الراصد القديم

2013/08/31

الربيع العربي وربيع الفضائيات



د. عبد المطلب السنيد

أن شباب الثورة في ربيعها الذي تفجر من خلالهم باتوا يحصدون الخسران والتهميش ومصادرة ثورتهم عن طريق الأغلبية المؤدلجة سياسيا و امتلاكهم ستراتيجية اشتغل عليها الإخوان في مصر منذ تأسيس جماعتهم على يد مؤسسها حسن البنا. ولذا وكما نتوقع أن طبيعة الثورات العربية لم تستطع أن تتبنى خطابا واضح الخطى والمعالم بقيادة شبابية ثورية يقود إلى نظام يتوافق مع ما بذل من جهد ودماء وصبر, ونأمل أن لا يتحول ربيعهم خريفا لا أفق فيه. بالمقابل تجد أن الربيع العربي قد نجح وبدون منازع في الخطاب الإعلامي الذي بثته ومازالت تعمل عليه الفضائيات في تنفيذ رسائلها الإعلامية مع تحفظنا على المسكوت عنه من ثورة الربيع العربي في البحرين قياسا لما غطته وتغطيه تلك الفضائيات بخبرة تكنولوجية ومعرفيه في صياغة خطابها المتنوع والذي يسير بمنهجية واحترافية عالية الأداء, حتى أن نجم تلك الفضائيات ارتفع على صعيد أسعار الإعلانات التجارية التي تبثها مما سجلت أعلى الأسعار التي باتت تطلبها من المعلن : " إذ بيّنت دراسة أصدرتها مجموعة المرشدين العرب بعنوان «أسعار الإعلانات عبر القنوات الفضائية في العالم العربي 2011» ، أن أعلى معدل لسعر الإعلانات في التلفزيونات العربية كان على القنوات الإخبارية الفضائية، ووصل معدل سعر الإعلان لثلاثين ثانية خلال وقت الذروة إلى 5,419 دولار."
الملاحظ من كل ما تقدم أن ما حققته الفضائيات من دور ريادي للربيع العربي يعود إلى خطابها الإعلامي المتطور الذي حصدت نجاحاته بشكل ملفت للنظر حيث أسست لنفسها ستراتيجيات فنية عالية الصنعة في المادة الصحفية لمحاكاة ما يجري في شوارع وساحات الثورات العربية عن طريق آليات التكنولوجيا وإبداعات العاملين ومن خلال التمويل الكبير لمالكي تلك الفضائيات التي تعمل كقطاع خاص والذي يعتقد أن بعض الدول والحكومات تناصفها الملكية ولا يغيب البعد السياسي الذي تضخه تلك الحكومات وبما ينسجم وستراتيجيتها السياسية حيث أن ميزانيات الصرف الهائل على استمرار تغطياتهم الإخبارية والبرنامجية ومكان بثها يؤكد ذلك . وعلى عكس واقع الحال الذي ترزخ تحته الثورات الحقيقية للربيع العربي المرتقب , حيث باتت الشعارات التي ناضلت من أجلها الجماهير وبالأخص شباب الثورات العربية , وما نشاهده من تغيرات حولت ذلك الربيع إلى خريف كسول فاقد لديناميكية الفكرة التي أسس على ضوئها قيام الثورات الربيعية التي بدأت تعيش خريفا كالح الملامح ..فاقدا لحيوية البداية.. مغيبا للقيادة الناجحة.. مستباحا من قبل التقليديين وبعض الأحزاب السياسية التي اقتنصت بريق ووهج الشباب وحولته لأغصان جردت زهور ربيعها ولم ترتق لدلالة معنى الربيع نفسه. لذا يرى الباحث أن الرابح والمستفيد الأول من هذا الربيع هي الفضائيات وخطابها الإعلامي الجديد الذي سطع بأفول نجم ربيع الثورات العربية ودخل فصل الخريف بامتياز. وما توصلنا إليه من نقطة الخلاصة لبحثنا المتواضع إلا دلالة و معنى ما نقصده:
1. إن مصطلح الربيع العربي هو مصطلح لخطاب إعلامي منح المتلقي رغبته في الجذب لمتابعة ما يجري ويعبر عن الفكرة العامة في التحول المرتقب ويؤسس لدور جديد لربيع إعلام جديد.
2. تجديد يقظة العولمة والاستفادة من الإعلام الاجتماعي عن طريق تدويل الحدث الأكثر سخونة في المنطقة العربية وصياغة خطاب جديد تحت فكرة Globalization الذي يحاكي فضائيات أمريكا ك CNN و إنكليزية ك BBC. من خلال مرابطة المراسلين العرب في البلدان الساخنة لتسجيل العاجل والمباشر من الأحداث باعتبارها قضية رأي عام.
3. تأسيس فكرة الاستفزاز والتوتر في الصورة والمفردة وزيادة البرامج الحوارية ( Talk Shows) , لتحقيق نسبة عالية من المشاهدة من خلال تأجيج الأزمة أو الحدث الذي يعكس انقلابا في ما كان يعيشه المجتمع العربي قبل الربيع الثوري .
4. استخدام التكنولوجيا المتطورة وصياغة فورمات جديدة في اختيار اللقطات المثيرة والمشوقة لمحاكاة المتلقي عقليا وعاطفيا وتعبئته نفسيا لتقمص الحدث ومتابعته لتمنعه من مغادرتها عن طريق تحويل الريموت لفضائية أخرى وذلك باستخدام طرق graphic , intimations وطرق المونتاج السريعة لتحقيق حالة ألـ : Excitement وتعني الإثارة , والمقصود بها إثارة عواطف المتلقي لعنف الحدث الظاهر على الشاشة .
5. استخدام الصياغات الدرامية في كتابة القصة وتحريرها دراميا وعرضها للمتلقي لتشعره وكأنه يشاهد فيلما أو مسلسلا دراميا لأشخاص حقيقيين يؤدوا أدوارهم على الواقع ومن موقع الحدث .
6. ارتفاع كلفة الإعلانات التجارية وتحقيق أرباح توازي وتزيد عن أسعار الإعلانات في الفضائيات العالمية الغربية. مما جعل أرباحها المادية عالية وذلك نتيجة لكثرة المشاهدة من قبل المتلقي .
7. تنافس الفضائيات على طرق التقديم والعرض .
كل هذا جعل للفضائيات دورا مهما ورياديا في ربيعها الذي تطور عن ربيع الثورات العربية مما حقق لها مشاهدة فاعلة اختلفت عن التقليدية بعقول إبداعية وتمويل كبير وتلك هي معادلة الانتشار الإعلامي الحديث . ولا يفوت الباحث أن يشير إلى أن الفضائيات الإخبارية العربية والمملوكة من قبل القطاع الخاص الذي يفترض أن يكون اشتغالها حرفيا وموضوعيا خاليا من الانحياز في دور تفعيل خطابها الإعلامي , إلا أن ستراتيجيتها مرتبطة بسياسة المالك التي هي سياسة الدولة التي تشارك في تمويلها

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر