الراصد القديم

2012/12/01

الناصرية·· من الحنين الى التجسيد !!




 اسماعيل أبو البندورة

عندماسافرت ابنتي الى القاهرة قبل أيام، سألتني ان كنت احتاج الى شيء من هناك، فأوصيتها على بعض الكتب عن ثورة مصر الجديدة، وطلبت منها أن تسلّم لي على عبد الناصر عندما تطأ ارض القاهرة، وسألت نفسي بعد أن غادرت، لماذا أردت منها أن تسلم لي على عبد الناصر؟ ولماذا اطلب كتبا عن الثورة الجديدة ؟
ووجدتني وبعيدا عن النوستالجيا ( الحنين ) الى عبد الناصر، استعيد تجربته النهضوية ومفرداتها في خيالي، واستحضر العصر العربي الناهض ( ارفع رأسك أخي العربي ! ) الذي أنشأه عبد الناصر على أرض الواقع، وعلى صعيد الأمة العربية، وأعيد اختزاليا التفكير ببعض القضايا والعناصر التي ربط بينها عبد الناصر بعقله المنفتح على التغيير، والتحديث والمعرفة، والمقاومة، والحقل الذي افتتحه في الحياة العربية، لكي تمضي الامة على طريق النهضة والحرية والاستقلال ·
وأود الاشارة اولا الى أن معظم القوميين وعلى اختلاف مشاربهم السياسية كانوا ولايزالون أبناء لمشروع ناصر القومي النهضوي بمعنى من المعاني، كما أنهم خير من قرأوا المعاني الكامنة في هذا المشروع، وحاولوا تجسيدها في ممارساتهم السياسية، حتى وان كانوا قد فكروا بالنهضة  عن طريق منهج أو استدلال آخر، أو اتخذوا طريقا آخر مختلفا عن الناصرية في رؤية سبل وآفاق النهضة القومية، وسبل تحقيق اهداف الأمة على المدى البعيد، وحيثما كان هناك حوار في طبيعة الفهم للمسألة القومية أو التلاقي والاختلاف، والبحث عن الأفضل داخل أطر التيار القومي، وكلما نشأ ما يوجب السجال والاختلاف بين الرؤى  "وهو ما أصر البعض على تسميته خلافا وتنابذا وصراعا"، كان هذا الصراع ينطوي ويفضي الى وحدة في التفكير ضمن جدلية صراع - وحدة ، وتغيا مصلحة الامة، وامتلأ حبا لعبد الناصر وطريقه ومشروعه الكبير، وكلما كان هناك خلاف مع عبد الناصر، كان هناك احترام واعتراف بدوره ومكانته، وكنت دائما لو شققت قلب أي قومي في انحاء الوطن العربي لوجدت عبد الناصر داخل هذه القلوب، وقد كان ذلك في أوج زعامته وكارزميته، وبقي في الصدور حتى اللحظة، حيث نستحضره ونحن نفكر بدور مصر وعبقرية مكانها وزمانها، وأهمية هذا الدور في تغيير الواقع العربي·
ولذلك علينا أن نقول الآن أننا عندما نتحدث عن الناصرية فاننا لا نهرب من واقع عربي لانستوعبه، ولاطاقة لنا على مواجهته، فنكون مثل دراويش يبحثون في لحظة وجد وغياب عن الغائب والمغيب، ولانلوذ بناصر نرجسيا من واقع مفروض لانقدر على تشخيصه والانتصار فيه ، ولكننا نذهب اليه بوعي واحتياج معرفي لكي نستحضر ونقرأ درسه وتجربته، ولكي نستولد النموذج، والمنهج الناصري في حياتنا العربية، وتلك هي كما أرى مأثر ناصر والناصرية المسترسلة، بأن ابدعت الرؤية والمنهج، ودليل العمل القومي الثوري في عملية بناء الأمة ومواجهة التحديات ، وهي ماشكل الأساس الذي قامت عليه الثورة الناصرية، ذلك أنها كانت ثورة مكتملة المعاني، استراتيجية الاهداف، قومية الأفق، ونجحت في اقتحام الدوائر المغلقة، وافتتحت الدوائر الجديدة الاسلامية والافريقية والدولية، واستنبتت فيها نموذجا ارشاديا ناصريا لايزال يستعاد ويستحضر بجوهره وأبعاده في كل لحظات التحول والتغيير وعلى نطاق كوني·
وكأننا نريد  أن نقول بدون عصبوية أو التباس، ومن خلال فهمنا لجوهر الناصرية وعمومية اهدافها، أننا ناصريون وهذا هو منهجنا الذي لاعوج فيه، ولا انتحال، ولا مراوغة، ولا تدليس، وفيه عناصر مشروع النهضة العربية الاساسية، التي لانزال نحاول تجسيدها حتى اللحظة، وهو المشروع العمومي الجاذب الذي جعل أبناء مصر يستعيدون دورهم في ثورة 52 يناير ، ويواصلون  ثورة يوليو في ثورة مستمرة ودائمة، ويعيدون بناء ما انهدم في الوقت السياسي الكئيب المستقطع من تارخ مصر بعد وفاة ناصر وحتى اللحظة، ذلك أنهم يعودون الى المنهج والنموذج والروح الناصرية الوثابة " حتى ولو لم يصرحوا بذلك جهارا " في البحث عن الحرية، والديموقراطية، والاستقلال، والعدالة الاجتماعية، والتجدد الحضاري ·
وهكذا يمكن أن نكون ناصريين في المرحلة الراهنة، من خلال استحضار المشروع النهضوي الناصري وعناصره، بأفق وعقل نقدي، وقراءة مستنيرة وتنويرية، وتوطين المنهج والنموذج مجددا في العقل والحياة العربية، وتقديم اطروحات جديدة حول سبل تغيير الحياة العربية، وجعل الناصرية مفردات وطنية وقومية عريضة منفتحة على كل الرؤى والقوى القومية والنهضوية في الوطن العربي، من اجل صياغة عصر ناصري المعنى، قومي الدلالات، تاريخي الآفاق، استراتيجي الاهداف  ·
الناصرية كما نفهم معناها في المرحلة العربية الراهنة، وكما فهم معناها مفكر مصر الاستراتيجي الكبير "جمال حمدان" ذات لحظة، ليست حوزة استذكارية أو حلقة دروشة سياسية، وحنين، ووجد، وذكريات، أو نظام سياسي مضى وانقضى عهده، وانما هي فكرة نهضوية، ومنهج ثوري، ودليل عمل، وخارطة طريق قومية، لابد من تجديد الحديث عنها "وخصوصا في أيامنا هذه"، لكي تملأ وتدير فراغ مصر الراهن، وتطال الفراغ العربي الكارثي القائم، الذي نشأ في حياة العرب ووضعهم أمام الف انسداد وكآبة !!

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر