الراصد القديم

2013/07/01

خونة المستقبل

حسن حسين‎
تدفع الشعوب دمها طواعية ثمناً بخساً لحريتها وكرامتها ، في نفس الوقت الذي تحتال عصابات من السياسيين المرتزقة دون وازع من ضمير أو اخلاق من أجل اغتصاب هذه الحرية وابتذال تلك الكرامة.

يسعى الإنسان دوماً من أجل إشباع احتياجاته إلى النظر إلى المستقبل في محاولة منه للتخلص من عبء الحاضر الذي يثقل كاهله ولا يحل له مشكلاته المتجددة، و أثناء سعيه ذلك يتصدى للواقع ويواجه معضلاته بما فيها أولئك الذين يقاتلون من أجل بقاء الأوضاع كما هي، إما خوفاً أن تتعرض مصالحهم للخطر ، أو جهلاً بما قد يحمله التغيير عليهم من منافع.

وتدخل قوى التقدم معركتين متوازيتين في وقتِ واحد، لا تقل أهمية واحدة منهما عن الأخرى ، الأولى تبدأ في ميادين السياسة وتنتهي في الأغلب الأعم كما يقص علينا التاريخ في ميادين القتال ، والأخرى تبدأ في ميادين الفكر والفن والثقافة ولا تبارح مواقعها، الانتصار أو التقدم خطوات في واحدة منهما يؤثر تأثيراً مباشراً على الأخرى ويدعمها دعماً قويا.

كلما تزايدت أعداد المؤمنين بالأفكار التقدمية والنظريات السياسية الداعمة للتحديث والتخاطب بروح وأدوات العصر ، كلما خفت صوت القتال ، وكلما ارتفعت أصوات البنادق كلما ضاعت أصوات العقل والمنطق.

تلك المعركة تعيش أجواءها الآن المنطقة العربية وفي القلب منها مصر وسورية ، كافة القوى المناهضة للحرية وللتقدم تتحالف بقيادة الولايات المتحدة القائد الحقيقي للثورة المضادة في العالم والمغذي الأكبر للحركات المعادية للتحديث والمعاصرة، ظناً منها أنهم الباقون على العهد معها من أجل المحافظة على أامن الكيان الصهيوني والمحافظة على المصالح النفطية في المنطقة وحماية الطابور الخامس المتقدم إلى الأمام الآن حتى أنه بات يحتل كرسي الرئاسة في أكبر دولة عربية وهى مصر.

الشعب يحاول أن يخرج من أسر الماضي بكل ما يحمله من أوزار وأعباء تعيق التقدم إلى الأمام ، إلى مستقبل رحب تتنفس فيه الناس أنسام الحرية وتتذوق طعم الحقوق التي طالما حُرمت منها ، في نفس الوقت الذي تتمترس فيه جماعة الإخوان على مقاعد الحكم وتحاول إحكام سيطرتها على مؤسسات الدولة لتحقيق أهدافها الخاصة والضيقة الأفق والتي يمكن ان تكون وبالاً عليهم .

كأننا نقص أسطورة الصراع الدائم بين قوى الخير وقوى الشر ، أو ملحمة النور والظلام ، وكأن عبرة التاريخ وحكمته لم تصل بعد لهؤلاء الذين يحاولون شد الزمن للوراء أو إيقاف خطواته إلى المستقبل ، فيما لا تعتد قوى الثورة بما دفعته وما قد تضطر إلى دفعه في الأيام المقبلة من دماء وشهداء في سبيل تحقيق أهداف ثورتها التي اغتصبتها عصابة سياسية مارقة لا تعير اهتماما لما تحمله من شعارات دينية وتعمل دوماً عكس ما تقول.

تعلمنا من دروس التاريخ المريرة أن الثورات عادةً ما تنتكس بفعل عوامل داخلية أو خارجية ، بل ربما تنتكس من داخلها لأسباب موضوعية ، لكنها برغم مرور الأعوام على نكستها سرعان ما تستعيد زخمها وقوة اندفاعها بعد ان تصحح مساراتها وتمتلك أدوات قوتها وتحقق انتصارها الأخير ، و تعلمنا ايضاً أن المهزوم في تلك المعركة الأخيرة لا تقوم له بعد ذلك قائمة ، ويتم سحقه سياسياً واقتصادياً بل وثقافياً أيضاً ، حتى يكاد لا يسمع عنه ولا عن شعاراته ولا عن قياداته إلا أسوأ سمع ، وها نحن بصدد معركة بهذا الوزن او كما نعتقد تكاد تنشب بين لحظة وأخرى.

روائح الدخان التي تحذرنا من هول ما قد يحدث لا تردع أحداً من الطرفين، وكلاهما يؤكد على جاهزيته للمعركة ، أنصار التقدم تلمع أعينهم ببراءة ورومانسية الحلم الثوري، وخونة المستقبل يشحذون أسلحة التخلف والرجعية والتبعية لقوى الاستعمار العالمي ، ومصر تئن وتنتظر، طامعة في إزاحة كل هذا الظلام المخيم عليها من عقود .

1 تعليقات:

Wohnungsräumung يقول...

شكرا على الموضوع المتميز
Dank Thema Wohnungsräumung

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر