الراصد القديم

2013/01/15

هدية إلى الزعيم فى ذكرى رحيله




أحمد يوسف أحمد


لم أذهب يوما إلى ضريح الزعيم فى ذكرى رحيله، وإنما تعودت أن أغتنم أى فرصة وأنا أمر به للوقوف دقائق قليلة لقراءة الفاتحة، خاصة عندما كان الضريح مفتوحا فى أى وقت قبل أن يغلق لاعتبارات قدرتها أسرة الزعيم فى حينه. كنت أصادف أحيانا واحدا أو أسرة يفعلون ما أفعله، وكان التأثر دائما يبدو واضحا على وجوه الزائرين، وفى إحدى المرات دخلت الضريح فوجدت فلاحا متهدم البنيان يبكى بحرقة أمام الضريح دون أن ينبس بحرف، وقدرت حاله إذ كانت الهجمة على إنجازات الزعيم قد بلغت ذروتها، ومن يدرى فقد يكون فلاحا سُلبت منه أرضه التى سلمها له عبدالناصر فى 1952، وفى مرة ثانية دخلت لأجد عربيا من الخليج يقف فى خشوع أمام الضريح ويدعو لصاحبه بصوت مسموع، وهلم جرا. لكننى هذه المرة بالذات أحسست أن الذهاب إلى الضريح فى ذكرى الرحيل له معنى خاص ورسالة إلى من يعنيه الأمر بأن المشروع مازال حاضرا وصالحا ومطروحا للمساهمة فى بناء المستقبل.


مر بى وأنا فى طريقى إلى الضريح شريط طويل من الذكريات عن تأثير الرجل ومكانته. حُفر صوته فى قلبى وأنا ابن السابعة وهو يواصل خطابه فى جماهيره لحظة محاولة اغتياله فى 1954، وكذلك وهو يعلن بعد سنتين تأميم شركة قناة السويس. لم أكن أفهم ما يدور آنذاك، لكن ابن التاسعة قدر فى عام 1956 أن وطنه يمر بمخاض عسير وميلاد جديد. مازال الصوت يلازمنى ولا أنساه وهو يعلن فى انكسار فى أكتوبر 1961 قبوله الأمر الواقع بعد الانقلاب العسكرى الذى فصم عرى الوحدة المصرية ــ السورية، أو وهو يتحمل فى شجاعة فى يونيو 1967 مسئولية الهزيمة وحده ويعلن تنحيه عن منصب الرئاسة. عادت بى الذاكرة إلى أيام الرحيل فى 1970 والحضور الجماهيرى غير المسبوق وفاء للزعيم فى رحلته الأخيرة. تذكرت عام 1966 عندما ذهبت مع وفد محدود العدد من شباب الجامعات لزيارة تركيا، وقيل إن هذه خطوة ضمن خطوات مماثلة لإذابة الجليد فى العلاقات المصرية ــ التركية، وهناك فوجئنا بأن عددا من شباب فلسطين الذين كانوا يتلقون دراستهم الجامعية فى تركيا آنذاك يحيطون بنا أينما ذهبنا، ويلاحقوننا فى كل مرة بأسئلة لا تنتهى عن عبدالناصر على نحو ما يسأل الحبيب عن محبوبته، ثم يستحلفوننا لحظة المغادرة بالله وبكل غالٍ لدينا بأن «نأخذ بالنا» من عبدالناصر وكأننا من أفراد أسرته أو العاملين إلى قربه أو بعض حرسه.


امتد بى شريط الذكريات إلى عام 1976 فى أثناء وجودى فى «لاهاى» فى منحة لاستكمال المعلومات المطلوبة لرسالة الدكتوراه كنت شديد الدأب فى العمل لقصر المدة وكذلك كان زميل شاب من المغرب (أصبح وزيرا للتربية فى بلاده لاحقا) ظللنا نجلس متباعدين شهرين من الشهور الثلاثة المخصصة للمنحة. كنت أتجنبه صراحة بسبب تدهور العلاقات المصرية ــ المغربية آنذاك نتيجة الانحياز المصرى للثورة الجزائرية فى صدامها العسكرى مع الجيش المغربى كواحد من تداعيات الخلافات الحدودية بين البلدين، وظل الحال كذلك إلى أن جمعتنا مائدة واحدة فى حفل عشاء أقيم على شرف الممنوحين فسألنى عن بلدى فقلت له وصارحته بما كان يدور فى نفسى، فإذا بعلامات الدهشة البالغة ترتسم على وجهه ويردد فى شجن: عبدالناصر! أتعلم أن صوره موجودة فى كل بيت مغربى أكثر من صور الحسن الثانى بكثير؟ ثم تصل بى الذكريات إلى جلسة جمعتنى فى أوائل التسعينيات مع مليونير سعودى (لعله أصبح مليارديرا فيما بعد) كان يمول العمل البحثى الذى كنت على رأسه فى إطار واحد من المراكز البحثية العربية المرموقة، وقلت لنفسى ساعتها ترى ما هو الحديث الذى يمكن أن يدور بين باحث لا يملك سوى راتبه وبين مليونير، فإذا بالرجل يقطع صمتى ساعتها ويقول: حدثنى عما آلت إليه تجربة عبدالناصر فى مصر، وما إن بدأت فى الكلام حتى انخرط فى حديث فائق الرومانسية عن الرجل، وكيف كان يتحايل هو وغيره من الشباب السعودى المؤمن بالتجربة كى يروا عبدالناصر فى زيارتيه للسعودية فى عام 1954 (للعمرة والتنسيق) و1965 (للتفاوض على اتفاقية جدة التى كان من المفترض أن تضع حدا للحرب الأهلية اليمنية آنذاك).


ذكرنى هذا على الفور بالجلسة التى جمعتنى أواخر التسعينات فى أثناء فاعليات مهرجان الجنادرية واثنين من المصريين أحدهما صديق عزيز مع قيادة سعودية بارزة (عليها رحمة الله) كانت تشغل منصبا رفيعا فى منظومة الحرس الوطنى تحت قيادة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولى العهد آنذاك. استضافنا الرجل فى بيته وما كدنا نجلس حتى قال: أريد أن أعرف من أنتم؟ ما هى أفكاركم؟ كان لطلبه وقع المفاجأة، وكنت بحكم جلستى إلى جواره أول المتحدثين. صعب على المرء أن يكون ظاهره مناقض لباطنه، فحسمت أمرى إذ فات أوان التقية وقلت أنا من أبناء ثورة يوليو، ومن أنصار زعيمها مع اعترافى بأخطاء التجربة، فإذا بالرجل الوقور يربت على ساقى برفق ويقول: ابق على ما أنت عليه. لكن صديقى والزميل العزيز الثالث كان رأيهما غير ما رأيت بل إن حديث ذلك الزميل فى نسف تجربة عبدالناصر قد شابته حدة ظاهرة. فإذا بالرجل ــ وليس أنا ــ من ينبرى للرد عليهما، ثم أخذ بعدها يروى كيف كان عبدالناصر هو مصدر الأمل له ولغيره من الشباب السعودى فى الإصلاح، وكيف حاولوا المستحيل فى بداية الثورة أن يلتقوا بعبدالناصر فى القاهرة، لكن محاولاتهم باءت بالفشل إلى أن علموا يوما أنه سيحضر عرضا سينمائيا فى سينما «ريفولى» فانتظروه حتى انتهى العرض واستوقفوه للحديث والحوار وطلب الرأى، فوقف معهم بعض الوقت بعد أن أمر حرسه بعدم التعرض لهم، ودار بينهم حوار ثرى كان لايزال ماثلا فى ذهن مضيفنا.


انقطع بى شريط ذكرياتى الذى لا ينتهى عندما وصلت السيارة إلى الضريح. وجدت صورة مصغرة لأنصار الزعيم ومشروعه: حضور من أفراد أسرته وبعض مساعديه الذين حملوا باقتدار مسئولية ما كلفوا به من مهام وطنية رفيعة، ونخبة من المثقفين والسياسيين المصريين والعرب انحازوا إليه اقتناعا لا نفاقا، ومازالوا على موقفهم حتى الآن، لكن اللافت كان الحضور القوى للشباب وهذا يحمل معنى الاستمرار، وكذلك المرأة، وهى رسالة مهمة لمن يريدون إلغاء وجودها، بل ولأطفال لابد أنهم سمعوا شيئا عن الزعيم وسيرته من أسرهم، غير أن التطور الأهم فى هذه الذكرى كان إعلان اندماج الأحزاب الناصرية الأربعة فى الساحة المصرية. كان يؤرقنى دائما أن الشارع الذى ظلت غالبيته على إيمان بمشروع يوليو رغم كل محاولات الهدم قد حمل وزر الضعف المؤسسى الذى شاب تجربة عبدالناصر، فكانت الأحزاب الناصرية أينما وجدت فى الوطن العربى ضعيفة، والأخطر منقسمة على نفسها، وأدى هذا إلى دخول بعضها أحيانا فى تحالفات غير سوية مع من يفترض أنهم خصوم مشروع يوليو، ولا أنسى عندما كنت أتلقى دعوات من الحزب الاشتراكى العربى الناصرى لإلقاء محاضرة أو المشاركة فى ندوة كيف هالنى فى المرة الأولى أن المكان غير لائق ولا أزيد، والحضور بالغ الضعف، والفوضى تسود الموقف بصوانى الشاى التى تتراص فوقها أكواب الشاى المتلاصقة، وبحاملها الذى لا يفتأ يخترق الصفوف كى يبيع بضاعته، وكلما وجد زبونا أخذ يقلب له السكر فى كوبه بحماس فائق تنتج عنه أصوات مزعجة تخرج المرء عن تركيزه، ويرتفع من حين لآخر صوت مسئول كبير فى الحزب يصرخ فى بائع الشاى دون جدوى، وكيف كنت أغادر المكان فى كل مرة محبطا مكتئبا.


فى هذه المرة اختلف الأمر، فقد أظهرت الانتخابات الرئاسية أن أنصار يوليو وزعيمها ليسوا قلة، حصل حمدين صباحى وهو من أبرز الرموز الناصرية على المرتبة الثالثة فى الجولة الأولى بخمسة ملايين صوت، وهو عدد أكثر من كافٍ لإطلاق «تيار شعبى» أو البدء فى تأسيس حزب ناصرى قوى. صحيح أن نسبة من الأصوات التى حصل عليها حمدين قد تكون ذهبت إليه لشخصه والحملة الانتخابية الناجحة التى أدارها، لكن المعنى الواضح أن نحو خمس إلى ربع الهيئة الناخبة الفاعلة يناصر مرشحا ناصريا، أو على الأقل لا يجد غضاضة فى أن يكون رئيسا للجمهورية، ولذلك كان لابد من البناء على هذه الحقيقة، وقاد صباحى عملية تكوين «التيار الشعبى» وإطلاقه، ثم جاءت خطوة الاندماج بين الأحزاب الناصرية الأربعة فى الساحة المصرية، وهى خطوة فى الطريق الصحيح أتمنى أن تكون نابعة من إحساس داخلى بالحاجة إلى الوحدة فى التنظيم والحركة وليس من مجرد تنسيق ضرورى لابد وأن يسبق الانتخابات التشريعية الموعودة، وأن تؤدى إلى تراجع المصالح الضيقة لحساب الصالح الوطنى، وأن تكون بداية لمؤسسة حزبية قوية وراسخة وإلا ضاع الجميع، وأن تعقبها جهود هائلة كى يمكن لهذا التطور أن يسهم فى بناء مصر الجديدة.


أيكون أنصارك قد نجحوا أخيرا أيها الزعيم التاريخى المحبوب فى أن يقدموا لك هدية لائقة فى ذكرى رحيلك؟

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر