الراصد القديم

2012/07/04

مصر في انتظار المنقذ




فهد الريماوي

يوماً بعد يوم، تغوص مصر في وحل الفوضى، وتضرب على غير هدى في فيافي التيه والضياع، وتندفع بخطى حثيثة في دروب الحيرة والتفكك والانقسام الطولي والعرضي المتعدد المراحل والمستويات·
مصر - الدولة والشعب والجيش والوطن تقف هذا الاوان في عين العاصفة، وقلب الخطر، وسويداء المأزق الذي يأخذ بخناقها، ويكتم انفاسها، ويعشي بصرها وبصيرتها، ويشوش قرارها وخيارها، ويحول دون التماس الحكمة، وايجاد المخرج، وادراك الصواب·
في مصر، وقبلها في عدة اقطار عربية اخرى، غامت الرؤية، ووهنت الارادة، وضاعت البوصلة، وتخلخلت الوحدة الوطنية، وغابت القواسم المشتركة، وسقطت هيبة الدولة وسلطة القانون، واختلط المحلل والمشروع بالمحرم والممنوع، واتخذت المزاعم والاراجيف والشائعات هيئة الحقائق والمسلمات واليقينيات·
ونظراً لان الغد هو ابن اليوم، ولان المتوقع هو نتاج الواقع، ولان قراءة المستقبل تتم عادة في اوراق الحاضر·· فليس امام المخلصين للحمى المصري، الا وضع ايديهم على قلوبهم، والشعور باقصى درجات القلق على مستقبل ارض الكنانة ودورها ومصيرها، فليس في الافق المنظور ما يبشر بالخير، او يؤشر على قرب الانفراج، او يوحي بان المأزق الراهن في سبيله الى التلاشي والانتهاء، بدل التعقيد والتصعيد·
دفعة واحدة تفجرت المعضلات والازمات المصرية كما لو انها رتل من القنابل العنقودية بعضها قديم يعود الى عهد الرئيس المخلوع وفساده واستبداده، وبعضها حديث توالد على ايقاع ثورة 52 يناير وتداعياتها التي قلبت الاوضاع رأساً على عقب، وتعرضت لجملة مفارقات غريبة وشاذة، ابرزها سطو الذين لم يفجروها عليها، واستئثارهم بمنجزاتها، ونعني بهم زمرة المجلس العسكري، وجماعة الاخوان المسلمين، وحزب النور السلفي الذين حصدوا دون ان يزرعوا، فيما خرج الشباب الذي زرع وضحى واضرم الثورة، صفر اليدين·
سرقة الثورة من اصحابها، شكلت بداية خط الغلط والانحراف عن جادة الاهداف، خصوصاً وان اجندات اللصوص الذين مارسوا عملية السرقة قد تضاربت وتناقضت الى اقصى الحدود، فالمجلس العسكري يريد استمرارية نظام مبارك بعد اصلاحه وتجميله، بينما يريد الاخوان والسلفيون اقامة دولة دينية، وتطبيق الشريعة الاسلامية، واستعادة زمن السلف الصالح·
ولعل ما زاد الطين بلة، تفشي الروح الاحتكارية والاستئثارية لدى اصحاب هذه الاجندات المتعاكسة، ورفضهم لمنطق المشاركة والتفاهم والحلول الوسط، وهو ما ادى آخر الامر الى التطاحن بدل التعاون، ولجوء كل فريق الى التخريب على الآخر وتفشيله ووضع العصي في دواليب اجندته، دون الأخذ بعين الاعتبار مدى الاخطار والاضرار التي ستعود على الوطن باكمله جراء هذه السياسات الحمقاء والممارسات العرجاء·
وهكذا وقعت مصر في شرور عسكرها واسلامييها، وتناثر شعبها قبائل وطوائف متناحرة، وتفاقمت ازماتها وتوالدت بغزارة رهيبة، وانفتحت بواباتها على مصاريعها امام كل من هب ودب حتى لو كان مشيخة في حجم قطر، وبات ربيعها خريفاً لا يزهر ولا يثمر ولا يبشر بالخير، ليس على صعيدها المحلي فحسب، بل على الصعيد العربي بأسره، انطلاقاً من ان مصر هي "ام العرب"، بل لعلها "ام الدنيا"، كما يقول اهلها الطيبون·
ورغم ان الوطن العربي بأسره قد وقع مؤخراً بين مخالب وانياب مأزق وجودي بالغ الحرج والصعوبة والضيق، الا ان الامل بقي - كما جرت العادة التاريخية - معقوداً على مصر التي دائماً ما كانت تشكل الرافعة العملاقة لامتها، والمشعل الهادي لها سواء السبيل، والقيادة الحكيمة التي تجنبها الهزائم والعثرات والسقطات·· ولكن ماذا نقول الآن، والى اين نتجه، وبماذا نملح الطعام العربي، ما دام قد فسد الملح المصري ؟؟ ألم يقل الشاعر حافظ ابراهيم··
انا إن قدرَ الإلهُ مماتيْ
لن ترى الشرقَ يرفعُ الرأسَ بعديْ
مؤسف ان الكثيرين لا يميزون بين مخاض الميلاد الذي يمهد لانتاج الحياة، وبين نزع الاحتضار الذي يسبق لحظات الوفاة، نظراً للكثير من التشابه بين الاثنين، وربما لان البعض يحبون التفكير بالتمني والاسقاط·· وفي ظني ان الجاري في مصر ومعظم الوطن العربي حالياً، هو حشرجات احتضار لا مؤشرات انتصار، وعلامات فوضى وفناء لا نهضة وانطلاق·
مصر ليست سائرة على درب تركيا، كما يتوهم الكثيرون، بل صائرة الى مصير باكستان والسودان وربما افغانستان التي تعاني جميعها لعنة الانقسام والاحتراب والتخلف والسير بعكس اتجاه التاريخ·· مصر اما ان تكون دولة مركزية قوية، واما ان تغيب عن الوجود والدور والسلطان، ولا حل وسطاً على الاطلاق·· ذلك لان الاطماع الخارجية في ارض الكنانة، والمؤامرات التاريخية المحبوكة ضدها، اكثر من معروفة ومكشوفة لجميع المتابعين·
مشكلة مصر العويصة، انها قد وقعت بين شقي طاحونة الاسلاميين والعسكر، وهي ذات المشكلة التي وقعت فيها الجزائر والسودان والباكستان، وحتى تركيا في كثير من الاحيان، فما ان يختلف هذان الطرفان حتى تدفع بلادهما ثمناً باهظاً من امنها واقتصادها ووحدة اهلها وحياة شعبها، ولكن - وهذه مفارقة عجيبة - ما ان يأتلف الطرفان ويتحالفا حتى تدفع البلاد ثمناً اغلى وافدح·· وشاهدنا ائتلاف واختلاف حسن الترابي مع الرئيسين السودانيين النميري ثم البشير·
ولا جدال ان اخطر ما يشترك فيه الاسلاميون والعسكر على صعيد الحكم والسياسة، انهم يسارعون الى التحكم وليس الحكم، ويتعشقون السلطة بدل المسؤولية، ويمارسون السياسة من خارج شروطها وقواعدها ولزومياتها، نظراً لتدني منسوب الثقافة السياسية لدى الجانبين·
ليس يسعدنا القول ان مصر تنزلق تدريجياً نحو التفكك والجوع والعطش والجريمة والاضطراب، ولكن هذه هي الحقيقة المقبلة وشيكاً بكل ابعادها التراجيدية، ومن لا يرى او يتشوف هذه الحقيقة الوافدة، فليس سوى اعمى البصر والبصيرة، او مغرض ومكابر في قلبه غرض ومرض·· وليس امام مصر العزيزة التي رعتنا وعلمتنا وتفضلت علينا، مصر الازهر والعروبة، الا ان تنهض وتشد الحيل، وتنجب البطل الذي يعيد سيرة عبد الناصر، ويحطم طاحونة العسكر والاسلاميين، ويضرب بيد من حديد كل اوكار الفتنة والفرقة والفوضى غير الخلاقة !!


1 تعليقات:

khalidsawy يقول...

حياك الله أخي الكريم الكاتب المحترم
وفاك الله أجرك على ما وضحت وبينت ووالله إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر