الراصد القديم

2013/03/02

قدر المقاومة والقضاء المنحاز


معن بشوّر

لم تفعل حكومة صوفيا في اتهامها بالأمس لحزب الله بوقوفه خلف الاعتداء على حافلة تقلّ سياحاً إسرائيليين أكثر من تثبيت اتهام سبق لحكومة نتانياهو أن أطلقته بعد يومٍ واحدٍ من الحادثة في محاولة محمومة من حكومة تعاني ارتباكاً وانحساراً في شعبية رئيسها وتسعى إلى محاصرة المقاومة اللبنانية التي هزمت العدو الصهيوني أكثر من مرّة فشكّلت أحد مصادر القلق المتصاعد في كيان أثبت لمواطنيه أنه لم يعد قادراً على توفير "الأمن المطلق" لهم.

وكما جاء الاتهام الإسرائيلي سابقاً للتحقيق البلغاري الذي وصفه نتانياهو "بالمهنية والموضوعية"، فقد جاءت التصريحات الإسرائيلية والأمريكية اللاحقة للاتهام البلغاري تكشف أن في الأمر "صفقة" مشهودة دبرت ذات ليل بين حكومة صوفيا التي تعاني مشاكل سياسية واقتصادية، وبين تلّ أبيب وواشنطن لاستخدام حادثة بورغاس للضغط على الاتحاد الأوروبي المتردد حتى الآن في وضع حزب الله على لائحة الإرهاب، وما كشفه بوضوح زعيم المعارضة البلغارية، رئيس الحزب الاشتراكي البلغاري سيرجي ستانيشيف في ردّ مباشر على تصريح وزير الداخلية البلغاري تزفتان تزفتانون مؤكّداً أن الاتهام سياسي بامتياز، وأن دوافعه سياسية.

لقد بات واضحاً أن الحرب الإسرائيلية – الأمريكية ضدّ حزب الله، كما ضدّ حركات المقاومة العربية والإسلامية للاحتلالين الأمريكي والصهيوني، لا تتوقف، فهي حين تفشل عسكرياً وأمنياً تتحرك سياسياً، وحين تفشل في الأمرين تلجأ إلى الحرب القضائية، فيما جرائم الحرب الإسرائلية والأمريكية الموصوفة، في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان، وأخيراً في دبي حيث ثبت الضلوع الإسرائيلي في اغتيال الشهيد محمود المبحبوح، لا تجد من يحرك ساكناً ضدّها، أو يُسمح لمحكمة دولية واحدة، في لاهاي أو روما بالتحقيق فيها، وما أكّثرها.

لقد جاءت الاتهامات البلغارية والحماسة الإسرائيلية الأمريكية لها، في وقت يتجه العالم إلى حلّ سياسي للأزمة السورية المتفاقمة، وفي زمن تتزايد فيه العزّلة الشعبية العالمية ضدّ الكيان الصهيوني، وآخرها تقرير المجلس الأممي لحقوق الإنسان حول جرائم الاستيطان الصهيوني في القدس والضفة الغربية.

وجاءت هذه الاتهامات بعد أيام من غارة حربية إسرائيلية على مركز البحوث العلمية السوري في جمرايا بذريعة استهداف صواريخ سورية متطوّرة تذهب إلى المقاومة في لبنان، وبعد أسابيع على تصويت معظم دول الاتحاد الأوروبي لصالح قرار الأمم المتحدة، باعتبار فلسطين عضو مراقب في الجمعية الأممية، وبعد شهرين على فشل العدو الذريع في قهر المقاومة الباسلة في غزّة، والتي أكّد انتصارها الجديد أن خيار المقاومة هو الخيار الأنجع في مقاومة الاحتلال، وهو خيار شكّلت المقاومة اللبنانية أحد أبرز مرتكزاته وعناصر قوته الرئيسية.

ولعل الرد الأجمل والأسرع على هذه الحرب المستمرة ضدّ المقاومة بكل اجنحتها العربية والإسلامية جاء من قلب مجلس العموم البريطاني حيث جاء بول بريمر الحاكم العسكري الأمريكي السيء الذكر إليه متحدثاً عن "بطولاته" أثر احتلال العراق، فرماه مواطنون عراقيون بالأحذية "كهدية" له من شعب العراق على غرار حذاء منتظر الزيدي لجورج بوش الإبن في بغداد قبل سنوات.

فهل سنجد في لبنان والأمة العربية وبقية الدول الحرّة في العالم من يرمي حذاءه في وجه الاتهام البلغاري الظالم الذي يضاف إلى سلسلة اتهامات جائرة أُطلقت في وجه حزب الله في عدّة بلدان في العالم وهدفها الدائم، هو وصمّ المقاومة اللبنانية الباسلة بالإرهاب، فيما الإرهابيون الحقيقيون في تلّ أبيب وواشنطن ينصبون أنفسهم قضاة دوليين في عالم يضج بازدواجية المكاييل.

لن يؤثر الاتهام البلغاري – الإسرائيلي – الأمريكي الجديد في مناعة حزب الله المقاوم، كما لم تؤثّر فيها الحرب المستمرة عليه منذ عقود، ولكن هل يدفع هذا الاتهام البعض إلى إدراك مصادر الخطر الحقيقي على بلادنا وحقوقنا، فنتجه أكثر نحو التضامن والتماسك والوحدة والالتفاف حول مقاومتنا، أم أنه سيطلق أوهاماً جديدة عند من يغلّب المصالح الصغيرة، والعصبيات المريضة على الاعتبار الوطني والقومي والإسلامي. في جميع الأحوال، لا يمكننا إلاّ أن نرى "فضيلة" في الاتهام البلغاري، وهي أنه كشف ارتباك أعداء أمتنا وتراجع أساليبهم في الحرب على المقاومة، التي باتت قدر الأحرار في الأمّة بوجه كل قضاء ظالم بما فيه القضاء البلغاري الذي تسعى حكومة صوفيا إلى أن تتقاسم "جبنة" الانحياز ضدّ المقاومة مع الأفواه الشرهة في تلّ أبيب وواشنطن.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر