الراصد القديم

2013/06/01

فوضى الربيع العربي.. مكاسب للقاعدة




عبد الكريم بن يخلف

لم يكن تنظيم القاعدة يحلم بمثل فرصة هبوب رياح الربيع الع ربي على الوطن العربي، لكي تنفخ فيه روحا جديدة، بعدما كاد يصير مجرد 'بوق بيانات' و'مذياع خطابات تهديدية' بين الحين والآخر، أو مفرقعات تقتل اللاعب بها، في أحسن الأحوال بالنسبة لهم. الحق يقال أن الضربات المتتالية ضده من طرف الغرب أو الحكومات العربية والإسلامية، استطاعت أن تقضي على الكثير من قياداته وأعضائه، إما قتلا أو سجنا أو تضييقا، وأن توقف تمدده.

يبدو أن التنظيم قد أخد القرار الإستراتيجي للانتشار في إفريقيا قبل موعد الربيع العربي، والانسحاب التكتيكي من الدول العربية، حيث كانت الحرب ضدهم بلا هوادة، والاستيعاب الخارجي كان في أدنى مستوياته، فتقرر التركيز على أربعة مناطق أولاها:

1) المنطقة الوسطى الشمالية: أو منطقة الساحل والصحراء، وقد كان لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الدور المحوري لتنفيذ خطة السيطرة على المنطقة، وقد ضحى التنظيم من أجل ذلك بعدة مناطق ومراكز بالجزائر الشمالية، حيث انحسر نشاطه بفعل الضربات القوية للجيش الجزائري، الذي يكون قد تمرس على حرب العصابات مدة العشرية السوداء، ولم يرد هذا التنظيم أن يستوعب الطوارق الإسلاميين لأنصار الدين بقيادة الشيخ إياد أغ غالي، الذي كان قنصلا عاما لمالي في المملكة العربية السعودية، ثم صار جهاديا متشددا قريبا من أفكار القاعدة، لتوزيع الأدوار في أي عملية تفاوضية سياسية، أو لعب دور سياسي مقبول.

2) المنطقة الوسطى الجنوبية: أو منطقة نيجيريا ومنطقة ما تحت الصحراء، وقد تأسست حركة بوكوحرام النيجيرية خصيصا للسيطرة على كل جنوب الصحراء من جهة الوسط.

3) المنطقة الشرقية: أو منطقة القرن الإفريقي وبلاد الصومال، فقد أسست حركة الشباب المجاهدين الصومالية في القرن الإفريقي، التي تنتشر انطلاقا من الصومال إلى إثيوبيا وأريتيريا وكينيا وتنزانيا وغيرها من البلدان الإفريقية الغربية.

4) المنطقة الغربية: وتشمل دول غرب إفريقيا، كالسنغال وموريتانيا، فقد تأسست حركة التوحيد والجهاد أواخر 2011 من موريتانيين وجزائريين وأفارقة، ومن أبرز قياداتها، حمادة ولد خيرو الذي يعتبر زعيما للتنظيم، وعدنان أبو الوليد الصحراوي الذي يعد ناطقا رسميا للتنظيم.

لقد كان تنظيم القاعدة العالمي يهدف إلى إيجاد مناطق إعداد وانتشار خلفية، في الصومال، وشمال مالي، وشمال نيجيريا، لكي يستوعب الكم الهائل من الأفارقة الناقمين على أوضاعهم الاجتماعية، ويستفيد من قلة المراقبة الأمنية، وقرب آبار البترول والغاز ومعادن الذهب واليورانيوم التي تعتبر قلب المصالح الغربية الإستراتيجية بإفريقيا، ومن جهة أخرى فإن العنصر الإفريقي هو المعول عليه لاختراق المراقبات الأمنية بأوروبا أو أميركا، حيث أن الأفارقة منتشرون في تلك البلدان، وليسوا مراقبين مثل العرب أو الشرق أوسطيين، لذلك يلاحظ أن اغلب المحاولات الإرهابية استعمل أو سيستعمل فيها عناصر ذات أصول إفريقية مثلما وقع من قبل في أكثر من محاولة إرهابية.

لقد كانت أحداث الربيع العربي جرعة أكسيجين للتنظيم، فالحكام العرب الذين نستطيع أن نصفهم بكل الموبقات، كانوا على الأقل، بالتأكيد صارمين ضدهم، لا يتركون لهم مجال تحرك أو عمل أو انتشار، سواء في تونس، أو ليبيا أو مصر أو سوريا، وقد استغل التنظيم حالة الثورة وبالتالي الفوضى، لكي يكسب مناطق نفوذ، وعناصر جديدة، ووسائل جديدة، لعملهم الميداني، وتعتبر ليبيا وتونس وسوريا ومصر واليمن، البلدان التي يقوم أصحاب التنظيم فيها بهيكلة ميدانية وتخطيطات عسكرية مستغلين أجواء الحرية والديمقراطية في تلك الأمصار.

سنحاول أن نرصد أهم التحركات لتنظيم القاعدة في دول الربيع العربي، لكي نقارب فهم الإستراتيجية المتبعة الجديدة، بغض النظر عن نشاطات التنظيمات التي كانت ناشطة قبل الربيع العربي مثل قاعدة المغرب الإسلامي، أهم معالم هذا التحرك الجديد هي كالآتي:

1) إنشاء 'الدولة الإسلامية للعراق والشام': فقد أعلن تنظيم 'دولة العراق الإسلامية' في التاسع من نيسان 2013 في رسالة صوتية على لسان زعيمه أبوبكر البغدادي، اندماج جبهة النصرة السورية، ومعها كل مجموعات القاعدة في بلاد الشام، سواء اللبنانية أو الأردنية، في ما يسمى 'الدولة الإسلامية للعراق والشام'، إلا أن بعض تحفظات بعض قياديي جبهة النصرة تجعل المشروع قيد الإعداد.

2) تنظيم 'أنصار الشريعة بتونس': القمع ضد الإسلاميين في تونس كان أشد أنواع القمع أثناء حكم الرئيس بن علي ومن قبله الرئيس بورقيبة، فالعلمانية بشكلها المتطرف، كانت صفة الحكم السائد، لذلك لم يستغرب الملاحظون، بزوغ تيار إسلامي متشدد، قريب من أطروحات القاعدة، وقد ساعد ذلك قرب تونس من الجزائر وليبيا، أنشط المناطق لتحركات تنظيم القاعدة، وانشغال الجيش وقوات الأمن باحتواء المطالب الشعبية، وليونة إسلاميي النهضة تجاههم بنية احتوائهم، ومشاركة الكثير من التونسيين في عملية تقنتورين الإرهابية بجنوب الجزائر، والعدد الكبير للشباب التونسي في صفوف جبهة النصرة، كل ذلك يعطينا نظرة بسيطة عن الخطر الداهم من تونس الخضراء، القاعدة اختارت تنظيم 'أنصار الشريعة بتونس' ليكون ممثلها المحلي بقيادة أبو عياض أو سيف الله بن حسين.

3) القاعدة بليبيا: لقد كان التنظيم نشطا قبل سقوط القذافي، وسرعان ما انصهر في صفوف الثوار، لذلك تجد الآن ليبيا مرتعا وحرما آمنا لأنصار القاعدة، ومخزنا إستراتيجيا للأسلحة وللأموال.

4) القاعدة باليمن: لقد استغل التنظيم باليمن حالة المواجهة بين الرئيس علي عبدالله صالح، وحالة الفلتان الأمني للاستيلاء على مناطق جديدة وكثيرة اعتبرت مناطق محررة، ولقد اضطرت الولايات المتحدة الأميركية أن تدخل على الخط سيما أن التنظيم في مرحلة الربيع العربي كان يشكل خطرا إستراتيجيا للغرب من طرف قاعدة المغرب الإسلامي بالنسبة لأوروبا أو قاعدة اليمن بالنسبة لأميركا.

5) تنظيم 'القاعدة بأرض الكنانة': ويبدو أن هذا التنظيم الحديث بدأ يتبلور شيئا فشيٌّئاً بأرض مصر أرض الكنانة. فإمارة أيمن الظواهري الدكتور المصري على تنظيم القاعدة بعد مقتل أسامة بن لادن، كان لا بد أن يتأتى معه تركيز على أرض مصر من حيث التنظيم ومن حيث التحركات والعمليات العسكرية، ولعل ما وقع بسيناء قبل عام وما زال يدور ولكن بوتيرة أقل، والرايات السوداء التي بدأت تظهر هنا وهناك، والمشاركة الحثيثة لعناصر مصرية في الثورة بسوريا مع جبهة النصرة، وحتى بصحراء الجزائر وشمال مالي كما كان الأمر بالعملية الإرهابية بتقنتورين، القبض على عناصر كانت تعد لعملية إرهابية ضد سفارة فرنسا على الأرجح، يؤكد هذا المنحى ويؤكد على عملية التنسيق التي باتت أمرا واقعا بين مختلف فصائل تنظيم القاعدة بالعالم، ويبين مدى الخطورة التي بات يشكله.

التغيرات الحاصلة في الموقف السياسي للدول الغربية تجاه تأييد حسم عسكري بسوريا، تبين مدى القلق الذي يشوب الأوساط الإستخبارية والسياسية الغربية من ظاهرة انتشار تنظيم القاعدة وتسلحه، إلى حد تمكنه من استعمال أسلحة كيماوية (غاز السارين) بسوريا، صار الخيار واضحا بالنسبة للغرب البراغماتي، بين نظام متجبر لكنه حافظ للخطوط الحمراء التي رسمها له، وبين بعض من الثوار، يستغلون أحقية الشعارات والمطالب للشعوب، ولكنهم لا يؤتمنون على المستقبل وتغيراته.

تنظيم القاعدة كما يدل اسمه عليه، هو دائم البحث عن قواعد خلفية له، وقواعد عملياتية أخرى له، يتحين الفرص ويتصيد المناسبات، لكي يحقق أهدافه، وتبقى الشعوب المغلوبة على أمرها تشق لها طريقا وسط كل هذا الهرج في رحلتها المضنية للبحث عن حياة الكرامة والهناء والاستقرار، وتستمر المخاوف والآمال.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر