الراصد القديم

2013/05/01

الفوضى السياسية العربية الراهنة.. تجلياتها وأخطارها


اسماعيل ابو البندورة
 
كان من المتوقع أن تنتج هذه الانتفاضات العربية التي حدثت في اكثر من قطر عربي حالة جديدة من الفوضى والاختلاط وتداخل الخنادق، وأن تثير المزيد من التناقضات والاشتعالات الضارة، ذلك أن التحولات التاريخية الكبرى لا بد وبالضرورة أن تحمل معها مثل هذه التجليات والظواهر السالبة، ولابد من توقع حدوثها وخصوصا في الحالة العربية التي تراكمت فيها كل مؤشرات وعوامل الانحلال والتفكك والتعفن وغياب المجتمعات وتهميشها وانحدار المستويات، وتعطل التاريخ وغياب العقل في العقود الاربعة الاخيرة .
وأتت هذه التحولات الجديدة لتخرج تناقضات الامة العربية كاملة الى دائرة الضوء والعلنية، وبدأ صراع هذه التناقضات التي لم تسوّ في مراحل تاريخية وسياسية سابقة، يتجلى ويتصاعد ويتوسع ويعبر عن نفسه بالفوضى والاختلاط في معظم الاحيان، وهذا ما غيّر أو قلب صورة المشهد وجعل الفرحة السياسية البدئية باستنهاض مرحلة تغييرية جديدة في الحياة العربية، تتحول الى حزن وكآبة وحيرة لاتزال تقف امام العقل وتكاد ترغمه على التشاؤم .
ومع أن الفوضى الراهنة لم تخرج عن السياقات المتوقعة والمألوفة في كل التجارب العالمية، اذ ان من المعتاد أن يسود بعض العماء السياسي والارتجال في بعض لحظات الثورات والانقلابات العصيّة، وأن تنشأ الفوضى وتحل في كل مكان وزمان كان يكتم ويتحفظ على التناقضات السياسية والمجتمعية، ويرّحلها ويؤجلها، لتعود وتنبثق وتصطرع وتخلق التباسات كبيرة وحادة في مسارات السياسة والاجتماع والاقتصاد، وتنذر بالتجابه أو العدمية والاستحالة والعودة الى الأسوأ !
وليس سهلا على المجنمعات المغيبة والمقهورة والمهدورة أن تنتج بشكل سحري بديلا ناضجا ومثاليا في برهات زمنية قصيرة، ذلك أن عليها أن تدخل مخاضات شاقة وكثيرة، وأن تشهد تلاطمات حادة قبل أن تحقق الاستقرار، والوصول الى يقينات اجتماعية وسياسية تجعل المجتمع يلتف حولها ويحولها الى حالة ايجابية من الخلاص والتحرر والتطور والتغير والتقدم الى الامام .
ان مثل هذه المقدمات عن الفوضى ومدى اشتغالها تريد أن تبين أن تسريع التاريخ ( واشتهاء الانجازات السريعة ) بطريقة اعتباطية قد تعود بالضرر على الجميع، وقد تقفز فوق الحقائق والمسائل التي تفرزها حركة التاريخ الجديدة في مجتمعاتنا، ويمكن أن تؤدي الى ارتباك في حركة التاريخ العقلانية التي نريد، هذه الحركة الساعية الى تغيير المفاهيم والثقافات والذهنيات وتحويل المجتمعات بطريقة ثورية وجذرية تقتلع كل ما سبقها من توهمات حول التغيير السريع والناقص والقشري والشكلاني الذي سرعان ما يخمد ويعيد الدول والمجتمعات الى سابق اطوارها .
ولذلك فنحن فهمنا ونفهم ما يجري على طريقتنا التي تريد أن تلتقط اللحظة التاريخية الراهنة وتجذرها وتؤصلها، وأن تحولها الى انقلاب ايجابي عميق في الحياة العربية حتى ولو بعد حين يطول أو يقصر، وتسعى الى شرح وتشخيص كل مجريات ومفردات هذه الانتفاضات وتعميقها وتعميق الحوار العربي حولها، بادئة بمباركة انبثاقها وانبنائها الذاتي الاولي الذي تمثل بحضور الجماهير الكاسح بعد غياب طويل، واسقاطها الظافر للدولة العربية التسلطية وثقافة الخوف، وتلك كانت المقدمات المفرحة للعقل والمؤذنة بحركة نقية للتحول التاريخي، ومن ثم تتبّع التجليات السلبية اللاحقة المتمثلة بالثورات المضادة الاجهاضية، والاستدخالات الاستعمارية والصهيونية التي نجحت الى حد ما في تحويل بعض الانتفاضات عن مجراها التاريخي والوطني، أو سرقتها واختطافها، واشعال التناقضات والفوضى الهدامة في كل قطر عربي استطاعت أن تمد يدها اليه وتعبث في حراكه .
اذن كانت لدينا ولا تزال فوضى متراكمة داخل مجتمعاتنا، وتناقضات كامنة غير متجاوزة، وتحديات هائلة، وكانت هناك فوضى بفعل خارجي ارادت اعتراض طريق نهضتنا في كل حالاتها وأطوارها، وتحويل حراكنا التاريخي العربي الى فوضى هدامة غير خلاقة، تريد أن تقطع تاريخنا وتلبسه لبوس التوحش، وتوقف تطورنا وتبدد طاقات شعوبنا وتهدر ارادتنا القومية من خلال انشاء فضاءات للاقتتال والوحشية، وتدمير الاوطان واعادتها الى ما قبل التاريخ، واحياء كل العصبيات والمذهبيات التحتية لتكون في اندفاعاتها الهائجة نارا تحرق بلادنا وأوطاننا، أو لتكون الصورة القبيحة المستمرة للوطن العربي .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر