الراصد القديم

2013/05/01

هل ضاعت البوصلة؟


الياس خوري

ليس واضحا الى أين تتجه المنطقة العربية؟ فالاشارات الاولية عن عودة الصراع السني – الشيعي الى الواجهة، تتحول الى حقائق ملموسة على ارض الصراعات المفتوحة في سورية. والصراع السعودي – الايراني، يتحول الى عنوان شبه يومي، تشارك فيه دول الخليج والعراق بنسب متفاوتة. والحمّى تصيب الجميع بحيث انها تكاد تمحو اهداف الانفجار الثوري الذي بدأ في تونس، ووصل الى ذروته الدامية في سورية.
كأن المشرق العربي يضيّع معناه وسط هذه الفوضى العارمة التي تكاد ان تبتلع الجميع، وتطيح بكل الأفكار النبيلة التي سمحت للثورات العربية بتقديم جرعة تفاؤل وأمل كانت المنطقة في أمس الحاجة اليها.
نعود الى البداية، والبداية في رأيي هي كناية عن مشروع سياسي أخلاقي، انطلق بلا تخطيط مسبق وبلا قيادة واضحة، كي يزيح كابوس الاستبداد الذي يمسك بخناق الشعوب العربية منذ خمسة عقود.
الهدفان اللذان اعلنتهما الثورات العربية كانا بسيطين وواضحين: حرية المواطن والوطن وكرامتهما.
لكن الطريق الى هذين الهدفين بدا متعرجا، واتخذ اشكالا متعددة، سُرق في مكان وتلوث بالتدخل الاجنبي في مكان آخر، والتبس في العديد من الأماكن، ووصل الى لحظة بالغة الخطورة حين حاولت أنظمة النفط والغاز الهيمنة عليه.
هكذا يحاول النظام العربي القديم تحويل الثورة الى ثورة مضادة، مستخدما ادوات شتى، بهدف محو فكرة الحرية والكرامة، واستبدالها بخطاب قديم يفتح الصراع في المنطقة على هاوية الاستقطاب الطائفي – المذهبي، بحيث نغرق في دمائنا، ولا يخرج منتصرا من هذه الجولة الا الدولة الصهيونية، لأنها الدولة الوحيدة التي بنيت على اساس طائفي عنصري متين. وكل كلام طائفي لا يعي هذا المنزلق هو مجرد وصفة للانهيار والخمول.
من المسؤول عن هذا الضياع؟
من السهل ان نقول ان الانظمة الاستبدادية هي المسؤولة، لأنها حطمت النخب الثقافية والسياسية، وقوضت البنيان الاجتماعي. لكن بعد اكثر من سنتين على اندلاع شرارة الثورات، فإن هذا العذر لم يعد يكفي. آن للنخب الجديدة ان تكون قد تعلمت شيئا، وان تتصدى للقيادة، قبل ان يفلت زمام الأمور بشكل كامل.
كما ان وضع اللوم على العالم، اي على القوى الغربية وروسيا، لا يدل الا على السذاجة، فهذه القوى تتلاعب بالمنطقة في هذه المرحلة الاستعمارية الجديدة بحسب مصالحها. روسيا تتحجج بالدفاع عن الأقليات، ويأتي مبعوثوها الى لبنان لإحياء رميم الحنين الى القرن التاسع عشر، بينما تواصل امريكا لعبة الانتظار واستنزاف الايرانيين والروس ومن لف لفهما.
لا شك ان الكثير من اللوم يمكن وضعه على القوى الاسلامية التي نجحت في الاستيلاء الجزئي على السلطة في مصر وتونس، واثبتت انصياعها للترسيمة الامريكية للمنطقة من جهة، وعجزها عن استعادة المبادرة من المركز النفطي الخليجي، بل استرهانها من قبله من جهة ثانية.
لكن اللوم الأكبر يجب ان يوجه الى النخب العلمانية والمدنية والديموقراطية، التي عجزت عن رسم افق سياسي جديد في المنطقة.
المسألة تقع في ذلك الفصل التعسفي وغير الواقعي بين كرامة المواطن وكرامة الوطن، الذي سقطت فيه النخب الليبرالية، بحيث ابتلعت المقولة الامريكية عن امكانية فصل الديموقراطية عن الصراع العربي – الاسرائيلي، مما سهل وقوعها في مأزق التبعية للدول النفطية، وسهل تاليا احلال الصراع السني – الشيعي في مركز الصدارة.
بدل ان تستعيد الثورات العربية مركزية المشرق العربي، بوصفه بؤرة الصراع وبوصلتها، استسهلت بطرفيها الاخواني والليبرالي التحالف مع الولايات المتحدة بالشروط الامريكية، اي شروط وضع الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي في أسفل سلم الاولويات، وبذا فقدت قدرتها على القيادة، وسقطت أسيرة الاستقطاب المخيف الذي يهدد المنطقة بالانهيار الشامل.
وفي المقابل فإن التشنج الايراني المدعوم من حزب الله في مواجهة ثورة الشعب السوري، وجنون القمع الذي يمارسه نظام الاستبداد المافيوي المخابراتي في سورية، عززا من هذا الاتجاه، وصار العالم العربي طرفا في الرهاب من النووي الايراني. اي بدل ان يكون المشروع النووي الايراني ورقة تفاوضية عربية من اجل البحث في الخطر النووي الاسرائيلي، وهو الخطر النووي الوحيد في المنطقة حتى اشعار آخر، صار النظام العربي مجرد ملحق تافه بالمشروع الامريكي.
وهذا يثبت مرة جديدة ان الاحزاب الدينية، حتى لو قامت بمقاومة المحتل، محكومة بأن تعود الى بنيتها الأصلية التي تقودها الى التحول الى ميليشيات طائفية مذهبية.
استمعنا كثيرا الى جوقة الزاعمين ان الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي افقر المنطقة، لكن الاستسلام لا يعني ان الافقار توقف، بل ازدادت معدلاته بشكل مخيف وخصوصا في مصر. ولم يعد هناك اي مقياس للكيفية التي تتصرف بها المشيخات النفطية بثرواتها الطائلة، بينما يجوع العرب ويتشردون.
يجب بناء لغة جديدة مناقضة لزمن الاستبداد، وهذه مهمة عاجلة بشكل خاص في سورية. فالشعب السوري الذي قدم للعرب والعالم نموذجا فريدا في الصمود امام الوحش الذي لا يرتوي من دماء ضحاياه، يستحق قيادة عقلانية تمسك بزمام المبادرة وترسم افق الثورة الديموقراطي بعيدا من هذه الحفلة التنكرية التي تدور في العواصم العربية والأجنبية.
نظام الاستبداد السوري الذي نظّم الصراع الطائفي في لبنان من اجل سحق المقاومة الفلسطينية اولا، وتحطيم الروح الوطنية ثانيا، يجد نفسه اليوم وسط هذا الخطاب العنصري الطائفي في بيئته، مستمدا منها القدرة المعنوية على مواصلة سياسة الجريمة والقتل.
المسألة في سورية اليوم تكمن في استعادة المعنى، وعلى الثورة السورية بجميع اطيافها ان تعي ان اضاعة فرصة استعادة البوصلة هي الخطأ الذي لا يُغتفر.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر