الراصد القديم

2012/12/01

يعد نصيحته لإسلاميي تونس بعدم تجريم التطبيع هل سيسهل لـ "مشعل" رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية ؟


سعيد مبشور


منذ تخلى خالد مشعل عن موقعه كرئيس للمكتب السياسي لحركة حماس، والأسئلة تتناسل حول الدور الذي من المنتظر أن يلعبه على خارطة الصراع مع "إسرائيل" في ظل الحصار المضروب على غزة التي تحكمها حماس، والدور الذي يمكن أن يلعبه على مستوى ملف المصالحة مع حركة فتح التي تمسك بإدارة الضفة الغربية.

وبين هذا وذاك، ترشح معلومات قليلة حول إمكانية لعب خالد مشعل لأدوار اكثر فاعلية على المستوى الخارجي، فالرجل قضى ردحا من الزمن في رئاسة الجناح السياسي لحماس من الخارج، راكم فيه تجربة كبيرة على مستوى التواصل مع زعامات وساسة عرب وأجانب، أتيحت له فرص كثيرة للقاء بهم ومحاورتهم، وبسط وجهة نظر حركته في ما يخص الوضعين الفلسطيني والإقليمي.

ولأنه قائد فصيل إسلامي مقاوم، ورمز من رموز الصمود والمواجهة، مستهدف بشكل مباشر من طرف الأجهزة الإسرائيلية، خاصة في عملية محاولة الاغتيال الشهيرة بالأردن في العام 1997، فقد حظي مشعل باحترام واسع لدى مختلف التيارات الإسلامية في العالم، هذه التيارات التي أضحت اليوم تمثل كليا أو جزئيا أنظمة الحكم الجديدة في العديد من البلدان العربية بُعَيْدَ ما تمت تسميته بالربيع العربي.

إن العلاقة بين حركة حماس والتيارات الإسلامية المختلفة عبر العالم، هي علاقة أصيلة ومتجذرة، حيث إن "حماس" تعتبر الفرع الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين، وكونها فرعا من الجماعة/الأصل، معناه أنها تدور حيث دارت قطب الرحى المتواجدة بالقاهرة، الموئل الرسمي لأم التنظيمات الإسلامية.

لهذا فإن بعض المراقبين لا يستبعدون تصدي خالد مشعل لدور أكبر في قيادة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، خلفا للدكتور يوسف القرضاوي الموجود في حالة صحية صعبة لا تتلاءم ومهمة ترتيب خارطة "الإخوان" بالعالم العربي، خصوصا والجماعة اليوم في أوجها، ففصائلها في مصر وتونس وليبيا واليمن والمغرب تتواجد في قلب أنظمة الحكم، فيما تتصارع مثيلاتها في بلدان أخرى على مواقع أفضل في صياغة الواقع السياسي.

والاجتماع التمهيدي لاختيار رئيس جديد للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين انعقد بالفعل خلال موسم الحج الأخير بمكة المكرمة، بحسب ما أفادت به بعض التقارير الإعلامية، حيث تقرر عقد المؤتمر بالخرطوم في الخامس عشر من نونبر الجاري، يتم الإعلان خلالها كذلك عن تأسيس قناة إعلامية "إخوانية" كبرى برعاية قطرية. 

ومع ذلك فإن ثمة مؤشرات تقود إلى الاعتقاد بإمكانية لعب خالد مشعل لدور أكبر في الداخل الفلسطيني، خصوصا مع الزيارة الأخيرة التي قام بها مؤخرا أمير دولة قطر إلى غزة، وتقديمه حجما مهما من المساعدات قدر بنحو 400 مليون دولار.

هذه الزيارة اعتبرها كثيرون أكبر من مجرد زيارة دعم ومساندة، فحجم الدور الذي يلعبه الأمير حمد بن خليفة آل ثاني في سياق ما بات يعرف بالربيع العربي، والتقارب الحاصل بين الإدارة القطرية وجماعة الإخوان المسلمين، والرعاية والتشجيع اللذين تلقاهما الحركات الإسلامية من لدن الدوحة أضحى واضحا للعيان، سواء من خلال الإسناد الإعلامي عبر قناة الجزيرة، أو من خلال التمويل المالي للمشاريع الإسلامية الناهضة بالبلدان التي مستها رياح التغيير.
وإذا أضفنا إلى هذا العامل، مسلكية حركة حماس تجاه القضايا الحساسة بالمنطقة، والتي اتسمت بنوع من المرونة والبراغماتية السياسية، من قبيل تخلي قيادة الحركة عن مواقعها في دمشق، بعد تحول خطابها من الصمت على ما يحدث في سوريا إلى النقد المساند لبشار الأسد ثم إلى القطيعة مع النظام السوري، ولو عبر تمرير مواقف أقرب إلى التبرير، حينما اعتبر خالد مشعل أن "الثورة السورية شأن داخلي، والقضية الفلسطينية دفعت ثمن التدخل في شئون الدول العربية"، ويأتي هذا في وقت غير خالد مشعل مكان إقامته من دمشق عاصمة سوريا التي يحكمها نظام بشار الأسد، إلى الدوحة عاصمة قطر التي تقود الحرب من أجل إسقاط بشار الأسد.
وفي العاصمة القطرية نفسها، تحدث خالد مشعل قبل أيام، في مؤتمر «الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي، تجارب واتجاهات» الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عن صعوبة الجمع بين السلطة والحكم من جهة والمقاومة من جهة أخرى.

وفي تونس التي يحكمها إسلاميو حركة النهضة، نصحت حركة حماس نظيرتها التونسية بعدم التنصيص على تجريم التطبيع مع "إسرائيل" في الدستور التونسي الجديد، كما أفادت بذلك وسائل إعلام، نقلا عن تصريح لرئيس كتلة حركة النهضة الإسلامية في المجلس التأسيسي التونسي، حيث قال الصحبي عتيق إن القياديين في حركة حماس الفلسطينية إسماعيل هنية وخالد مشعل، 'نصحانا أثناء زيارتهما لتونس بعدم التنصيص على تجريم التطبيع مع إسرائيل في الدستور التونسي الجديد" .

أما السقطة المفاجئة للرئيس الفلسطيني محمود عباس أمام شاشة التلفزيون الإسرائيلي، وإعلانه عن التخلي المنفرد عن حق العودة، فلم تكن سوى قشة أخرى على ظهر البعير الفلسطيني المتهالك بفعل الانقسام والجمود والارتهان لوضع إقليمي ودولي في غاية التعقيد والارتباك، وهي سقطة استغلها قادة حماس بشكل مثير شعبيا وسياسيا وإعلاميا. 

لكن قادة حركة فتح، سرعان ما انبروا إلى الرد عبر اتهام حركة حماس بإجراء لقاءات مع ممثلين عن "إسرائيل"، في دولة عربية لم يتم الإعلان عن اسمها، حيث توجه وفد من حماس برئاسة القيادي أسامة حمدان والتقى بوفد إسرائيلي، وطالبت حماس في هذا اللقاء بعدم السماح للرئيس الفلسطيني محمود عباس بالتوجه إلى الأمم المتحدة لطرح قضية إعلان عضوية بصفة "مراقب" للدولة الفلسطينية في المنتظم الدولي.
كما اتهمت قيادات فتح حركة حماس بالتفاوض على مشروع الدولة ذات الحدود المؤقتة على 40 بالمائة من أراضي الضفة الغربية بدون القدس وبدون إزالة المستوطنات، وهو في الأصل مشروع إسرائيلي، في حين طرحت حماس مقترحا للهدنة طويلة الأمد مع "إسرائيل" بما يعني تجاهل كافة قضايا الوضع النهائي، بحسب تصريحات قادة حركة فتح لوسائل الإعلام.
هذه التحركات، إن صح مضمونها، إيذان بحركة غير اعتيادية لدى قادة حماس، إنهم يتحركون وفق منطق الدولة لا الحركة، ووفق التحولات التي فرضتها أجواء الحراك العربي، حيث لا كلمة تعلو في كل قطر من أقطار المنطقة، فوق كلمات وخطابات واستراتيجيات الحركة الإسلامية.

لقد غدت الحركات الإسلامية بديلا عن كل شيء في الوطن العربي، ونقيضا لكل شيء، فهي الطهارة ضد الفساد، والثورة ضد الاستبداد، والعدل بعد الظلم، والحرية بعد القهر، وحركة حماس ليست بمعزل عن هذا الخطاب، ولا عن هذا الموقع الجديد، والفرصة بالنسبة إليها مواتية لتثبيت الوضع في أراضي الحكم الذاتي برمتها، بعدما جربت دواليب السلطة في غزة.

وأثبت التيار الإسلامي قدرة هائلة على المرونة، والتعاطي مع الواقع بالكثير من البراغماتية، والملف الفلسطيني جزء صميم من هذا التعاطي، فمواقف حركة النهضة في ملف التطبيع ليست بعيدة عن مواقف القيادة المصرية الجديدة من اتفاقية كامب ديفيد، أما مواقف حماس منذ دخولها معركة السلطة وفقا لآليات أوسلو والتزاماتها، وحديث قادتها العلني عن فلسطين في حدود 1967، وسيطرتها على صواريخ الفصائل في القطاع، وتغليب المنطق السياسي على الفعل المقاوم، والرغبة في ترتيب الأوضاع في الضفة مثلما تم لها الأمر في غزة، وضعف أداء جماعة أبو مازن، وتهالك شعبية حركة فتح، ناهيك عن القلق الإسرائيلي تجاه القوى الممالئة لإيران، وخوفها من نتائج الصراع الدائر في سوريا، سواء سقط النظام أم لم يسقط، والاتجاه الدولي المشجع لحركات ما يسمى بالإسلام الديمقراطي، والتحولات العميقة في المنطقة لصالح بناء دول عربية جديدة، إسلامية القيادة، مفتوحة الموارد، وقابلة للاختراق.

كل هذه عوامل قد تشجع صانعي القرار بالمنطقة على الإسراع بإنهاء الحالة الفلسطينية التاريخية، بفصائلها اليسارية والقومية التي رفعت السلاح بوجه الصهاينة، ثم مارست العمل السياسي دعما لكفاحها، ثم استنفذت نفسها في حلقات التفاوض التي ابتدأت لكي لا تنتهي، حتى وصلت إلى القطيعة مع ماضيها، ومع قواعدها، ومع قضاياها المصيرية.

كما قد تتم  صياغة واقع جديد على الأرض، قوامه التوافق مع "إخوان" فلسطين، من أجل منحهم دورة الحكم، انسجاما مع الخارطة الجديدة للمنطقة، وإسهاما في إنهاك المحيط "الممانع"، وإقامة حاجز سميك ضد خطر القاعدة، المتواجد متعاطفوها على خط النار بسوريا، وفي المخيمات بلبنان، وفي شوارع الأردن، وفي سيناء مصر، وفي غزة تحت الرقابة الأمنية لحكومة إسماعيل هنية.

إذا صح كل هذا الكلام، فالطريق سالكة بـ "أبي الوليد"، إلى حكم فلسطين.



0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر