الراصد القديم

2013/01/03

هل بات الربيع الفلسطيني على الابواب!



سنية الحسيني 
 تساءل الكثير من المراقبين عن  أسباب تأخر الربيع الفلسطيني في ظل انطلاق الثورات العربية  واحدة تلو الأخرى، إلا أن الهجوم الإسرائيلي الاخير على قطاع غزة في الرابع عشر من نوفمبر عام 2012،  قد وضح بجلاء أن الربيع الفلسطينيين سيكون مختلفاً عن أي ربيع آخر، فربيع الفلسطينيين لن يوجه بأي حال من الأحوال إلا ضد عدو الفلسطينيين الحقيقي والأوحد، ذلك العدو الذي سلب الفلسطينيين حقهم في الحرية والعدالة والعيش الكريم لأكثر من ستين عاماً،   وكان السبب المباشر في انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الاولى عام 1988 والثانية عام 2000، وسيكون الاحتلال أيضاً مصدر الالهام  الوحيد لانطلاق ربيع الفلسطينيين، طالما بقي جاثماً على صدور الفلسطينيين بتبجح وتمرد وتعالي، وطالما بقي مصراُ على عدم التعاطي مع الحقوق الفلسطينية الأصيلة التي ضمنتها للفلسطينيين قرارات الشرعية الدولية، تلك الحقوق التي تؤمن بها جميع الشعوب العالم الحر على رأسها الشعوب العربية والاسلامية.
 جاء هجوم الأيام الثمانية الاسرائيلي الأخير ببعض الشواهد التي تؤكد على اقتراب الربيع الفلسطيني والذي سيكون مختلفاً تماماً عن الثورات والانتفاضات الفلسطينية السابقة أخذاً بعين الاعتبار التغيرات والتطورات المحلية والعربية والاقليمية على أخذت مكاناً على أرض  الواقع اليوم.
ولعل أهم الشواهد التي تشير إلى اقتراب الربيع أو الثورة الفلسطينية:
ـ اتحاد الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة.
 أكدت الشواهد التي عمت الاراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية خلال الحرب على غزة، التحام الشعب الفلسطيني على جانبي الوطن، فعمت المظاهرات انحاء الضفة الغربية المحتلة وتطورت إلى مواجهات مع قوات الاحتلال على نقاط تماس عديدة، وعادت الاوضاع في المناطق لتذكر الفلسطينيين والاسرائيليين على حد سواء بتفاعلات الاحداث خلال عهد الانتفاضة الاولي والثانية.
إن تطور الأحداث في الضفة الغربية المحتلة الذي ساد خلال الايام الثمانية للهجوم الاسرائيلي على غزة لم تتشابه على الاطلاق مع الموقف الفلسطيني الشعبي فيها والذي ساد خلال حرب إسرائيل على غزة عام 2008-2009، حيث وصف التحرك الشعبي الفلسطيني عموماً في الضفة الغربية المحتلة أنذاك بالسلبية وعدم المبالاة تجاه الاحداث التي لحقت باخوانهم في قطاع غزة. إن ذلك التباين بين موقفي الشارع الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة ما بين هجومي إسرائيل على قطاع غزة عام 2008 و2012 يوضح بجلاء اتخاذ الشعب زمام المبادرة باتجاه الوحدة الفلسطينية بشكل لا يضع مجال للشك، ويأتي ذلك دون اغفال لتحركات الشارع المتعددة والمستمرة طوال العامين السابقين، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة المحتليين، ومطالبة القيادة الفلسطينية على جانبي الوطن بضرورة المصالحة واعادة اللحمة الوطنية.
ـ عودة الفلسطينيين إلى تكتيك تفجيرات الحافلات والاماكن المكتظة في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948والموجهة ضد قوات الاحتلال الاسرائيلي في الاساس.
ذلك التكتيك التي اعتقدت إسرائيل خلال السنوات الاخيرة السابقة أنها قضت عليه نهائياً سواء بفعل اجراءاتها الامنية العالية الحيطة أو  تقليص منح التصاريح للفلسطينيين سواء للزيارة أو للعمل والتي أضرت بشكل كبير بالتواصل الفلسطيني الطبيعي بين شقي الوطن المحتل عام 1948 ودلك الدي احتل عام 1967، وزيادة نسبة البطالة بشكل كبير في صفوف العمال الفلسطينيين. جاء دلكفي ظل اصرار إسرائيل على اكمال بناء جدار الفصل العنصري، والدي حكمت محمة العدل الدولية ببطلانه، كما حكمت المحاكم الاسرائيلية بعدم قانونيته في مناطق فلسطينية محتلة عديدة، ناهيك عن قيام اسرائيل بزيادة الحواجز العسكرية المقطعة لاوصال الوطن الفلسطيني المحتل، وتشديد اجراءات العبور إلى الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.
إن حادثة تفجير الحافلة الاسرائيلية الأخيرة بينت للاسرائيليين، أن وقف تلك العمليات لم يكن بفعل الاجراءات الاسرائيلية، بل بفعل سياسة فلسطينية تحكمها المتغيرات وتبدل الاستراتيجيات.
ـ زيادة الهجمات الفردية غير المنظمة من قبل الفلسطينيين ضد أهداف إسرائيلية غير محددة. كثير ما ساد هدا النوع من الهجوم الانتقامي الفلسطيني والذي لم يتقيد بمجريات الاحداث عموماً في فلسطين لأنه يبقى حوادث فردية غير منظمة، كعمليات طعن لجنود إسرائيليين أو رمي قنابل المولوتوف البسيطة الصنع على أهداف إسرائيلية مختلفة. ولعله من الطبيعي أن يفكر الفلسطينيون بالانتقام من عدوهم المحتل الذي سفك دماء الاطفال والشيوخ في حرب غزة الاخيرة ، ولم يتوان عن سفكها في الضفة الغربية المحتلة، أو في أية مواجهة خاضها أو سيخوضها.
ـ دعم الشعب الفلسطيني بكل أطيافه الدهاب الى الامم المتحدة للمطالبة بدولة غير عضو في المنظمة الدولية.
إن المفاجأة التي حملتها تطورات الاحداث في الضفة الغربية خلال الاسابيع الاخيرة والتي تمثلت في الغاء جميع الاضرابات والفعاليات الموجهة ضد الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية، من اضراب المعلميين والموظفيين العموميين والاساتذة والعاملين في الجامعات، وسائقين النقل العام، دعماً لتوجه السلطة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة للمطالبة بالدولة، أكدت عدم صحة التحليلات السابقة والتي افترضت أن الازمة المالية وسوء الاوضاع الاقتصادية والمعيشية في الاراضي الفلسطينية المحتلة هي السبب وراء انفجار فلسطيني شعبي محتمل. لقد دعم الحراك الشعبي الفلسطيني التحرك السياسي الرسمي باتجاه الحصول على دولة من الجمعية العامة، على الرغم من الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة، ورغم التهديدات الاسرائيلية والغربية المعلنه بقطع الاموال عن السلطة الفلسطينية. فالشعب الفلسطيني أعلن بدعمه لتوجهات القيادة الفلسطينية نحو الامم المتحدة استعداده لتحمل المزيد من الاعباء الاقتصادية والمعيشية والحياتيه في سبيل تحقيق انجاز سياسي يعلم الجميع بأنه شكلي يصعب ترجمته على الارض في ظل موازين القوى المتباينة بقوة لصالح إسرائيل الدولة المحتلة. إن ذلك يعطي اجابة واضحة حول متى ولماذا يمكن أن يثور الشعب الفلسطيني؟
ولعل هناك عدد من الاعتبارات المهمة والتي فرضتها الاحداث والتحركات السياسية في المنطقة العربية والاقليمية، وتندر بامكانية تغير السياسة الفلسطينية الرسمية عموماً، تجاه السياسة مع إسرائيل.
ـ لعله ليس جديداً فشل العملية السلمية بين الفلسطينيين والاسرائيليين والتي استمرت تراوح مكانها لحوالي عشرين عاماً، إلا أن الجديد بعد انطلاق الثورات العربية، صعوبة امكانية فرض القيادات العربية عموماً والفلسطينية خصوصاً، سياسات ترفضها الشعوب، أو لا تجدها مجدية أو محققة لاهدافهم وطموحاتهم.
ويسعى الشعب الفلسطيني بكل أطيافه وأماكن تواجده نحو تحقيق استقلاله الذي ضحى ولا يزال يضحى ويستعد لتقديم المزيد من التضحيات في سبيل تحقيق هذا الهدف، الامر الذي يفسر دعم الشعب الفلسطيني لتوجه القيادة إلى الامم المتحدة، ودعم ومساندة الموقف الشعبي والشارع في الضفة الغربية لصمود أهل قطاع غزة أثناء هجوم جيش العدو الاسرائيلي على القطاع، ناهيك على دعم ومساندة الشارع الفلسطيني لصورايخ المقاومة الفلسطينية التي انطلقت من قطاع غزة ودكت مواقع الاحتلال في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، لما أحدثته تلك الصوراريخ رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالترسانة العسكرية الاسرائيلية، من تتغيير في معادلة العلاقة الفلسطينية الاسرائيلية والتي بقيت طوال سنوات عديدة أسيرة لرغبات وأهداف وشروط الطرف الاسرائيلي. كما يسعى الشارع الفلسطيني نحو الوحدة والمصالحة الفلسطينية الفلسطينية، وقد شهد الشارع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال السنوات الثلاثة السابقة الكثير من التحركات المطالبة بذلك، الا أن موقف الشارع الفلسطيني والحراك الشعبي الذي برز مؤخراً يؤكد أنه لا مجال لاستمرار الانقسام.
ـ جاء موقف الولايات المتحدة السلبي تجاه الانظمة العربية التي دعمتها طوال عقود عديدة، وعدم القدرة على حمايتها، بل وتغير سياسة الولايات المتحدة ايجابياً تجاه تيارات كانت تراها معادية لها قبل نجحها في الوصول إلى السلطة بفعل قوة الشارع العربي، ليفرض على السلطة الفلسطينية ضرورة اعادة النظر في التعويل على دعم واشنطن التي خدلت حلفاءها، حيث لا مجال اليوم وبعد تجربة الربيع العربي، لاعتماد القيادات العربية عموماً والفلسطينية خصوصاً إلا على رغبة شعوبها.
ـ تبدل التوجه السياسي الرسمي المصري بعد الثورة المصرية والداعم للموقف والسياسة الفلسطينية قد غير من شروط اللعبة السياسية.  لقد ساعد موقف الادارة المصرية قبل الثورة على انجاح السياسة الاسرائيلية والمدعومة أمريكياً بفرض الحصار على السكان الفلسطينيين في قطاع غزة، إلا أن موقف الادارة المصرية الجديدة المنتخبة بعد الثورة المصرية لم يكسر الحصار فقط عن الفلسطينيين، بل تبنى رسمياً الموقف والرواية الفلسطينية، ولعل وقوف الادارة المصرية الجديدة إلى جانب الفلسطينيين في حرب الايام الثمانية الاخيرة ضد غزة، حسب شهادة واقرار قيادات حركة حماس دليل واضح على ذلك.  كما أن الموقف الرسمي المصري اليوم يقف بقوة باتجاه تحقيق المصالحة الفلسطينية التي تقف إسرائيل بقوة ضدها.
ـ أثبتت تجربة الثورات العربية أن التعويل على التدخل الخارجي سواء كان غربياً أو شرقياً، يعود بالضرر على الدولة، وقد كان للتداخلات الخارجية في ليبيا وسوريا أسوء الأثر على واقع الثورات فيها، بينما أثبتت التجربة في تونس ومصر أن عدم السماح بالتدخل الاجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد يحمي الدول ويحفظ أمنها واستقرارها الداخي إلى حد كبير. وجاء موقف حركة حماس المؤيد للحراك الشعبي السوري والمعارض للنظام، في اطار التأكيد على أنها حركة وطنية فلسطينية تسعى لتدعيم قوتها سياسياً وعسكرياً دون توريط الشأن الفلسطيني في حسابات اقليمية قد تكون معطلة لمستقبل القضية الفلسطينية عموماً.
( الخاتمة ) :
أوقفت إسرائيل هجومها على غزة ولم تتورط في معركة برية لعدة أسباب قد يكون أهمها :
ـ تجاوباً مع الضغوط الغربية وخصوصاً الامريكية التي حذرت إسرائيل مغبة التورط في تلك الحرب في ظل وضع أمني وسياسي معقد في المنطقة.
ـ خوفاً من التورط في حرب كان مخططاً في بداياتها أن يكون لاغتيال ( محمد الجعبري ) داعماً وسنداً  لمكانة حزب الليكود في الانتخابات القريبة القادمة،  إلا أن خسائر التورط في حرب برية لم تخطط لها الحكومة الاسرائيلية  مند البداية قد يكلف  الحزب الحاكم الحالي مستقبله السياسي.
ـ وضعاً في الاعتبار تصريحات الموقف المصري الرسمي الذي لمح إلى امكانية اعادة النظر في اتفاقات السلام بين الجانبين، وعدم قدرته على الوقوف في وجه الحراك الشعبي المصري الغاضب، إن واصلت إسرائيل هجومها البري على قطاع غزة.
إلا أن أحداً لا يستطيع أن ينكر الضغط الذي شكله الموقف الفلسطيني الموحد سواء على مستوى القيادة أو على مستوى الشارع في الاراضي الفلسطينية المحتلة على إسرائيل أثناء تلك الازمة، فأعلن الساسة الاسرائيليين دون تحفظ عدم توقعهم موقف القيادة في رام الله أو الموقف الشعبي العام في الضفة الغربية.
فالتحمت المقاومة الفلسطينية على جانبي الوطن في تصعيد فلسطيني عسكري نوعي، فصواريخ المقاومة الفلسطينية انطلق من غزة وأصابت مناطق شديدة الحساسية للاسرائيليين، والمواجهات الشعبية تصاعدت في الضفة الغربية المحتلة ونبأت بانطلاق انتفاضة ثالثة ضد المحتل وأخيراً جاء انفجار حافلة إسرائيلية في تل أبيب محدثاً المزيد من القتلى والجرحى في صفوف الاسرائيليين.
لقد أخل التحام الموقف الفلسطيني على مستوى القيادة والشعب وعلى مستوى الضفة الغربية وقطاع غزة بنظرية الردع الاسرائيلية  داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي عملت إسرائيل على بنائها لسنوات عديدة، وقد شكل ذلك عامل ضغط اضافي ووضع شروط جديدة للعبة السياسية بين الفلسطينيين والاسرائيليين لا يمكن اغفالها.
كما أعطى ذلك التلاحم الفلسطيني الزخم والقوة للاعلان فلسطينياً عن فشل العملية السلمية بالانطلاق نحو الجمعية العامة لانتزاع اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية، بعد أن ساد اليأس من تحقيق أية انجازات وطنية فلسطينية من خلال المفاوضات مع الاسرائيليين.
وباتت المصالحة الفلسطينية فرضاً لا اختياراً على القيادة الفلسطينية على جانبي الوطن، فالشعب الفلسطيني بكل أطيافه أعلن كلمته في حراك شعبي جامح، وشروط التفاوض والحوار مع إسرائيل لم تعد كسابق عهدها أخذاً بعين الاعتبار عدد من القضايا:
ـ اتفاقات أوسلو وشروطها ستنتهي بمجرد اعلان الدولة الفلسطينية، ليبدأ التعامل مع الفلسطينيين على أساس التعامل رسمياً مع دولة محتلة وليس على أساس سلطة فلسطينية قائمة حسب اتفاقات أوسلو.
ـ الوضع في الاعتبار أن الدولة الفلسطينية تحمل عنواناً واحداً وشعب واحداً وسلطة واحدة، لأنه لم يعد هناك مجال للانقسام، فالانقسام يعني اليوم خيانة لمستقبل الشعب الفلسطيني وتلبية لرغبات الاحتلال.
ـ خيارات الفلسطينيين متعددة لتحقيق الاستقلال، ولم يعد التفاوض خيارها الوحيد وعلى الاسرائيليين أن يفاضلوا بين الخيارات.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر