الراصد القديم

2013/02/03

فلسطين ومحاكم التفتيش الجديدة


ليلى زيدان


  فلسطين ذات حساسية خاصة نحو مصر. وما يقع في مصر ينعكس فوراً في فلسطين، وبالتحديد في قطاع غزة الذي يرى في مصر ظهيره الأبدي. وقد أثارت التطورات الجارية في مصر غداة إعلان الرئيس محمد مرسي قرارات «ذات طابع دستوري» أسئلة متعارضة في شأن مستقبل مصر وفي شأن مكانة فلسطين في التفكير المصري الجديد. هل تسير مصر نحو ديكتاتورية جديدة حيث تجتمع جميع المؤســسات الدستورية بين أيدي الرئيس؟ هل إن مصر تنزلــق بســـرعة نحو إعادة إنتاج نظام حسني مبارك بعد الوكالة التي منحتها أميركا للرئيس محمد مرسي في أثناء العدوان على غزة؟ هل لفظت القاهرة التي ظهر في أنحائها محمد عبده وطه حسين وسلامة موسى ولويس عوض ولطفي السيد وسعد زغلول ونجيب محفوظ طابعها المدني، لتستبدل نهضتها الكبرى برداء ديني جديد بعدما بدأنا نشهد ظهور فرق المطاوعة في بعض أحيائها؟ هل تعود العلاقات بين مصر وفلسطين لتصبح مجرد ملف في ملفات المخابرات؟ هل التصريحات المتواترة للجماعات السلفية عن إلغاء أي دور للمرأة في الحياة السياسية المصرية، وعن إخفاء التماثيل بالأردية السود، وعن إتلاف بعض المشاهد في أراشيف السينما المصرية هي التي ستتحكم بالحياة الثقافية في مصر وتحكمها في الوقت نفسه؟ وهل إذا سادت مثل هذه الرؤية، وهي لن تسود على الأرجح، ألا يمكن القول إن محاكم التفتيش الجديدة عادت إلى الظهور، ولكن في مصر هذه المرة؟ وما هو موقع فلسطين لدى هذه الجماعات الجديدة التي تسيدت الدولة في مصر؟
الدين حين تتسربل به السياســـة سيـــتمخض، بلا ريب، عن محاكم مثل محاكم التفتيش، أكانت محـــاكم واقعية أم محاكم رمزية. ومن المعروف، تاريخياً، أن محـــاكم التفتيش بدأت في رؤوس رجال الكهنوت أولاً، وكانت وظيـــفتها تطبيق نصوص الإنجيل بحسب تفسير رجال الدين هـــؤلاء، ومطاردة كل من يخالف تفسيرهم، ومعاقبته في الوقت نفسه. وقد اقتُرفت في سيـاق هذه المطاردة جرائم كثيرة طالت المسائل الثلاث التالية: 1ـ الحوار الحر الذي أُغلق نهائياً. 2ـ الدين في بُعده الإيماني المحض باعتباره فضاءً واسعاً من الإيمان والتأمل يسمو بالمؤمن إلى حدود انعكاس فكرة الله نفسها في الإنسان، والدين بهذا المعنى لا يمكنه أن يكون مسطرة لتأديب «التلاميذ» أو مقصلة لقطع الرؤوس. 3ـ السلطة السياسية التي لا يجوز اعتبارها سلطة إلهية أو سلطة تحكم الناس بإرادة الله، لأن الألوهة غير منوطة بالإنسان بتاتاً.

الدين هو المتضرر

عندما نقارب هذه المسائل الثلاث اليوم بعد وصول بعض الجماعات الإسلامية إلى الحكم، ولا سيما في مصر وتونس، نلاحظ أن ثمة جماعات إيديولوجية، كالسلفية والأصولية الجديدة، والسلفية الجهادية، كالقاعدة مثلاً، تسعى إلى إغلاق التاريخ على رواية واحـــدة، وإغــــلاق الفكر على مدرسة واحدة، وإغلاق الثقافة والفنون على ذائـــقة واحدة. فإذا باتت هذه الرواية الواحدة وذلك الفكــــر الأحادي وتلك الذائقة الموحدة هي معيار الإيمان والكفر والخطـــأ والصواب، وقاعدة السلوك في مجتمعاتنا العربية المقبلـــة، فإن محاكم التفتيش تكون قد عادت إلينا بهوية جديدة هـــذه المرة لترتكب مجدداً جرائم مثلثة الأضلاع بحق الدين والفكر والسياسة؛ إن المتوقع، في هذه الحال، أن تغلق محاكم التفتيش الحوار في الوقت الذي يحتاج فيه العالم العربي إلى الانفتاح على المتغيرات التي تعصف به وبالعالم كله، مع إيماننا الأكيد أن لا شيء يستطيع اليوم أن يغلق الفكر خلف الأوصاد، لكن محاكم التفتيش الجديدة تستطيع تعقيم الفكر بحيث لا يُزهر بالحرية، وتستطيع إعاقة انبثاق الجديد في الثقافة والحياة. وعلاوة على ذلك فإن هذه المحاكم تستطيع أن تقترف المزيد من الخطايا بحق القضايا الأكثر إلحاحاً، وفي مقدمها قضية فلسطين، التي تحولت لدى البعض، إلى مجرد قضية من قضايا المسلمين مثل قضية مسلمي قبرص ومسلمي كشمير أو الفلبين، وكذلك المزيد من المصائب بحق الدين الإسلامي نفسه كما فعل رجال الدين المسيحيون قبلهم، في وقت يحتاج الدين فيه إلى إبقاء روح السمو متقدة في كثيرين من المؤمنين. وللأسف، فإن الأفعال والممارسات الإرهابية الشنيعة التي ارتكبتها «القاعدة» وأمثالها شوهت رونق الإسلام وصفاءه.
هذا في الشكل، أما في العمق فهناك ما يتناقض مع روح الإسلام نفسه. الإسلام ليس مليئاً بمقولات التسامح الديني والإسلامي فحسب، بل يكاد لا يوجد في دين من الأديان عبارات التنوع والتعدد والحقوق كما يوجد في الدين الإسلامي. فبأي عُدة إذاً يفكّر هؤلاء الذين امتطوا رقاب الناس وراحوا يسوسونهم بالعصا؟ أليس بعقلية أصحاب محاكم التفتيش؟ وبأي مسوّغ ديني يمارسون إقصاء الجماعات السياسية الأخرى؟ وكأن الآخر إن لم يكن على نهجهم وإيمانهم، فهو ليس مواطناً، وربما ليس من البشر!


خطاب واحد بلسانين

ها هم الآن في سدة السلطة في تونس ومصر، وجزئياً في ليبيا. غير أن معركتهم للوصول إلى السلطة لم تكن دينية بقدر ما كانت سياسية. والأمر الذي ظهر جلياً بعد وصولهم إلى السلطة، كان غياب شبه تام للخطابات التي سبقت وصولهم، مثل كلامهم على التعددية وحماية الأقليات والدفاع عن فلسطين وصون حقوق الإنسان... إلخ. وها نحن الآن أمام مشهد لا تماريه العين، حيث تُرتكب في تونس ممارسات معادية للحرية وضد من يجرؤ على التظاهر. والذريعة هي هي دائماً: أي مخالفة الشريعة أو مناهضة الحكومة، باعتبار أن هؤلاء المتظاهرين يعيقون عمل الحكومة ويخالفون القوانين بطريقة أو بأخرى. الإسلاميون، بهذا السلوك، يعيدون إنتاج الذرائع إياها التي كان يتذرع بها النظام القديم لردع التظاهر، وقمع المتظاهرين، وفتح أبواب السجون واللجوء إلى التعذيب. والصورة في مصر ليست أقل حلكة، فهناك ينضم يومياً إلى ذلك السيل من المطلوبين إلى المحاكم فنان من هنا أو مخرج من هناك أو كاتب من هنالك. ووصل بعض دعاة السلفية إلى حد المطالبة بهدم الأهرام لأنها أثر فرعوني. فهل نحن حقاً بصدد ولادة فراعنة جدد بالمفهوم السلطوي الحديث؟
وليس أقل مفارقة مما سبق أن الإســـلاميين في مصر يتصرفون بالمجتمع المصري كما لو أنــــه مجتمع كفرة لا يعرف الإسلام، في حين لا يوجد بلد إســـلامي يمارس الشعب فيه طقوسه الإسلامية بالدقة والالتزام كما في مصر، كما يفتقر أي بلد إسلامي إلى مرجعية فقهية وتوجيهيـــة وضابطة دينية على غرار «أزهر» مصر. ومع ذلك فالمـــرأة تمتهن بأنواع الزواج التي يصدرها فقهاء باتوا حكاماً؛ فبعد زواج المسيار وزواج المسفار جاءنا الزواج السياحي والزواج النهاري وزواج الويك إند. وفي تونس ليست الحال بأفضل منها في مصر، حيث جرى الاعتداء على معرض للفنون التشكيلية في قصر العبدلية، وعلى قاعة سينما «أفريكا»، وعلى قناة «نسمة» وغير ذلك كثير. والذريعة دائماً هي مخالفة الشريعة.

أين موقع فلسطين في خضم هـــذه المتغيرات المتلاطمة؛ المسألة غير واضحة على الإطلاق، ولعل من دواعي الخشية أن تصبح رسالة الرئيس محمد مرسي إلى «صديقه الوفي» شمعون بيريز نموذجاً دائماً للعلاقة المقبلة بين مصر وإسرائيل. وبهذا المعنى تكون فلسطين قد عادت، في التفكير السياسي المصري، إلى ما كانت عليه في عهد مبارك. وهنا الكارثة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر