الراصد القديم

2012/07/01

كنت ناصرياً ...





محمد رؤية ناظم



عشت حقبة الناصرية المتألقة وانتصاراتها التاريخية والإنسانية الساحقة في
خمسينيات وستينيات القرن الماضي، عشت توزيع الأراضي على الفلاحين المعدمين
أصحاب الأرض الحقيقيين، وعشت بناء ألف مصنع يديرها العمال والفنيون والمهندسون،
وعشت مجانية التعليم ووصول أبناء الفقراء لكليات الطب والهندسة، ورأيت بأم عيني
أبناء الفقراء والبسطاء والكادحين وهم ضباط بالقوات المسلحة والشرطة، وهو ما
كان حكراً على أبناء "الذوات" وكبار الملاك وأبناء "الباشاوات والبكوات"، ورأيت
تأميم قناة السويس، وتمصير البنوك، وبناء اقتصاد وطني قوي يعتمد على إنتاج
متكامل للقطاع العام والقطاع الخاص الذي يديره رأسمال وطني غير مستغل، وقطاع
تعاوني يسد الفجوة بين القطاعين العام والخاص، عشت تلك الحقبة العظيمة ورأيت ـ
بأم عيني أ المصريين يرفعون هاماتهم حتى عنان السماء، ويزهون بوطنهم وعروبتهم،
ورأيت جيش مصر العظيم وهو يدخل التاريخ من أوسع أبوابه عبر حرب الاستنزاف وبناء
حائط الصواريخ، وقبلها معركة تنويع مصادر السلاح، والكثير الكثير مما كان يفوق
الوصف من معارك الداخل والخارج، وفي مقدمتها بناء منظمة الوحدة الإفريقية،
وتأسيس حركة عدم الانحياز التي شكلت ثقلاً عالمياً بين الشرق والغرب، ورأيت عبد
الناصر وقادة العالم ينحنون أمامه ويستقبلونه في الجمعية العامة للأمم المتحدة
بالتصفيق لأكثر من عشر دقائق متواصلة، وهو ما لم يحدث مع زعيم قبله أو بعده في
العالم، ولم تتوقف الناصرية عند حدود وثائقها النظرية، الميثاق وبيان 30 مارس
وغيرها من الوثائق السياسية للتنظيم السياسي في الاتحاد الاشتراكي والتنظيم
الطليعي فحسب، ولكنها تعدتها إلى رصيد ضخم من مواقف القيادة التاريخية من كافة
القضايا المحلية والإقليمية والعالمية، ورصيد آخر من الإنجازات التي حملت في
طياتها الحلول العادلة لمشكلات شعب مصر، وبلورت في مجموعها قدرة القائد والشعب
على مواجهة التحديات التي ألمت بمسيرة شعب مصر على مدى ثمانية عشر عاماً هي عمر
ثورة يوليو المجيدة لا غير، ورغم النكسة التي محت آثارها زحوف الشعب العربي من
المحيط إلى الخليج في التاسع والعاشر من يونيو، ورغم الحروب الشرسة التي فرضت
على مصر وشعبها البطل من قبل الإمبريالية والصهيونية العالمية واليمين العربي
الرجعي، إلا أن البطل القومي الراحل جمال عبد الناصر استطاع ـ بتحالف قوى الشعب
العامل ـ إنجاز المشروع الوطني المصري في بناء مجتمع المساواة وتكافؤ الفرص،
وأرسى قواعد العدل الاجتماعي ممثلة في الكفاية والديمقراطية الاجتماعية، وبكل
المقاييس، استطاع أن يقدم للفكر الإنساني، وللعالم، نموذجاً عملت عليه حركة
التحرر العربي والإفريقي والعالمي، وكان قدوة لشعوب العالم وقادته الأحرار،
وكلنا يذكر بفخر قولة كاسترو الشهيرة، وكلمات نيلسون مانديلا التي سجلها
التاريخ لناصر العظيم، وكلنا سمعنا الكثير من القادة في شرق العالم وغربه وهم
يعددون مآثر الراحل العظيم، ولهذا عاشت الناصرية في عقلي ووجداني عقيدةً أثق في
إنسانيتها، و منهجاً أثق في عدالته، ونموذجاً أدافع عنه، ولهذا كنت ناصرياً.

وما أن رحل القائد حتى خلعت مصر ثوبها التاريخي، وتغيّر نبضها، وأفسد مسيرتها
الانفتاح الاقتصادي الذي فرض انفتاحا سياسياً أودى إلى تاريخ عفن، وتغيّرت
موازين القوى ليعود الصولجان إلى الإقطاعيين والرأسماليين، وتغير النهج
والمنهج، وتوالت الانتكاسات حتى أضحت نكبات، وأصبح الفساد هو الأصل، وتم تسليم
شعب مصر لأعدائه التاريخيين عبر مسيرة مشينة لحفنة ضالة من المأجورين والخونة
الذين باعوا مصر، إرادة وشعباً.

أربعون عاماً من الذل والهوان عاشها شعب مصر العظيم صابراً محتسباً، تم فيها
تجريف ثرواته ومخزونه الثقافي ورصيده التاريخي لحساب قلة لا ضمير لها ولا خلاق،
وعشت في غربة عاشها شعب مصر بأكمله، أتطلع ويتطلع معنا شعبنا العربي العظيم
للناصريين الذين يحملون ـ تاريخيا ـ الحلم التاريخي، ويقع على عاتقهم ـ
تاريخياً أيضاً ـ مسؤولية تحقيق مجتمع الحرية والعدالة الاجتماعية، عشنا نبحث
عن الحرية والاشتراكية والوحدة، ولكن هيهات هيهات..

ضاع الناصريون الحزبيون في خضم صراع السلطة، بحثاً عن زعامات ترفّع عنها الزعيم
جمال عبد الناصر ذاته، وتاهوا في دهاليز السياسات الحزبية التي ليست من أبجدية
الناصرية، وزحفوا على بطونهم ينقبون أو يتسوّلون في الأرض العربية، وهي مهام لم
تكن يوماً من أولويات الثوار ولا المكافحين ولا الحالمين بتخليص الشعوب من
معاناتها، وأصبحت الناصرية في المشهد السياسي المصري ترتبط ارتباطا وثيقاً
بالارتزاق والتطفل ودق الأبواب، وسجلنا عبر أربعة عقود أحط المواقف للكثيرين من
أدعياء الناصرية، فقد كانت أيديهم هي السفلي في أقذر عمليات ارتزاق تحت ستار
الناصرية.

وعندما بزغ فجر ثورة يناير التاريخية التي أعادت لمصر وجهها الحضاري الناصع
البياض، وأعادت لشعبنا العربي أمله الذي تواصل عبر أربعة عقود خلت في عودة مصر
لدورها التاريخي في قيادة أمتها العربية للخروج من نفق الهيمنة الإمبريالية
والصهيونية، ولتستعيد الأمة بمصر تواصلها مع العالم على أساس حضاري وأخلاقي دون
تبعية أو تخلف أو تطفل، ما أن بزغ فجر ثورة الخامس والعشرين من يناير وجماهيرها
ترفع شعاراً تاريخياً عن " العيش والحرية والكرامة الإنسانية " حتى تأكدت أن
روح الراحل العظيم جمال عبد الناصر حاضرة ترفرف على ميدان التحرير، فهذه
المطالب كانت جوهر نضاله من أجل شعب مصر، وقد نجح في تحقيقها، وإذا كان القدر
لم يسعفه لتكملة المشوار، وإرساء النموذج وركائزه وأعمدته التي تمنع سقوطه،
وإذا كان الحلم قد سرقه الأفاقون والعملاء والخونة الذين باعوا شعب مصر، فقد
عادت روح الراحل التي عاشت في تراب مصر وإرادة شعبها لتحقيق الحلم، عادت روح
الراحل الكريم ولكنها لشديد الأسف ـ والمرارة ـ لم تجد لها سنداً من "
الناصريين " الذين تاهوا في غياهب المصالح وتشرذموا في أحزاب هلامية ليس لها
جذور فى أعماق شعب مصر، عادت روح الراحل الكريم واكتشفنا أن الناصريين خذلوا
شعب مصر في أعز أمانيه .. وخذلوا عبد الناصر.

وتستمر المأساة لنكتشف جميعاً أن المرحلة الانتقالية التي دامت لعام ونصف،
والتي فرضت على الأحزاب أن تلملم أطرافها لتبدو وكأنها أجسام في الساحة
السياسية، لم تستفد منها تلك القيادات الحزبية " الناصرية " التي تركت القاعدة
وراحت تلهث وراء تحالفات مع قوى سياسية هي بالأساس لا تقوى على الوقوف على
أقدامها، وقد انبرى البعض للمتاجرة بشعارات ناصرية في أحضان تنظيمات كانت تتسم
علاقتها بالناصرية بعداء تاريخي تشوبه صدامات مسلحة، وهو ما أفرغ هذه التحالفات
من مضمونها السياسي، وقذف بها إلى خانة الولاء أو العمالة، وأدخلها في دروب
الربا أو التجارة المحرّمة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد حمل المشهد السياسي " للناصريين " مواقف يندى
لها الجبين، أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها انهيار لما تبقى منهم من إرادة، حتى
لو كانت من قبيل حفظ ماء الوجه، وقد شهدت انتخابات مجلسي الشعب والشورى ما يعبر
عن سقوط حقيقي لتلك القوى التي قادت الحركة الناصرية على مدى العقود الأربعة
الماضية، وجاءت الانتخابات الرئاسية لتحمل مأساة الناصرية و"الناصريين " إلى
واجهة الأحداث، فقد أبرزت مواقف مخزية لبعض من يسمّون بـ " رموز" الناصرية، ففي
حين أقدم أحدهم على خوض الانتخابات كناصري، فقد أعلن تخليه عن النموذج، وأخذ من
الناصرية شعارات أطلقها لجلب الأصوات، وترك ما يعتقد أنه يبعد به عن مجرى
تحالفاته السابقة، ولم نفهم كيف يكون الإنسان ناصريا دون النموذج..؟!! وهل يمكن
أن يكون السياسي يسارياً أو اشتراكياً على النموذج الرأسمالي، أو فلنقل إنها
إبداعات الناصريين الجدد..!! والحقيقة أن الأمر لا يعدو أن يكون رقصاً على
أطراف الأصابع " الباليه " في أرخص "الكباريهات".

ولعل الأنكى والأمر أن " الناصريين " انقسموا في غير منهجية بين مرشحي جولة
الإعادة الرئاسية.. فمنهم من نسى الناصرية ومنهم من نسى عبد الناصر ذاته، ومنهم
من لعق الدماء التي تجري في عروقه، ومنهم من قطع الرحم، ومنهم من استثمر جهده
في رحلات مكوكية بين الحملتين، ومنهم من نسى مصر ذاتها وسارع أكثرهم بدعم مرشح
النظام السابق، ومن صنّفه الشارع المصري بأنه من " الفلول "، وهانت عليهم دماء
الشهداء، وفكوا أي ارتباط لهم بالثورة، وبالإنسانية ذاتها.

وأحسست بالمرارة التي يحس بها الشباب الناصري، وقد افتقدوا النموذج، لقد
اعتنقوا الناصرية وهم لم يعايشوا عبد الناصر إلا من خلال تاريخه وإنجازاته،
وأحبوا عبد الناصر ولم يستفيدوا من إنجازاته التي امتصها الظالمون والسماسرة
وتجار كل جيل ومنهج، أحسست بآلامهم وهم يرون الساحة مليئة بالأدعياء والنصابين
الذين نصبوا من أنفسهم أوصياء على الناصرية وعبد الناصر للارتزاق، فالناصرية
عندهم مهنة، وهم على كل الموائد، وفي كل المؤتمرات، وعلى رأس كل الاجتماعات، مع
الراسخين، ومع المنشقين، ومع المرتدين، ومع المرشحين، ومع المعارضين، إنهم في
كل الجبهات، إنهم قدر الناصرية والناصريين، والناصرية منهم براء، وعبد الناصر
منهم براء..!!

كنت ناصرياً أعيش الحلم الوردي بعودة عبد الناصر وبناء النموذج التاريخي،
للعمال والفلاحين، للكادحين الذين توحشت عليهم الرأسمالية وأكلهم الرأسماليون،
وتوغل فيهم الجوع والفقر والمرض، للشباب المتعطشين للعمل لخدمة وطنهم وعيش
كريم، للمرضي الذين يفقدون كل يوم جزءاً من أملهم في عودتهم إلى الحياة أصحاء
معافين، للأيتام والأرامل والعجزة والشيوخ الذين أدى كل منهم دوره وخرج دون
تأمين حياته لسبب خارج عن إرادته، لشعب كامل فقد توازنه دون ذنب جناه، إلا أنه
أسلم نفسه وأقداره لمن لا خلاق لهم ولا دين.

كنت ناصرياً أحمل بين جنبيّ حلماً عريضاً أعتقد اليوم جازماً أن المسافة بيني
وبينه قد اتسعت، وتباعدت، فليس هناك أرضية حقيقية في مصر لما يمكن أن نقول عنه
أنه الناصرية، ولم يعد الأمل معلقاً بإرادتي، ولا بتاريخي، ولا بمصداقيتي، فقد
باع الناصريون أرضهم بثمن بخس، وقطعوا صلاتهم الأساسية بالجماهير الشعبية،
وأصبح البناء مكلفاً، ومرهوناً بإرادة وصلابة هؤلاء الشباب الواعين من الطلائع
الحرّة الأبية التي أثق ـ ثقة عمياء ـ أنها قادرة على إعادة الأمر إلى نصابه،
بعودتها إلى القواعد الشعبية لتنظيم حركتها بعيداً عن تلك الأحزاب الورقية التي
فقدت حتى قانونيتها من خلال تأخرها عن استكمال بناءاتها وفقاً للوائحها
والقانون المنظم للعمل الحزبي، إنها صدمة مروّعة، ومأساة بعمق التاريخ..

لقد كنت لأكثر من خمسين عاماً ناصرياً، ودفعت ثمناً غالياً لأحافظ على قناعاتي،
ورغم الهزيمة المريرة التي ابتليت بها، وابتليت بها الناصرية، ولإيماني الشديد
بأن الإشكالية في "الناصريين " وليس في الناصرية، سأظل أقاوم الردّة والانفلات
المنهجي والسمسرة والارتزاق والوصولية، وسأطل ناصرياً .. وسأموت ناصرياً..



0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر