الراصد القديم

2013/06/01

الفكر القومي العربي في العراق بين الأصولية والعلمانية





بقلم ياسين جبار الدليمي

على مر التأريخ لم يُعرف العراق إلا عربياً بحكم اشتراطات التكوين السكاني بأصول الجنس واللغة والمصير والأهداف . والأراضي بامتدادها الطبيعي لبادية الشام . فلم تكن هوية العراق العربية قراراً تشريفاً من هذا الوالي أو ذاك الحاكم أو بمرسوم أو دمغة نظام سياسي معين أو بحكم الاحتلالات كي تأخذ هوية العراق سمتها العربية .. بل العراق عربيا ً منذ بدايات عصر السلالات التي شهدتها تكويناً ارض العراق . على الرغم من التسميات : بلاد وادي الرافدين / ما بين النهرين / ارض السواد / عراق العرب .

فالعراق عربيا ً أرضا وشعباً بمرجعية حضارته الموغلة في أعماق التأريخ وترابطه المصيري مع أبناء أمته العربية على امتداد التأريخ الكان لتكوينات نشؤ الأمة العربية وتشريفها الرباني بحمل الرسالة السماوية وبقدسيّة الأرض مهبطاً للوحي واحتضانها لرفات الأجساد الطاهرة من الأنبياء والمرسلين .

فعروبة العراق متجذرة في الأعماق [ العرب أمناء على أنسابهم ] فلا يمكن أن تشطب بقرار سياسي أو بمرسوم احتلالي من دولة غازية قديماً أو حديثاً سواءاً كانت شرقية أو غربية بلبوس التنازع القومي – الاستعماري وحتى برداء الدين فلم تزل ارض العراق تنطق بالعربي . لكن مع مرامي وأهداف الهجمات الاستعمارية التي تعرضت لها الأمة العربية بطمس الهوية العربية اشتد العرب تمسكاً بالعروبة فلم تفلح سياسة التتريك أو الفرنسة .على الرغم من مواكبة ذلك بأختلاق التصادمية الوهمية بين الإسلام والقومية العربية . ومن ثم خلق التصادمية المذهبية داخل الإسلام نفسه وإشعالا مدروساً لنيران لا تنطفئ طالما الوقود الاستعماري موجوداً . فنجد طفو إصطلاحين هما :

1 اللأصولية – تسمية للفكر الإسلامي وصولاً لوسم الإسلام

2 العلمانية تسمية للفكر القومي العربي وصولاً لوسم القومية العربية

وعليه فان التأسيس للمصطلح لا بد من فهم جذوره وتجذره لاحقاً بفهم عميق من خلال معطياته الأساسية وتفاعله في بيئته .. فالأصولية الصادقة هي الأصل دونما بدع يراد لها القدسية على حساب الأصل . فالإسلام رسالة سماوية للبشرية قد اكتملت اكتمالاً لا وجود لأفعال العقل في أصولها المستندة على القرآن الكريم [ اليوم أكملت ُ لكم دينكم ورضيت لكم الإسلام دينا.].

فأصبحت العبادات كاملة لا يأتيها الباطل شرعة الله تعالى المبلغة للبشرية عبر الرسول العربي الصادق الأمين محمد ( صلى الله عليه وسلم ) والإقتداء بسنته الفعلية والقولية أما الإجماع والاجتهاد والقياس فالأصل فيهما المعاملات والمحدثات مع تطور حياة المجتمعات الإسلامية وتوسع الإسلام شرقاً وغرباً .

فالأصولية هي الرجوع إلى الأصل النقي المجرد من البدع وما لحقه من عوالق ورواسب الأمم التي دخلت الإسلام ولم تستطع التخلص منها في تكوينها المعرفي والسلوكي والمجتمعي من عادات وسلوك انعكست على الإسلام جهلاً .

أما وسم القومية العربية بالعلمانية فقد جاءت استيراداً بقصد مدروس من أوربا فمع نشؤالدولة القومية فيها وتمردها على الكنيسة وكهنوت رجالها . فقد روج لها وللأسف البعض وسماً للقومية العربية بجهالة فكرية لأصل التسمية وإسقاطا مقصوداً على خارطة القومية العربية وطعناً وتشويهاً وبداية مقصودة لخلق التصادمية بين الإسلام والقومية العربية بآليات وأدوات للأسف من على المنابر ولتأخذ العلمانية بعداً خطيراً أيام الحرب الباردة في صراع الرأسمالية مع الشيوعية والقول بأن العلمانية قد خرجت من الإلحاد الشيوعي بدعائية [أمريكية – صهيونية] وبتناغمية قول الشيوعية [ الدين أفيون الشعوب]. ليزداد التصادم المختلق بغايات وأهداف بعيدة المدى بين [إسلام المنابر والمساجد] وبين القومية العربية وللأسف بلسان عربي . وصولاً لمرامي المشروع المعادي للعرب والمسلمين معاً.

واليوم في عالم العولمة يُختلق ويبعث مصطلح الإرهاب المولود من الأصولية الإسلامية ليشمل كلا من الإسلام كدين والعرب كقوميين ساعين للوحدة العربية .بتلاقي مزدوج على مذبح العولمة وتلاقياً في ساحة المواجهة مع المشروع الإمبراطوري الأمريكي المسوق بالعولمة والتبشير بالديمقراطية بعدوانية مفرطة لا تفرق بين العرب والمسلمون ولتكشف أصول اللعبة واختلاق التصادمية بين القومية العربية والإسلام .

فكلما ازداد الإسلاميون وعياً وفهماً للإسلام كانوا الأحرص على القومية العربية وكذلك القوميين العرب بتكوينهم وبرسم أهدافهم مجبولين على الإسلام حرصاً عليه وعلى رسالته السمحاء بحاكمية التشريف الإلهي لهم بحمل الرسالة الإسلامية مبشرين وفاتحين وبقدسية لغة القرآن العربية .

فالإسلام دين الحق والعدل والحرية والمساواة – دين دنيا وحياة واكتمال وبه ختمت الرسالات السماوية [ إنا أنزلنا الذكر وإنا له لحافظون ] فالإسلام واحد والداء ليس في الإسلام بل بمن يتمثل به . والعرب امة واحدة والعلة بمن يرتدي عباءة القومية العربية إساءة ً .

اجل الإسلام والقومية العربية متلازمان ومتفاعلان بتكاملية تاريخية وعبر جدلية البقاء إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولاً فلا عروبة بغير الإسلام والبشرية لم تعرف الإسلام إلا بالعرب . فلا يمكن تحرير العرب من الإسلام باعتبارهم قوميين أو وحدويون فالإسلام لم يقف ضد وحدة العرب أبدا .

والمشهد العراقي المأزوم احتلالاً وإسقاطا لأهداف المشروع الأمريكي على الأرض بتفكيك العراق الدولة – الشعب إلى مقسمات تشطيرية على أسس لم تكن معروفة قبل الاحتلال [ قومية – مذهبية – إدارية – جغرافية بوسم الفيدرالية ] وسيادة الفوضى الهدامة في الإفساد والقتل المشاع وفرق الموت التي تطال أبناء العراق باسم المذهبية – الإرهاب وتصارع الأوراق اللاعبة تطابقاً وتضاداً على الساحة العراقية ودونما تفريق على أساس القومية – الإسلام فالكل مشاريع موت وتدمير وقتل جماعي هذا المشهد هو الدليل والصورة الساطعة لديمقراطية الرعب والنجاح في تجزئة المجزأ وتفتيت المفتت عبر:

1 تقسيم عرب العراق إلى ( شيعة – سنة – قوميون – إسلاميون ) .

2 تقسيم تكوينات الشعب العراقي المترابطة بالوحدة الوطنية ( عرب – أكراد – تركمان – كلدو آشوريون – وطوائف متعددة ) .

3 إسقاط الهوية القومية العربية عن عرب العراق وصولاً لسلخ العراق عن محيطه العربي وانتمائه للعرب وعبر المناداة بالقومية العراقية .

4 التبشير الإعلامي والترهيب بالحرب الأهلية بين مكونات الشعب العراقي والبدء بعرب العراق أولا ومن ثم الأكراد من بعد بحجج جاهزة الإعداد وأجندة بحسابات زمنية التنفيذ .

فالعرب أبدا لم يشعروا بعقدة النقص أمام إخوانهم الأكراد وشراكة العرب والأكراد في العراق وان ما تعرضت الأمة العربية من تقسيم وإضعاف استعماري قد طال الأمة الكردية . فالقومية العربية هي الأقرب والأكثر انسجاماً مع القومية الكردية بحكم النضال المشترك وحقائق التأريخ والعيش المشترك فلم تعرف العروبة أبدا صراعاً مع الأكراد بحاكمية المعطيات الموضوعية المشتركة للعيش المشترك والإسلام والمواجهة المشتركة لأعداء العرب والإسلام فزعامة صلاح الدين الأيوبي وتحرير بيت المقدس لم تكن على ارض كردية بل على ارض عربية وهذا فخر للعرب والأكراد بوسام الإسلام . وشاهد مقولة القائد الفرنسي (غورو) بعد إسقاط الحكومة الفيصلية في دمشق في معركة ميسلون : عند قبر صلاح الدين الأيوبي : [ ها قد عدنا يا صلاح الدين ! ] لشاهد على تمازج العرب والأكراد أبدا لم يكن هناك صراع وتصارع بين العرب والأكراد في العراق شعبياً بل كان صراع أنظمة حكم فلم تستطيع أن تحوله إلى صراع شعبي أو قومي عربي وقومي كردي أطلاقا .

وما احتضان مصر الناصرية لزعماء الحركة الكردية ووقوف القوميين العرب إلى جانب مشروع قانون الحكم الذاتي في عهد حكومة عبد الرحمن البزاز في عقد الستينيات من القرن الماضي والاعتراف بالحقوق المشروعة لإخواننا الأكراد دليل صادق يعرفها لأكراد قبل العرب .

أما ما يشاع ترويجا ً عبر آلية الموت الجماعي المبرمج باليات وأدوات الاحتلال الأمريكي ما هو إلا تكريسا ً اسقاطيا ً لأجندته على خارطة العراق ودليلنا :

1 لم يعرف عرب العراق صراعا ً مذهبيا ً .

2 لم يعرف عرب العراق وأبناء العراق بألوان طيفهم تقسيما ً مناطقيا ً على أسس مذهبية أو قومية .

3 لم ولن يعرف أبناء العراق ثقافة وفلسفة الموت بحكم سايكولوجية الشعب العراقي المتعايشة بحكم التراكم الكمي والقيمي قوميا ً وإسلاميا ً بانفتاحة ثقافية تراكمية حكمت سلوكية العراقي .

4 إن مشاهد الموت المشـــاع يوميا ًهي وليدة الاحتلال ورعويته وبتعددية الآليات والأساليب وهذا له استحقاقات تسعى أجندة الاحتلال تحقيقها بمقاربات متعددة هي :

5 نزع الرابط الخفي لعرب العراق إلا وهو الرابط القومي العربي وإبدال المذهب محله بحاكمية تحميل القومية العربية خطايا الأنظمة المدعية بالقومية .

6 تفتيت القوة الجمعية والقيمية لروح القومية العربية من خلال ارتدادية الاختلاق الوهمي لتصادمية الإسلام بالقومية العربية المؤسس له منذ عقود وإحلال الانتماء المذهبي محلها وثم خلق التصادمية المذهبية بين عرب العراق أولا ً ومن ثم مع الأكراد والتركمان ثانيا ً .

7 تأجيج روح الثأرية والاقصائية تحت غطاء المظلومية وتكريسها كأساسيات لدى بعض الكيانات السياسية – الدينية .

8 الابتعاد عن الخطاب الوطني وغياب المشروع الوطني لإنقاذ العراق مما هو عليه من احتلال واضطراب وإفساد مالي وإداري وتدهور الخدمات وهذا مؤشر خطير على الكيانات السياسية التي هي اليوم في المسرح السياسي .

9 التأسيس الفدرالي – القومي – المذهبي للعراق عبر أسس ارتكازية يصعب تفكيكها مستقبلا ً عبر خلق (كانتونات ) وملوك الطوائف .

10 فشل الكيانات السياسية الداخلة في العملية السياسية في ظل الاحتلال من بناء الدولة العراقية من جديد بعد تفكيك هياكلها ومؤسساتها من قبل الاحتلال بل والمؤسف لم تستطع من بناء سلطة أمره (حكومة) مطاعة باعتبارية الشخصية القانونية بسبب المحاصصة المذهبية – الحزبية . بتوالدها السرطاني .

إن عرب العراق متوحدون فطرياً بالقومية العربية وان نار الفتنة المذهبية المراد لها إشعالا ً يمكن إطفائها بتكاملية وتكافلية الإسلام والقومية العربية فعرب العراق اليوم تقع عليها مسؤولية أمام الله تعالى بحقن دماء المسلمين وأمام التأريخ في بناء العراق الدولة والشعب بوحدتهم مع أنفسهم أولا ومع سائر التكوينات من أبناء الشعب العراقي [ أكرادا – تركماناً وتكوينات أخرى ] .

بحاكمية الوطنية العراقية ثانياً عبر آليات المشروع الوطني العراقي الإنقاذي لما هو عليه العراق وبولائية للعراق الوطن والشعب والبراءة من مشاريع الاحتراب وبتحريم إراقة الدم العراقي تحت أي مسمى قومي / مذهبي .

فعرب العراق قوميون وإسلاميون , فلا عروبة للعراق بدون الإسلام .

فكم نحن بحاجة اليوم لمشروع توحيدي لعرب العراق أولا ً ولمشروع وطني عراقي توحيدي ؟

أما القول أن العرب إسلاميون اصوليون [ شيعة – سنة ] ! فهذا تشريف لعرب العراق برجوعهم للإسلام الحقيقي بأصله الناصع وكذلك القول إن عرب العــراق علمانيون .

فهذه وصمة يراد باطلا ً وسلخا ً للقومية العربية من الإسلام فالعلمانية هي غريبة المنشأ وقامت بانتهاج العلم أمام الكنيسة الرافظة للعلم وحقائقه . لكنها سوقت إلينا خطاءا ً ليوسم بها من يريد الأخذ بناصية العلم والتطور وقد وصم الغرب بها القومية العربية عبر إلية التصادم مع الإسلام وتجريد العرب من الإسلام باختلاق فجوة عدائية بأهداف أعداء العروبة والإسلام دونما فصل في ذلك .

فالعلمانية في الدولة القومية الأوربية لم تزل وصمة تخلف أو إلحاد بل إنها سمة لتحرير العقل والإنسان من سيطرة الكنيسة والتخلف والتحجر العقلي . وشواهد صكوك الغفران - والتقويض شبه الإلهي للملوك وتكفير وإعدام العلماء والمكتشفين والمخترعين خير دليل على صراع العلمانية مع الكنيسة .

فالإسلام لم يعرف الكهنوت والقومية العربية لم تعرف الانغلاق والتعصب بل هي قومية إنسانية غير تعصبية تنهل من روح الإسلام فكرا ًومنهجا ًسلوكا ًوعملا ً تقر بحقوق الإنسان وترفض العبودية والسلطان القهري للإنسان من أخيه الإنسان مهما كان اللون والجنس والدين. والقومية العربية تتلاقى ونتلافح حضاريا ًبسموا إنساني من تعصب أو تفوق باسم العرق أو الدين .

فإذا كانت القومية العربية قد أخذت بالعلم أساسا ً بدعوة الإسلام للتعلم والعلم لتوسم بالعلمانية المغايرة لمفهومها فهذا ترويج خطير ومهدد للقومية العربية كي تبقى الأمة العربية في حالة السبات والتخلف العلمي والاقتصادي والاجتماعي ولتبقى البقرة الحلوب لمصانعهم مواد أولية وأسواق سارقة لأموالنا عبر شراء بضاعتهم بشراهتنا الاستهلاكية التي حولتنا إلى حراس على ثرواتنا المسوقة لمصانعهم التي بنيت بالعلم والتطوير ونحن لم نزل نجتر ونلوك ما يسوق إلينا عبر عجلتهم الإعلامية الاستعمارية .

ونحن نكفر بعضنا ونخون بعضنا ونحارب بعضنا ونقاتل بعضنا وما نحن عليه اليوم في عراق الاحتلال بطمس الهوية القومية لعرب العراق وتقسيم العراق إلى دويلات صغيرة مبعثرة وسلخ وتجريد أبناء العراق جميعا ًمن روح المواطنة العراقية عبر الانتماء للطائفة والمذهب وهذا يستوجب المواجهة التأريخية لها.

إذن لابد لعرب العراق من قيادة نهوضية مستلهمة تراكمية سنوات الاحتلال وانكشاف المستور عبر آليات الوعي بالعروبة والوطنية العراقية انتماءا ًوتجسيدا ًعلى ارض الواقع .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر