبناني الذي استعار من مياومي الكهرباء "مياومة" التحالفات السياسية و"كهربة" الحياة السياسية.
لقد "نجح" المياومون مثلاً في تحقيق "مصالحة" سياسية بين قوى عجزت عن تحقيقها مرجعية "بكركي" على مدى سنوات، فيما نجحوا في المقابل في إعادة مد الجسور بين قوى سياسية أخرى أحتل الخلاف الحاد بينها واجهة الحياة الشعبية والسياسية لفترة طويلة وعلى نحو كاد أن يهّدد وحدة المجتمع بشرور مستطيرة لم يزل دخانها يغطي سماء العديد من المدن والمناطق اللبنانية.
من البديهي أن يقر اللبنانيون بحق كل فريق سياسي باتخاذ الموقف الذي يراه من أي قضية مطروحة، بل من الأفضل أن تكون العلاقات السياسية متحّررة من فكرة التطابق الكامل، وهي فكرة شمولية في جوهرها، وأن تعبّر بالتالي عن تنوّع حقيقي في المشهد اللبناني، لكن الخطير في هذا الذي شهدناه مع مطلع الأسبوع هو في هشاشة "تطابق" سياسي كان يفرض يوماً على الجميع الانضواء تحت تفاصيله أيّاَ كانت، كما هو في سهولة الانزلاق نحو اصطفاف طائفي اعتقدنا انه تراجع، ربما بسبب تقدم مشهد الإثارة المذهبية، حين اختار الممثلون السياسيون لكل عصبية مذهبية حلفاءهم من الطوائف الأخرى، فبتنا نرى تحالفات عابرة للطوائف والمناطق، ربما كان ذلك هو الجانب الايجابي الوحيد لما كان يسمى بثنائية 8 و 14 آذار..
على كل حال ليست أزمة مياومي الكهرباء هي الأزمة الوحيدة التي تحّتل المسرح السياسي والأمني والأقتصادي والأجتماعي في البلاد، بل أن كل صباح يحمل معه أمراً جديداً سواء كان تفجراً أمنياً، أو غضبة شعبية، أو اعتصام اجتماعي، أو عنترية إعلامية أو.. أو.. أو,,, مما يدفع المرء إلى التساؤل عن مدى أهلية الطبقة السياسية المتنفذة، بكل أجنحتها، عن قيادة البلاد نفسها، بل عن مدى جدارة الدولة برمتها، بتكويناتها وبناها وأجهزتها، بصون الوطن وحماية المواطن...
طبعاً المواطن اللبناني يرتاح إلى كل تقارب بين أطراف سياسية لبنانية لا سيّما في الظروف الدقيقة التي تعيشها البلاد. لكن السؤال الذي يبقى أجدى من تكرار انتقاد الطبقة السياسية المتنفذة، والطائفية السياسية البغيضة، والمذهبية الغرائزية المدمرة، أين هي قوى التغيير الحقيقية في المجتمع، أين هو الخيار المستقل عن هذه الخيارات المسدودة الأفق...
وإذا كان ما جرى حول قانون تثبيت المياومين من صراعات قد كشف كم هي الحاجة إلى إجراءات "لتثبيت" وطن محصن، ودولة عادلة، ومجتمع متحرر، من الغرائز، فانه قد كشف أيضاً كم هي الحاجة إلى تواصل حقيقي بين قوى التغيير الفاعلة في الوطن التي وان بدا حجمها اليوم محدوداً، فان التوق الشعبي إلى رؤيتها فاعلة مؤثرة هو توق غير محدود... خصوصاًَ حين تنتصر هذه القوى على (الذاتية المتضخمة) والشخصانية المعرقلة لأي جهد وحدوي..
لقد جرّبت هذه القوى حراكاً تحت شعار "الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي"، وأخذت المسيرات تتسع ومؤيدوها يتزايدون، إلى أن تمّ إجهاض هذا التحرك لأسباب متعددة لا مجال للتوغل فيها الآن، بدلاً من أن يكون هذا التحرك تأسيساً لحركة تغيير حقيقية عابرة للطوائف والمذاهب والعصبيات الضيقة، تنطلق من تلازم بين الحرية والوحدة الوطنية والعروبة والمقاومة.
فهل تسعى قوى التغيير اليوم إلى بلورة حركة للتواصل بينها على طريق ما يمكن تسميته" بالخيار الآخر"، خيار خارج العصبيات المدمرة لوحدة المجتمع والوطن، والمعرقلة لأي إصلاح أو تطوير حقيقي، والمرهقة لمقاومة تمثّل شرف الوطن وكرامة الأمة.
فالإصلاح لا يأتي عن طريق الاصطفاف الطائفي والمذهبي، والتطوير إما أن يكون وطنياً شاملاً أو لا يكون...
هذه ابرز دروس قضية "المياومين، في مؤسسة كهرباء لبنان... فهل نقرأها جيداً..


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر