الراصد القديم

2013/06/01

المؤتمر القومي العربي في القاهرة بعد 24 عاماً .......المعادلة الذهبية والاستقلالية الصعبة


معن بشور

بعد 24 عاماً يعقد المؤتمر القومي العربي دورته السنوية الرابعة والعشرين غداً السبت في القاهرة ويفتتح أعماله بزيارة ضريح الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأكيداً على الوفاء لقائد ورمز جسّد عروبة مصر، وأكد على قيادة مصر لأمتها العربية، وعلى دورها المتميز في الدوائر الإسلامية والأفريقية والعالمية، بل هي زيارة لا تعبّر عن حنين إلى زمن جميل فحسب، بل تتمسك بنهج وحدوي جامع هو ضمانة المستقبل.

ويكتسب انعقاد هذا المؤتمر في القاهرة، والذي يحضره أكثر من 250 شخصية عربية من مختلف أقطار الوطن العربي، ومن كل التيارات الملتزمة بالمشروع النهضوي العربي أهمية استثنائية بعد ثورة 25 يناير، وفي أجواء اضطراب واسع تعيشه العديد من البلدان والمجتمعات العربية، وفي ظروف تشتد فيها الحاجة إلى تيار جامع عابر للأقطار والعصبيات التقليدية ومرتبط بمشروع نهضوي شامل بعناصره الست "الوحدة العربية" و "الديمقراطية" و" الاستقلال الوطني والقومي" و "التنمية المستقلة"، و "العدالة الاجتماعية" و "التجدد الحضاري".

ويواجه المؤتمر أيضاً، كما واجه في كل دوراته السابقة، حملات بسبب مكان انعقاده، وبعضها متناقض يسعى حيناً إلى اتهامه، كما جرت العادة، بأن انعقاده في القاهرة سيوفر غطاءً للرئيس المصري الدكتور محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، فيما يتهمه البعض الآخر بأنه يجتمع لينصر فريقاً سياسياً معارضاً على الفريق الحاكم، بينما يعرف كل من واكب مسيرة المؤتمر منذ تأسيسه قبل ربع قرن انه إطار بالغ الحساسية تجاه كل ما يمس استقلالية مواقفه ووحدوية منطلقاته، وانه قد دفع أثماناً باهظة بسبب حرصه على هذه الاستقلالية.

لقد انعقد المؤتمر بدوراته العادية، أو باجتماعات أمانته العامة، في تونس، الأردن، لبنان، المغرب، مصر، الجزائر، العراق، البحرين، اليمن، قطر، سوريا، السودان، محافظاً دائماً على استقلاليته الكاملة في نقاشاته ، كما في بياناته الختامية (بيان إلى الأمة)، وإذ قيّض لأعضائه أو أعضاء أمانته العامة أن يجتمعوا برئيس أو حاكم كانوا يصارحونه بشفافية بالغة بكل ما يمس قضايا الأمة الكبرى، وحتى بهموم القطر الذي يحكمه وحاجته الماسة للإصلاح والديمقراطية.

ولقد اعتمد المؤتمر في أدائه منذ تأسيسه معادلة ذهبية تقوم من طرف على رفض حازم وقاطع لأي اعتداء خارجي على أي قطر عربي، سواء كان الاعتداء هجوماً عسكرياً أو احتلالاً أو حصاراً أو تدخلاً سياسياً، كما على دعم كل حركات المقاومة دون أن يقع كالكثيرين في ازدواجية المعايير، أو في التمييز بين هذه المقاومة أو تلك.

كما تقوم هذه المعادلة من طرف ثاني على السعي لإطلاق الحوار داخل مكونات الأمة. كما داخل، المكونات في كل قطر عربي، على طريق الإصلاح والديمقراطية ورفض الاستبداد والفساد والتبعية، بل كان المؤتمر دائماً يرى أن افعل أشكال مقاومة التآمر الخارجي يكون بإغلاق كل الثغرات الكامنة في البنى الداخلية عبر إصلاح ديمقراطي شامل.

وكان المؤتمر يدرك أن تعقيدات الواقع العربي، لا يمكن معالجتها بالوصفات المبسطة الجاهزة والأحادية التوجه، بل عبر صيغ مركبة لا تكتفي برؤية جانب واحد من الصورة بل تسعى لاستيعاب المشهد بكل تعقيداته، فلا نقع في خطأ القبول بالاستبداد بذريعة مقاومة التدخل الاستعماري، ولا في خطيئة استدعاء القوى الاستعمارية بحجة التخلص من هذا الاستبداد، مدركاً ان الاستعانة بالاجنبي على مدى العقود كانت تدميراً للاوطان وخذلاناً للمراهنين.

بالتأكيد، قد لا يفهم البعض هذه المعادلة الدقيقة، بل قد يندفع البعض من التيارين المتصارعين إلى اتهام المؤتمر بانحيازه إلى التيار الآخر، ولكن تدهور الاوضاع في هذه الساحة أو تلك يقود مع الوقت إلى ادراك الحكمة في مواقف المؤتمر "فالحكمة ضالة المؤمن"، وما أكثر الضلال الذي يحيط بنا.

لكن هذه المعادلة على اهميتها، ليست كل ما قدمه المؤتمر في رحلته المستمرة منذ انطلاقته الأولى في تونس 1990، وبحضور 50 شخصية عربية، ليصبح عدد من شارك في دورات المؤتمر اكثر من 650 شخصية من مختلف المواقع والمنابر والتيارات والاقطار والاجيال.

لقد كان المؤتمر باطاره العام، أو عبر اعضائه ، وراء معظم المبادرات الفكرية والتحركات الشعبية التي شهدها الوطن العربي انتصاراً لقضاياه العادلة لا سيّما في فلسطين والعراق ولبنان، فكان رموزه واعضاؤه في قلب رحلات كسر الحصار الجوي على العراق، وكسر الحصار البحري على غزة، والمسيرات المليونية التي شهدتها العواصم العربية ضد العدوان على اقطار الأمة، والاطلالات الاعلامية التي تحمل المواقف المبدئية السليمة، والتحليلات السياسية الدقيقة، والرؤى الفكرية الجامعة عبر منتديات وملتقيات منتشرة على امتداد الوطن الكبير، وفي المقدمة منها مركز دراسات الوحدة العربية الذي انطلقت منه فكرة المؤتمر وقد بات شقيقاً مكملاً لذاك المركز، يرتكز على الارث الفكري الضخم لهذا الصرح وفي المقدمة المشروع النهضوي العربي.

كما انطلقت من المؤتمر افكار تجسدت في مؤسسات فاعلة في الوطن العربي منها المؤتمر القومي /الاسلامي، ومؤسسة القدس الدولية، ومخيمات الشباب القومي العربي، ومنتديات التواصل الشبابي العربي، بالاضافة إلى ملتقيات دولية داعمة لقضية فلسطين وشهدتها عدة عواصم في المنطقة.

لقد دفع رموز من المؤتمر أثماناً باهظة لهذه المواقف القومية الخالصة، فبعضهم دفع حياته كمنصور الكيخيا (ليبيا)، وجار الله عمر (اليمن)، وبعضهم جرى وضع اسمه على قوائم الإرهاب الأمريكية والإسرائيلية، والكثير منهم أمضى حياته، وما زال ، موزعاً بين سجون الأنظمة والاحتلال أو مشرداً في المنافي لأنه لم يساوم في حق أو يهادن في مبدأ... أما الآخرون فما زالوا قابضين على جمر عروبتهم ساعين لوحدة أمتهم وائتلاف قواها وتحقيق نهضتها..

وفي الازمات المتنقلة في وطننا الكبير كان المؤتمر ساحة حوار بين حاملي توجهات متعارضة لكنه كان أيضاً صاحب مبادرات في سوريا ومصر وفلسطين، يغلّب فيها التناقض الرئيسي على التعارضات الثانوية، ويدعو إلى الأئتلاف بين قوى الثورة في مصر، والى التسوية التاريخية في سوريا، والى الوحدة المرتكزة على المقاومة في فلسطين، والى تجاوز الانفصال إلى الوحدة في السودان، والى المصالحة الملبيّة لتطلعات الشعب في العراق وتزيل اثار الاحتلال الامريكي بعد ان ازالت مقاومته البطلة قواته وجيوشه، والى ديمقراطية تخرج البحرين من صراع مديد، والى ميثاقية تصون وحدة لبنان وعروبته ورسالته ومقاومته،والى جامعة عربية تحترم مواثيقها وتتراجع عن الجائر من قراراتها، والى تكامل بين اقاليم الوطن العربي يمهّد لوحدة الأمة ولنهضتها.

بل كان المؤتمر دائماً حرباً على ما أسماه يوماً الامين العام المؤسس للمؤتمر د. خير الدين حسيب "بفيروس ازدواجية" المعايير، فلا ندعم مقاومة في مكان ونحاربها في مكان آخر، لا نخوض "معارك "الديمقراطية في بلد بينما نسكت عن انعدامها في بلدان أخرى، وهو فيروس أفقد، وما زال، الكثير من مثقفينا وحركاتنا المناعة اللازمة، والمصداقية الاخلاقية.

الدورة الرابعة والعشرون للمؤتمر القومي العربي المنعقدة على مقربة من ميدان التحرير والمشبعة باجواء مصر التي تجتمع فيها روح الثورة ورياح الانقسام، هي تأكيد على أن العودة إلى مصر حتمية ولو طال الزمن، وان استعادة مصر لدورها القومي والحضاري هو ابرز شروط استعادة الأمة لتوازنها واستقرارها وسلمها الاجتماعي وقدراتها في مواجهة الاعداء...

الامن القومي لمصر، كان وسيبقى عبر التاريخ هاجساً مصرياً، سواء كان أمنا استراتيجياً يهدده الكيان الغاصب في فلسطين، أو امنا دفاعياً يهدده الاضطراب في سوريا، أو أمناً مائياً كما يجري في منابع النيل، أو أمنا اقتصادياً كما نرى في حجب الاستثمارات والاموال العربية عن مصر وربطها بشروط سياسية، لا تقل عن شروط صندوق النقد الدولي هذه الايام، أو شروط البنك الدولي في اواسط الخمسينات.

وانعقاد المؤتمر القومي العربي في عاصمة مصر هو تأكيد على ترابط هم الأمة بالهم المصري، ومستقبل الأمة بمستقبل مصر، وعزة الأمة بعزة مصر.



0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر