الراصد القديم

2012/07/30

عبد الناصر وابن بيلا·· رفاق كفاح





د· هدى جمال عبد الناصر

بن بيلا·· اسم اقترن بثورة الجزائر التي بدأت في عام1954، لقد شب جيلي على أحداثها وعايشنا أيامها ونحن طلبة؛ وكان كل ذلك يناقش في المدارس· ونظرا لوحشية صراعها، كنا كشباب في مقتبل العمر نتأثر كثيرا بتضحيات الجزائريين، ونعتبرها رمزا للمقاومة العربية للاستعمار، وحقا مازال كل ذلك يعيش في وجداننا· وأتذكر في أول زيارة لي الى الجزائر منذ نحو عشر سنوات، طلبت أن أذهب إلي حي القصبة؛ الذي شهد المطاردات العنيفة بين رجال الجيش الفرنسي وفدائيي الثورة الجزائرية· وفور وصولي الى ذلك الحي ذي المكانة الغالية في قلبي، شعرت كأني كنت هناك من قبل، أراقب الفدائيين الجزائريين، وهم يقفزون من سطح مبني الى آخر هربا من المستعمر؛ فالأسوار ملتصقة أو قريبة من بعض، كما تصورتها تماما·
إن قصة كفاح بن بيلا هي مسيرة نضال متفردة، فقد ولد في مدينة مغنية غرب الجزائر، وقد دعاني لزيارة المنزل الذي نشأ به عندما كنت في الجزائر، في الاحتفال بذكري الثورة منذ ثماني سنوات، دار بسيطة؛ ككل منازل الزعماء الوطنيين العظماء· وقد اقتربت من بن بيلا كثيرا منذ هذا الوقت، ودعوته الى القاهرة، والى منزلنا في فايد· ولا أنكر أن تلك الحميمية كانت تذكرني دائما بوالدي؛ فهما زملاء في الكفاح من أجل الوطن، والوطنيون والمكافحون لهم سمات مشتركة في الشخصية؛ تواضع في قوة·
وإذ أرجع الى الخلف، أجد أن كلا منهما بن بيلا وجمال عبد الناصر، قد رأى النور في أثناء الحرب العالمية الأولى وقرب نهايتها، الأول في1916، وجمال في1918، أي مع حركة التحرر الوطني في بلادنا العربية قرب نهاية الحرب·
وفي الوقت الذي شارك فيه جمال عبد الناصر وهو في السابعة عشرة من عمره في ثورة 1935، التي نادت بعودة الدستور وبالاستقلال، انضم بن بيلا بعدها بعشر سنوات الى الحركة الوطنية الجزائرية؛ باشتراكه في حزب الشعب الجزائري، وحركة انتصار الديمقراطية·
وفي نفس الفترة التي كان جمال عبد الناصر يتخذ فيها الخطوات الجدية في حركة الضباط الأحرار؛ التي نشطت بعد حرب فلسطين، ألقي القبض على بن بيلا في بلده، وحكم عليه بالسجن سبع سنوات، ثم هرب في1952 الى القاهرة؛ ليلحق بحسين آية أحمد ومحمد خيضر، وكون فيما بعد الوفد الخارجي لجبهة التحرير الوطني·
إذن·· لقد كان من الطبيعي والمنطقي أن تساند مصر الثورة·· ثورة23 يوليو جبهة التحرير الوطني الجزائرية، معنويا وماديا بالأسلحة وبالتمويل؛ فكلا الزعيمين عبد الناصر وبن بيلا لهما نفس الأهداف؛ التحرر الكامل ونصرة القومية العربية·
ولقد بلغت قمة الدراما في الثورة الجزائرية، عندما قبض على بن بيلا في عام 1956، خلال عملية قرصنة جوية؛ نفذها الطيران العسكري الفرنسي ضد الطائرة التي كانت تنقله من المغرب الى تونس، وكان بصحبته أربعة من قادة جبهة التحرير الوطني· أعقب ذلك اقتياده الى سجن فرنسي داخل الجزائر، وظل معتقلا الى موعد الاستقلال في5 يوليو/تموز1962، إلا أن خلافا وقع بين بن بيلا وبين الحكومة الجزائرية المؤقتة برئاسة بن خده؛ كاد يعصف بالجزائر المستقلة، وفورا قطع جمال عبد الناصر خطابا كان معدا في أعضاء المؤتمر الوطني للقوي الشعبية في3 يوليو/ تموز 1962، ووجه رسالة للجزائر في يوم انتصار شعب الجزائر· وبعد أن استعرض جمال تاريخ السيطرة الاستعمارية الفرنسية للجزائر منذ1830، والتضحية التي قدمها شعب الجزائر شعب المليون شهيد ذكر الجزائريين أن علم الاستقلال الجزائري الذي يرتفع اليوم فوق التراب الجزائري كان من أعز أحلامنا·· أحلام الأمة العربية كلها، ومن فخرنا ومن حظنا أننا عشنا لنرى هذا اليوم·
وأعرب جمال عبد الناصر عن قلقه من التطورات التي تحدث في الجزائر، فيبدو الآن خلافا يهدد الوحدة الوطنية للجزائر، وهي الوحدة التي يحتاجها نضال الجزائر هذه الساعات أكثر مما يحتاج الى شيء آخر· لقد اتضح هذا الخلاف بصورة جلية من قرار الحكومة الجزائرية؛ بعزل قادة جيش التحرير الجزائري، وقد وافق بن بيلا على هذا القرار·
ويستطرد جمال عبد الناصر قائلا: ولأول مرة واجهت أزمة الحيرة عندما علمت بهذه الخلافات··· إنني أعرف الرئيس بن خده وأعرف أعضاء حكومته جميعا··· ومن ناحية أخرى فإني أعرف الزعيم بن بيلا ورفاقه، وأعرف خدماته للمعركة التي خاضها الشعب الجزائري، وأعرف تضحياته، وأعرف عزمه وتصميمه· ولست أتصور مهرجانا للنصر لا يتقدمه كل من قاتل في جيش التحرير، وقادة جيش التحرير الوطني الجزائري؛ الذين تحملوا عبء الكفاح المسلح سنوات طويلة·
ومضى جمال عبد الناصر موجها نداء لزعماء الجزائر؛ أن يحتفظوا بوحدة الثورة الجزائرية، منبها·· أن أي خطر يهدد وحدة الثورة الجزائرية يفتح بابا جديدا للتدخل الاستعماري، ويمكن لسلطاته أن تتلاعب بمقدرات الشعب الجزائري، وتعصف باستقلاله الذي دفع هذا الشعب البطل ثمنه غاليا·
وأكد جمال عبد الناصر أن ثورة الجزائر ملك للأمة العربية، وأن أيام النضال في الجزائر ترتبط بأغلي الذكريات؛ فأول شحنة من الأسلحة وصلت الى الجزائر قبل بدء الثورة في1954، قامت من الإسكندرية على اليخت فخر البحار، واتجهت الى الجزائر، والتقى رجال فخر البحار برجال الثورة الجزائرية قبل أن تعلن! وتوالت الشحنات حتى قبضت فرنسا في1956 على السفينة أتوس، وفيها شحنة من السلاح، وصادرت السفينة، وحاكمت طاقمها·
وأوضح جمال عبد الناصر في رسالته المسموعة على الهواء؛ أنه يتذكر كيف قابل لأول مرة بن بيلا في1954، قبل ثورة الجزائر، عندما كان لاجئا في مصر، وكيف استمع الى آماله وتخيله لجهاده في المستقبل·
وتذكر جمال عبد الناصر كيف قابل الرئيس بن خده وقادة الثورة الجزائرية واستمع الى آمالهم في المستقبل، وخاطبهم قائلا: إن سلاحكم الرئيسي هو الوحدة الوطنية· وإن الاستعمار الذي فشل في أن يقضي على ثورتكم بطائراته ودباباته وبجيوشه800000 جندي سيحاول بالدس والتفرقة أن يفرق بينكم·
وعقب جمال عبد الناصر قائلا: بالنسبة لنا لم يكن هناك جهد قصرنا فيه· إن النضال العربي كله من أجل الحرية خلال السنوات الأخيرة كان يمكن تلخيصه في كلمتين؛ فلسطين والجزائر·· هما قضية التحرير العربي الواحد·
حينما بدأنا نساعد الجزائر ونساندها، بدأت فرنسا تساعد اسرائيل وتسلحها· وفي سنة1956 اشتركت فرنسا في العدوان على مصر، وقال رئيس وزرائها: إن السبب هو مساندتنا لثورة الجزائر·· ماذا كان بيننا وبين فرنسا؟!··· وزير حربية فرنسا في ذلك الوقت بيرجس مانولي في وزارة جي موليه، كان يقول بالحرف الواحد: إننا نريد أن نخضع الجزائر عن طريق القاهرة! إن فرقة المظلات التي نزلت في بورفؤاد كان يقودها الجنرال ماسو، قائد معسكرات الاعتقال الرهيبة في الجزائر، وقائد المظليين الفرنسيين في الجزائر··· كانت المعركة واحدة ضد نفس العدو· الجيش السري في الجزائر الذي كان يدربه؛ أعضاء عصابات الأرجون الاسرائيلية الذين ذهبوا الى الجزائر من اسرائيل···
إن النصر في الجزائر، وحرية الشعب الجزائري··· كل هذا كان نصرا عربيا لكل الأمة العربية، ولكل الشعب العربي، ولكل فرد خرج يساند ثورة الجزائر·
إن وحدة الثورة الجزائرية ليست ضرورية الآن فقط لحرية شعب الجزائر، ولكنها أكثر ضرورة للنضال العربي الشامل من أجل الحرية، ضرورية لقضية العرب الأولى؛ وهي فلسطين·
وفي15 سبتمبر/ايلول1963 انتخب بن بيلا كأول رئيس للجمهورية، وزار جمال عبد الناصر الجزائر المستقلة، وكان استقبالا أسطوريا خاطب فيه الجزائريين مباشرة قائلا: لقد كنا نحلم أن نرى الجزائر العربية، وقد رأينا اليوم الجزائر العربية، وشعب الجزائر الثائر· أشكر الله من كل قلبي الذي مكنني من أن أعيش هذا اليوم·
وقال، واصفا بن بيلا عند اصطحابه له في استقبال القوات العائدة من اليمن الى مصر في20 مايو/ايار 1963 إنه عربي أصيل··· ثائر·· يعرف معنى الثورة ويتفاعل مع الثوريين، مقاتل·· مارس الحرب، ويعرف عمق تجربة النضال المسلح، منتصر·· ضرب مثلا رائعا في صبره وصموده؛ حتى أدرك النصر العزيز بكل معانيه، وبكل ما يرمز له، نموذج عظيم للإنسان الجزائري الجدير بالإنسان العربي، الجدير بآماله السياسية والاجتماعية·
وفي 19 يونيو/ حزيران 1965 وفي أثناء التحضير لمؤتمر عدم الانحياز بالعاصمة الجزائرية، قام انقلاب عسكري على بن بيلا؛ بقيادة هواري بومدين وزير الدفاع الذي كان يعتبر أن بن بيلا خرج على خط الثورة الجزائرية، واستأثر بالسلطة· وغداة الانقلاب، نقل بن بيلا الى فيلا معزولة في الجزائر، ولم تسفر تدخلات جمال عبد الناصر الشخصية عن إطلاق سراحه·
لقد استمرت فترة اعتقال بن بيلا15 عاما، وعندما وصل الشاذلي بن جديد الى السلطة في1980، أصدر عفوا عنه·
وبالأمس القريب رحل بن بيلا عن عالمنا·· مكافحا صلبا لا يلين، مؤمنا بحرية الجزائر وعروبتها، قاوم الفرنكفونية، واستدعي الآلاف من المدرسين المصريين لنشر اللغة العربية والفكر العربي في الجزائر·
وكان آخر ما صرح به·· أنا وفيّ لفكر جمال عبد الناصر؛ لأنني أعتبره رجلا عظيما ساهم في دعم الثورة الجزائرية، أكثر من أي شخص آخر في الوطن العربي· لقد كان جمال عبد الناصر يمثل الوفاء للثورة الجزائرية في مختلف مراحلها، والجزائريون مدينون لهذا الرجل، وأظن أن خروج الشعب الجزائري الى الشارع يوم وفاته، كان دليلا على وجوده في وجدانهم وضمائرهم·


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر