الراصد القديم

2013/05/01

جونسون: الجماعة أقرب لقلب أمريكا من السلفيين


سيد جبيل
قال الصحفى الكندى الشهير إيان جونسون مؤلف كتاب "مسجد في ميونخ" ، إن المخابرات الأمريكية دعمت الإسلاميين لعقود طويلة، بهدف ردع الاتحاد السوفيتى، وإن الـCIA والمخابرات البريطانية تعاونتا مع الإخوان لاغتيال جمال عبدالناصر، كما سبق أن تعاونا مع الإسلاميين لإسقاط آخر رئيس حكومة منتخب فى إيران الدكتور محمد مصدق، وإن الـCIA لعبت دوراً فى ترويج أفكار الجماعات الإسلامية المختلفة. وأوضح مؤلف كتاب «مسجد فى ميونخ»، أن خوف واشنطن من «القاعدة» دفعها إلى التعاون مع كل الجماعات الإسلامية التى لا تحمل السلاح، ومنها جماعة الإخوان، التى أكد أن لها مناصرين فى قلب الإدارة الأمريكية منذ أيام بوش الابن. وفى حديثه لـ«الوطن» أكد الصحفى الشهير -الحاصل على جائزة بوليتزر- أن مشكلة الإخوان الرئيسية أنها تنظر إلى كل قضايا العالم من منظور الدين.. ولا يمكن اختزال كل مشاكل العالم الحديث فى الدين على أهميته. وتابع «جونسون» أن جماعة الإخوان عاشت لعقود طويلة تحت الأرض، ما جعلها تتبنى توجهات غير صحية، وغرقت فى نظريات المؤامرة، واستبعد أن تكون قادرة على حكم مصر بشكل ناجح، واقترح أن يشكرها المصريون بلطف ويطلبوا منها بأدب أن تحل نفسها بنفسها!

* كيف ترى جماعة الإخوان؟

- مشكلة الإخوان الرئيسية أنها تنظر لكل المشكلات والقضايا من زاوية واحدة وهى الدين، وتحديداً الإسلام وليس أى دين آخر. بالنسبة لهم «الإسلام هو الحل» لكل مشكلة والجواب لكل سؤال. ومشكلة هذا التوجه هو أننا جميعا نعيش فى مجتمعات متعددة الثقافات، ومصر لديها مسيحيون وعدد قليل من اليهود. ومع انفتاح العالم وتقارب ثقافته وأفكاره يصبح تعدد الثقافات فى كل مجتمع أكثر وضوحاً، وتصبح رؤية الإخوان مشكلة أكثر صعوبة، فتعريف أى مجتمع بهويته الدينية فقط «استبعادى»، الأفضل لأى نظام سياسى أن يكون محايدا دينيا، حتى لو كان دين معين ملهما لهم، وحتى لو رئيس وأعضاء البرلمان متدينون وورعون. من وجهة نظرى، ليس هناك ما يعيب على الإطلاق -فى الواقع هو قوة إيجابية من أجل الخير فى المجتمع- لكن نظاماً سياسياً قائماً على الدين وحده فى عالمنا الحديث، سيجد صعوبة فى تحقيق العدالة بين جميع المواطنين، هذا هو مشكلة الإخوان الأساسية. وبالإضافة إلى ذلك، بطبيعة الحال، هناك مشاكل أخرى، ليست الجماعة مسئولة عنها جميعا؛ فالإخوان جماعة عاشت تحت الأرض لفترة طويلة، ما جعلها تتبنى توجهات غير صحية، مثل السرية والإغراق فى نظرية المؤامرة، ولست واثقا إذا كانت جماعة بهذا الشكل هى الأفضل لحكم مصر. الإخوان مثل جماعات ثورية كثيرة كان لها دور تاريخى فى مصر لكنها ليست مناسبة لإدارة شئون البلاد، وربما تستحق منا التكريم والثناء عليها، ومطالبتها بأدب أن تحل نفسها بنفسها!

* كيف بدأت ظاهرة الإسلام السياسى؟ وما حجم دور الإخوان فى هذه الظاهرة؟

- أعتقد أن الإسلام السياسى بدأ فى القرن التاسع عشر كرد فعل على «الحداثة» التى فرضتها الدول الغربية المحتلة على المصريين والعالم العربى. وكانت عملية التحديث وحشية فى جميع البلدان وقاسية حتى على الدول الغربية نفسها، لكنها أكثر قسوة على العرب لأنها فرضت عليهم ولم يختاروها طائعين، ما أدى إلى رد فعل عنيف، وكان الإسلام السياسى وجماعاته المتشددة أحد مظاهر رد الفعل. وبالمناسبة رفض الحداثة والثورة عليها موجود فى دول أخرى، منها الصين على سبيل المثال، فهناك رفض من جانب قطاعات كبيرة للنظام السياسى والاقتصادى المفروض عليها.
أقترح أن يوجه المصريون الشكر للتنظيم.. ويطلبوا منه بأدب أن يحُل نفسه بنفسه!

أما فيما يتعلق بالجزء الثانى من السؤال، فالإخوان هى الجماعة الأكثر تنظيما وفعالية بين كل جماعات الإسلام السياسى فى العالم، وقد استلهمت فى تنظيمها الأحزاب الفاشية والتنظيمات الشيوعية (التى أسسها تحديدا لينين)، وأحد نقاط قوتها قدرتها على البقاء تحت الأرض لفترات طويلة، كما تمكنت من تكوين خلايا وجماعات كثيرة خارج مصر. وأكثر ما يميز الإخوان عن غيرها من الجماعات الإسلامية قدرتها على التنظيم.

* فى كتابك ذكرت أن القيادى الإخوانى سعيد رمضان كان يتلقى راتباً من الـCIA نظير خدماته لهم. هل هذا استنتاج أم حقيقة لديك دليل عليها؟

- لا! أنا لم أقل إنه كان بالتأكيد على جدول رواتب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، أنا قلت إن هذا ما قالته عنه وثائق مخابرات سويسرا وألمانيا، وليس لدىّ دليل على ما قالوه سوى أنهم قالوه. لكن هناك أدلة على أن الجانبين على الأقل تعاونا معاً، فقد كان لديهما نفس العدو وهو جمال عبدالناصر. وفى بعض الأحيان ضم مجلس إدارة مسجد ميونخ (المركز الإسلامى فى جنيف، الذى ساعده الأمريكان فى بنائه عام 1961) عدداً من أبرز رموز الحركات الإسلامية الدولية، من الإخوان فى مصر والجماعة الإسلامية فى باكستان وغيرهم، وكل هذا ثابت فى محاضر وأوراق مكتب ميونخ للوثائق والسجلات.

* قلت فى كتابك إن النازيين كونوا شبكة من المسلمين تحت قيادة شخص يدعى «جيرهارد فون مندى» لمواجهة الروس، وإن الأمريكان سرقوا تفاصيل هذه الشبكة وسلموها لسعيد رمضان. فكيف استفاد «رمضان» من تلك الشبكة؟

- وكالة الاستخبارات المركزية لم تسلم هذه القائمة له، لكنها قامت بـ«بناء» رمضان ومساعدته فى تكوين مؤسسة تستحوذ وتستفيد من شبكة «فون مندى»، وبالفعل قام «رمضان» بالاستحواذ على مشروع «مندى» وقام ببناء مسجد فى ميونخ، حوله إلى المقر الرئيسى لجماعة الإخوان فى الخارج لأكثر من 20 سنة.

* هل العالِم الإسلامى المعروف الدكتور طارق رمضان حفيد البنا المقيم فى سويسرا على صلة أيضاً -مثل والده- بوكالات الاستخبارات الغربية؟

- ليس لدىّ دليل على ذلك، ولا أعتقد أن هذا أمر وارد، فالدكتور «رمضان» من مشاهير الفكر فى أوروبا، ويحظى بشعبية كبيرة بين اليساريين الغربيين، لتوجهاته الظاهرية الداعمة لاحترام تعدد الثقافات ومناهضة الاستعمار. لكن ما يغيب عن الأوروبيين المعجبين به أن أفكاره «رجعية إلى حد كبير».

* تحدثت مراراً عن أن الحكومات الغربية وأجهزتها الأمنية، خاصة البريطانيين والأمريكيين، قد ساعدت فى تمويل ودعم الجماعات الإسلامية المختلفة حتى يكونوا أدوات لها فى محاربة خصومهم. هل هذا يعنى أن الأمريكان اخترقوا هذه الجماعات؟

- أنا لا أعرف إذا كان قد تم اختراقها أم لا. مشكلة البحث عن مثل هذه المعلومات أن أرشيف الـCIA شبه مغلق أمام الباحثين عن إجابات محددة لهذه الأسئلة، ومع ذلك فطبقاً للوثائق المفرج عنها والوثائق المتاحة لدى وكالات استخبارات أخرى أكثر انفتاحا فى فتح أرشيفها، نستطيع أن نستنتج أن الاثنين عملا معا ضد عدو مشترك. وأعتقد أن الـCIA ساعدت فى تمويل بعض الأنشطة والمؤتمرات والاجتماعات التى نظمتها هذه الجماعات لترويج أفكارها. وفى كتابى ذكرت مؤتمرين لسعيد رمضان قامت الـCIA بتمويلهما على وجه اليقين، كما أنه شارك فى مؤتمر فى الولايات المتحدة عام 1954، كان هدفه دعائياً للحكومة الأمريكية، وليس واضح لى إن كان قد علم بذلك، لكنه كان بالتأكيد مستعدا ومرحبا بقبول التمويل.

* يغضب قادة الإخوان والسلفيين حين نذكر اتصالاتهم بالغرب، فضلاً عن التعاون مع أجهزته الأمنية. هل تعتقد أن القادة الحاليين لا يعرفون هذه الحقائق أم يعرفون ويكذبون؟

- أعتقد أن معظمهم لا يريد أن يفكر فى الماضى، ومشكلة كثير من الإسلاميين أنهم دائما يطلبون منا أن ننسى الماضى ونفكر فى الحاضر والمستقبل، وبالتالى ننسى الجماعات الإرهابية التى استلهمت أفكارها من قادتهم ورموزهم، و«رجاء اعتبرونا كمؤسسات ديمقراطية حديثة».. نظرياً يبدو مطلبهم عادلا، فالمؤسسات يمكن أن تتغير، ويجب علينا أن نقبل هذا، لكنهم سيكونون أكثر مصداقية لو تحلوا بالصراحة وقالوا: حسنا، ما فعله بعض آبائنا المؤسسين سيئ لكننا غيرنا هذا، بعبارة أخرى: نحن انفصلنا عنهم. لكن أعتقد أن لديهم صعوبة فى القيام بذلك، ولكن لأنهم يرغبون فى مغازلة قواعدهم ودوائرهم الانتخابية المتشددة المسحورة بهم وبرموزهم من أمثال سيد قطب.

* كيف ترى علاقة الإخوان بـ«واشنطن» مؤخراً؟

- يمكن أن نرى بوضوح أن وزارة الخارجية كانت داعمة جدا للإخوان، وتجنبت دائما أى نقد واضح لسياساتهم. أعتقد أنها تشعر بأن جماعة الإخوان هى القوة الوحيدة -بجانب الجيش- التى يمكن الاعتماد عليها، وبالتالى فهى غير راغبة فى انتقادها. بعض الساسة الأمريكان يرون فى هذا التوجه برجماتية، لكننى متشائم من ذلك، ولا أنتظر خيراً من الإخوان.
الإخوان استفادوا كثيراً من تنظيم القاعدة وهناك من يدافع بقوة عن الإخوان فى واشنطن

* يعتقد الكثيرون أن اهتمام «واشنطن» بالإسلاميين قد تلاشى إلى حد كبير مع نهاية الحرب الباردة فى التسعينات، وأن الربيع العربى جدد هذا الاهتمام. هل تتفق مع هذا التصور؟

- تجدد اهتمام «واشنطن» بالإسلاميين بدأ مبكرا قبل الربيع العربى، فإرهاب القاعدة ساعد الإسلاميين -خصوصا الإخوان-كثيرا، فخلال الولاية الثانية للرئيس جورج بوش الابن (من 2005 إلى 2009) أصيبت الولايات المتحدة بالإحباط من حروبها فى الشرق الأوسط، والنتيجة أنها بدأت تصنف الإسلاميين نوعين؛ القاعدة، وهؤلاء يجب تدميرهم، وإن لم يكن قاعدة يمكن العمل معهم «مهما كان خطرهم». هذا يعنى أن الكثير من الجماعات، ومنها جماعة الإخوان المسلمين، تحولت إلى تنظيمات مقبولة للحكومة الأمريكية، يمكنك أن ترى هذا بوضوح فى الغرب، حيث رعت إدارة «بوش» مؤتمرات لشخصيات وجماعات إسلامية، على سبيل المثال فى بروكسل، هذا مفصل فى كتابى، ووجدنا مسئولين فى الخارجية الأمريكية، مثل روبرت لايكن، يدافع عن الإخوان ويدعو لدعمهم.

* كيف تحاول «واشنطن» أن تؤثر على مستقبل الشرق الأوسط، خصوصا مصر، من خلال دعمها للسلفيين والإخوان؟ وأيهما أقرب لواشنطن؟

- الإخوان أقرب كثيرا لقلب «واشنطن»، فالسلفيون ما زالت لديهم نزعة للعنف، ولا يتحدثون -ولو بسطحية- بلغة يفهمها العالم الحديث.. أما الإخوان فيرتدون بدلاً أنيقة ويتحدثون عن حقوق الإنسان وحرية التعبير، وبالتالى يبدون شركاء جيدين. مشكلة الأمريكان أنهم لا ينظرون إليهم بعمق أو أنهم سعداء بالإخوان كحل مؤقت لتحقيق استقرار واهٍ فى المنطقة، ولا يريدون أن يعرفوا أو يروا أى جوانب أخرى لهذه الجماعة.

«إيان جونسون» فى سطور

• أحد أهم صحفيى التحقيقات الاستقصائية فى العالم.

• حصل على عدد كبير من الجوائز العالمية على تحقيقاته وكتبه، ومنها جائزة «بوليتزر» فى عام 2001.

• انتقل للعمل فى صحيفة «وول ستريت» بداية من 1997 ولمدة 13 عاما، واحتل فيها عدة مناصب تحريرية قيادية قبل أن يتركها ليتفرغ للكتابة.

• بعد 11 سبتمبر قاد فريقاً من 12 صحفياً متخصصاً فى قضايا الإرهاب، وأجروا سلسلة تحقيقات أهلتهم للفوز بجائزة «صندوق مارشال بيتر سيتز» الألمانية.

• وفى عام 2005 كتب سلسلة تحقيقات عن جذور الإسلام السياسى فى أوروبا، تحولت إلى كتابه الشهير «مسجد فى ميونخ» عام 2010.

• اختير زميلاً لمؤسسة «نايمن للصحافة» بجامعة هارفارد، بين عامى 2006 و2007.

• حالياً يقيم فى عاصمة الصين «بكين» كاتباً متفرغاً بعد اعتزاله الصحافة.

• حاصل على بكالوريوس فى الدراسات الآسيوية، ثم ماجستير فى الدراسات الصينية.

• ولد «جونسون» فى مونتريال بكندا. يجيد الألمانية والصينية والفرنسية. وله عدة مؤلفات، أشهرها بعد «مسجد فى ميونخ»: «العشب البرى»، عن المجتمع المدنى فى الصين.





«إيان جونسون»:

أحد أهم صحفيى التحقيقات الاستقصائية فى العالم، ولد فى مونتريال بكندا، يجيد الألمانية والصينية والفرنسية، وله عدة مؤلفات، أشهرها بعد «مسجد فى ميونخ» «العشب البرى» عن المجتمع المدنى فى الصين.

حصل على عدد كبير من الجوائز العالمية على تحقيقاته وكتبه، ومنها جائزة «بوليتزر» فى عام 2001.

انتقل للعمل فى صحيفة «وول ستريت» بداية من 1997 ولمدة 13 عاما، واحتل فيها عدة مناصب تحريرية قيادية قبل أن يتركها ليتفرغ للكتابة.

بعد 11 سبتمبر قاد فريقاً من 12 صحفياً متخصصاً فى قضايا الإرهاب، وأجروا سلسلة تحقيقات أهلتهم للفوز بجائزة «صندوق مارشال بيتر سيتز» الألمانية.

وفى عام 2005 كتب سلسلة تحقيقات عن جذور الإسلام السياسى فى أوروبا، تحولت إلى كتابه الشهير «مسجد فى ميونخ» عام 2010.

اختير زميلاً لمؤسسة «نايمن للصحافة» بجامعة هارفارد، بين عامى 2006 و2007.

حاليا يقيم فى عاصمة الصين «بكين» كاتباً متفرغاً بعد اعتزاله الصحافة.

حاصل على بكالوريوس فى الدراسات الآسيوية، ثم ماجستير فى الدراسات الصينية.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر