الراصد القديم

2012/09/09

نـاجـي العـلي في ذكـراه


إنصاف قلعجي

مفاتيح البيوت المعلقة على أسلاك شائكة تنتظر يوم العودة ··
" واحد من أعظم رسامي الكاريكاتير منذ نهاية القرن الثامن عشر"، هكذا وصفه الاتحاد الدولي لناشري الصحف في باريس عام 1988، وقد منحه الاتحاد جائزة" قلم الحرية الذهبي"، واختارته صحيفة"أساهي" اليابانية كواحد من بين أشهر عشرة رسامي كاريكاتير في العالم·
تنقل ناجي في حياته ما بين لبنان(مخيم عين الحلوة) وبين عمله في الكويت، يحمل أوراقه وأقلامه، وفي قلبه يحمل همّ فلسطين التي عاش من أجلها، وكذلك مات·· ويحمل غصة كبيرة حين أدرك مبكرا حجم المؤامرة الدنيئة بين فرنسا وبريطانيا والصهيونية على وطنه فلسطين· تشهد جدران البيوت في المخيم معاناة ناجي العلي عبر رسوماته التي تطورت بشكل كبير حين نما وعيه السياسي مبكرا، وقد شرد مع آلاف اللاجئين مع أهله عام 1948 لتحط عائلته الرحال في مخيم عين الحلوة بجنوب لبنان··
ويصادف يوم 29 آب/ أغسطس هذا العام الذكرى الخامسة والعشرين لاغتيال ناجي العلي على يد مجهول في لندن، وكان قد أطلق عليه الرصاص في 22/7/1987 وتوفي لاحقا في إحدى مستشفيات لندن·
تروي رسومات ناجي سيرة فلسطين منذ اغتصابها من قبل الصهيونية· وتروي قصة الشعب البطل الذي ثار وناضل منذ ما قبل الاغتصاب، ضد العصابات الصهيونية المدعومة من الانتداب البريطاني على فلسطين· وتروي سيرة التشرد والحرمان والفقر والتآمر الذي واجهه الشعب الفلسطيني في المخيمات· وتبقى المرأة الفلسطينية هي الأمل، وهي الأم التي تحث على النضال ، وهي المرأة القوية التي تدير شؤون الأولاد، وهي التي تشجع زوجها على الصمود، وهي التي تروي قصة الخيانات العربية ممثلة بأصحاب الكروش· ولعل من أجمل الرسومات التي شدتني هي رسم الحمار الذي يقول: "بالأمس كنت حماراً، واليوم بعدني حمار، وغدا سأكون حماراً· عندي طموح أتغيّر وأصير حصاناً، بس في جماعة من البني آدميين مقتنعين وناوين يظلوا بأحضان أمريكا إلى أبد الآبدين·· عليهم العوض!!"· وفي رسم آخر يقول الزوج لزوجته فاطمة متهكما من حبلها المتواصل، وقد علقت على الحائط صورا لأولادها الشهداء: " كلّه منك·· احبلي يا فاطمة·· وخلْفي يا فاطمة·· فلسطين بدها رجال يا فاطمة·· وبالآخر بيستشهدوا واحد ورا الثاني دفاعا عن التنظيم والأنظمة!! ·· يا مصيبتك يا فاطمة!!"·
أما حنظلة، الشخصية الكاريكاتيرية التي أحبها ناجي، والتي اعتبرها أيقونة تحميه من السقوط، فيقول عنه: " ولد حنظلة في العاشرة من عمره، وسيظل دائما في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين، وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء"· وأما عن سبب تكتيف يديه فيقول ناجي: " كتفته بعد حرب أكتوبر 1973 لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر وليس مطبعاً"· وعندما سئل ناجي العلي عن موعد رؤية وجه حنظلة، أجاب: " عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته"·
لكن حنظلة كثيراً ما ثار على ناجي، فكان يطلق الحجارة تضامنا مع أطفال الحجارة في فلسطين، وكثيرا ما كان يحرر يديه ليكتب على الجدران، ونراه في إحدى الرسومات التي رسمت بعد استشهاد ناجي يتأبط ذراع ناشط السلام الإيطالي فيتوريو أريغوني الذي شنق في غزة على يد جماعة سلفية، ولفّ جثمانه بالعلم الفلسطيني وكلاهما يرفع يده الأخرى بشارة النصر·
فمهمة الكاريكاتير، كما يراها ناجي" تعرية الحياة بكل معنى الكلمة·· الكاريكاتير ينشر الحياة دائما على الحبال وفي الهواء الطلق وفي الشوارع العامة· إنه يقبض على الحياة أينما وجدها لينقلها إلى أسطح الدنيا حيث لا مجال لترميم فجواتها ولا مجال لتستير عوراتها·· هذا الفن يجب أن يكون عدوانيا على موضوعاته على وجه الخصوص، قد يكون صديقا حميما على من يتعاملون معه، لكنه صديق مشاكس·· صديق لا يؤمن جانبه"· ويضيف" الصورة عندي هي عناصر الكادحين والمقهورين والمطحونين، لأنهم هم الذين يدفعون كل شيء ثمنا لحياتهم، غلاء الأسعار، الذود عن الوطن، تحمل أخطاء ذوي السلطة، كل شيء لديهم صعب الحصول عليه، كل شيء قاس يحاصرهم ويقهرهم، لكنهم يناضلون من أجل حياتهم ويموتون في ريعان الشباب، في قبور بلا أكفان، هم دائما في موقع دفاع مستمر لكي تستمر بهم الحياة· أنا في الخندق معهم، أراقبهم وأحس نبضهم ودماءهم في عروقهم، ليس لي سلطة أن أوقف نزفهم أو أحمل عنهم ثقل همومهم، لكن سلاحي هو التعبير عنهم بالكاريكاتير، وتلك هي أنبل مهمة للكاريكاتير الملتزم"·
وقد رد ناجي على التهديد الذي وصله قبل اغتياله بحرق أصابعه بالأسيد: " يا عمي لو قطعوا أصابع يدي سأرسم بأصابع رجلي"·
رحم الله الشهيد ناجي العلي الباقي دائما في قلوبنا، وننتظر أن تعود الكرامة العربية لنرى وجه حنظلة الذي انتظرناه طويلا·



0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر