الراصد القديم

2013/09/30

من هو الناصري؟



ياسين الديلمي


لقد حاولنا منذ البداية أن نسلط الأضواء على التيار الناصري ، من خلال قاعدته المضوعية المتوفرة في تحالف قوى الشعب العامل . ومن خلال أطره التنظيمية سواء تلك الجماهيرية أو الطليعية . ومع ذلك يبقى السؤال المطروح. ما هـي المعايير التي تميز الناصري عن سواه؟. ولعل هذا السؤال طرح بشدة بعد رحيل القائد المعلم . وبعد ان شهدت الساحة العربية ظاهرتين متعاكستين :
الظاهرة الأولى...
ظاهرة الارتداد على الناصرية ، تجربة وفكراً . قادتها قوى وافراد كانوا علامات بارزة في حركة الثورة وإلى جانب القائد المعلم حتى أصبح المواطن العربي يتساءل كثيراً عن ظروف وجودهم في تجربة عبد الناصر... لفد رافق الكثير منهم جل المعارك الثورية العربية. ومع ذلك ارتدوا عن الثورة بكل المعاني التي تجسدت فيها .
الظاهرة الثانية...
ظاهرة النقد والتراجع عن المواقف من الناصرية ، التي طبعت العديد من التنظيمات والأنظمة والمفكرين والسياسيين بعد رحيل القائد المعلم . ولعل هذه الظاهرة أصبحت ملفتة للنظر لاتساع مساحتها . وظاهرة النقد هذه في جانب منها ظاهرة صحية وحيوية .. لكنها في جانب اخر شكل من أشكال الالتفاف على فكر جمال عبد الناصر وعلى جماهيره . فقد اعتقدت بعض التنظيمات وبعض المفكرين ان باستطاعتهم أن يكسبوا جماهير الثورة العربية. ان هم وافقوها في موقفها من مرحلة عبد الناصر إلى حين . ثم لن يلبثوا كما توهموا أن يسيروا بها مشوارهم بعد أن يكونوا خدعوها .
ولعل ما يجعل هاتين الظاهرتين مؤثرتين في هذه المرحلة هي شدة الهجمة الامبريالية على الساحة العربية وافتقار الجماهير الشعبية إلى التنظيم الناصري الفعال والى جيل المفكرين الناصريين الأصلاء لذلك فالحاجة ملحة الى تثبيت معايير اساسية نتعرف من خلالها على "الناصرية " حزباً كان أم مفكراً أم سياسياً . وعندها تقوم محاولة لتثبيت بعض المعايير التي تشكل باجتماعها حداً أدنى واجباً توفره لتصدق من خلاله صفة الناصرية :
أولها : عدم الالتزام يايديولوجيات جاهزة تعارض بطبيعتها الناصرية سواء كانت هذه الايديولوجيات تعبيرا عن تيارات سياسية وأحزاب متواجدة على الساحة العربية أو كانت اجتهادات نظرية ومدارس فكرية . فالالتزام بذلك يجعل الملتزم مبتعداً عن الناصرية . ولو بدا في بعض الأحيان قريباً منها . أو جزءا منها. ولقد شاهدنا في مراحل متعددة . وحتى في تلك المرحلة التي قادها المعلم . ماركسيين ينضوون في التيار الناصري . كذلك فعل بعض الليبراليين . وعناصر من الجماعات الدينية وعناصر من احزاب قومية . لكن ذلك كله لم يخرج بعضهم من التزامه الاساسي . ولم يضعهم موضعهم بصدق في صف " الناصري " . فكل اقتراب أو ترائي يظهر من خلاله أنه ناصري الطرح والموقف ليس أكثر من لقاء بين ايديولوجيته وبين الناصرية . ومن خلال هذا الموقف تفهم التطورات التي حدثت للشيوعيين المصريين سابقاً . أو للشيوعيين السوريين لاحقاً .
ان عدم الالتزام بايديولوجيات معارضة شرط لازم لصفة " الناصري " لا بد أن نراعيها ونلحظها ونتمسك بها.
ثانيها: ولا بد للناصري أن يعيد التزامه الفكري إلى الخطوط العامة في الميثاق وفي مواثيق الثورة وأحاديث المعلم . ولقد تقصدنا أن نقول : ان يعيد التزامه وليس أن يعلن تمسكه المطلق ذلك اننا نتحدث عن الناصري على عموم الصفة ولا نتحدث هنا عن الطليعي . كذلك فإننا نلحظ الخلاف الواضح ضمن التيار السياسي الناصري على مرحلية موجودة في الميثاق وعلى اتجاه للتطور مفترض في الفكر الناصري . لذلك فحين يعيد الفرد التزامه الى الميثاق فإنه بذلك يعلن تمسكه بجوهر الميثاق وأخذه بالمنهج العلمي الذي ظهر في مواثيق الثورة . ولعله من الضروري هنا أن نشير الى جوهر الميثاق وجوهر الفكر الناصري كمسائل عامة . دون الخوص في تفاصيل ذلك :
1- أخذت الناصرية بالمنهج العلمي في التحليل والتفكير . وبهذا المنهج حددت فهمها للمجتمع ، وللطبقات ، وللتاريخ ، وللمستقبل.
وحللت على ضوء ذلك عوامل تغيير المجتمع ، ودوافع التحركات العامة في التاريخ وقوى هذا التحرك واتجاهاته ، وأكدت عبر كل ذلك ان العمل الانساني هو باني الحضارة الانسانية ، وصانع التقدم . وان من يملك العمل، هو من يبني المجتمع- وبالتالي فإن اتجاه التطور الانساني ان يتحد مالك العمل ومالك المجتمع في شخصية الانسان العامل ، وفي طبقاته الاجتماعية بعد ان بقيا في التشكيلات الاجتماعية السابقة تعبيراً عن وجودين مستقلين متضادين .
2- استخلصت الناصرية مكانة الديمقراطية من الوجود الانساني . ومن قضايا بناء الاشتراكية... فالاشتراكية حين تعلن ان هدفها تحرير الانسان من الاستغلال والقهر. فلا بد ان تحرره اصلاً من مظهر هام من مظاهر الاستغلال والقهر الا وهو القهر السياسي .. والاغتراب عن واقع مجتمعه واتجاهاته وتطوراته... كذلك فالاشتراكية لا تعني سيطرة الدولة على الحياة الاقتصادية. فهذه اقرب الى رأسمالية الدولة منها الى الاشتراكية .
ان الاشتراكية تعني أصلاً سيطرة الشعب وحين نشاهد مظاهر التأزم والفشل تحيط ببعض تجارب القطاع العام في بعض الاقاليم فإن مرد ذلك في كثير من الأحيان الى غياب الديمقراطية على مستوى القوى الشعبية مما يجعلها غيرمرتبطة ومن ثم غيرعابئة عما يظهر من أمراض في هذا القطاع .
ان الديمقراطية ناصريا . ضرورة انسانية وضرورة اجتماعية لبناء المجتمع الاشتراكي . ومن هذا الفهم للديمقراطية حددت موقفها من دور الفرد في المجتمع . من خلال نتاج شروط موضوعية نضالية واجتماعية تتلاقى مع الامكانيات الذاتية لذلك الزعيم . ويبقى هو أيضاً أسير إمكانات المجتمع وطاقاته فالأصل دائماً الجماهير والقوى العاملة " الشعب المعلم " وامكانات الفرد المبرز بأعلى صورها كصورة الزعيم ، ليست شيئاً خارجاً عن تلك الشروط الموضوعية ، وليس بإمكانه ان ينتج أكثر مما تتيحه امكانات الجماهير وقدراتها وفق نسق فعال يعمل على استخلاصه .
3- أكدت الناصرية على بناء المجتمع الاشتراكي العلمي حيث ينتفي الاستغلال المادي المتمثل باستخدام عمل الآخرين حيث يتمكن المجتمع من اطلاق امكاناته الانتاجية المادية والفكرية دون أية معوقات... والاشتراكية في هذا الفهم ليست رداً على أوضاع التخلف التي تعيشها أمتنا العربية فحسب وإنما هي أصلاً وليدة فهم لحتمية تطور المجتمعات المتقدم منها والمتخلف نحو الاشتراكية . ان السير نحو الاشتراكية حتمية لا بد أن تتقدم اليها كل المجتمعات الانسانية .
4- حددت الناصرية موقفها الثوري من واقع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني للأقليم العربي الفلسطيني من خلال منظارها القومي الاشتراكي حين حددت ضرورة النضال من أجل استعادة فلسطين وتحريرها من ذلك الوجود الصهيوني من جهة وغعادتها إلى جسم المة العربية من جهة أخرى .
ان النضال الناصري تجاه فلسطين يجب ان يستجمع طرفي الحقيقة . فلسطين محررة ، وفلسطين اقليم عربي . والكفاح المسلح الذي تخوضه جماهير أمتنا العربية بمختلف تشكيلاتها العسكرية والمدنية كفيلا بأن يرسم الحلول الموضوعية لكل ما زرعه هذا الوجود الصهيوني من مشاكل وازمات . ودون الأخذ بهذا المنظار فإن المشوار لتحرير فلسطين يبقى مشواراً متعثراً . متقطعاً لايبدأ حتى ينهار .
والناصرية وهي تحدد موقفها من هذه القضية المركزية فإنها تنطلق من فهم دقيق لمكانة ودور هذا الوجود العنصري في تثبيت التجزئة ، ومنع الأمة العربية من تحقيق وحدتها ، واقامة دولتها، وممارستها لدورها التاريخي في تدعيم قيم الحق والعدل في عالم اليوم .
إن عناصر القوة العربية المتمثلة بالموقع الاستراتيجي والثروات الطائلة والأصالة الروحية والتاريخية . وقدرة الفعل العربية في المحيط الانساني حين استكمال العدل والتحرر والتعاون . هذه العناصر هي ما اخافت المفكرين الاستعماريين ودفعت بهم لاستغلال الاسطورة اليهودية . من أجل خلق الكيان الصهيوني القادر على امتصاص عناصر القوة هذه . لاعادة صياغتها حول هذا الكيان ، ووفق المفاهيم والغايات الامبريالية . ومن هنا فإن الشعار الدائم الذي لايجوز التغاضي حول أي من معانيه هو "النضال الدؤوب لازالة هذا الكيان العنصري " .
5- وحددت الناصرية فهمها لقضية الوحدة العربية وبناء المجتمع الاشتراكي العربي ، باعتبار هذه المسألة من أهم المسائل المركزية لها.. بل هي أرجعت فشل العديد من الثورات والانتفاضات الشعبية الى افتقار قيادات تلك المراحل الى هذا البعد .
ان البعد القومي "الأيمان بالقومية العربية والنضال من أجل الوحدة العربية " ليس استرجاعاً لوضع تاريخي كانت تعيشه الامة العربية فحسب . وليست أملاً في تحقيق تقدم ثوري فعال على الأرض العربية. وإنما هو فوق ذلك توافق مع حتمية تطور المجتمعات الانسانية حيث الاتجاه الواضح . ان بناء المجتمعات الانسانية على أساس القوميات الاشتراكية هو أعلى ما وصل اليه الفكر الانساني الثوري والحر.
ان الفهم الناصري للقضية القومية يجمع البعد التاريخي بالبعد المستقبلي وفق فهم علمي ، لمنهج تطور المجتمعات الانسانية . ومن هنا . فإن من يؤمن بالاشتراكية إيماناً حقيقياً وعلمياً ، ومن يؤمن بالديمقراطية كحاجة انسانية وضرورة تقدمية لا بد أن يؤمن بالقومية العربية والوحدة العربية باعتبارها الاطار الوحيد لتحقيق بناء اشتراكي فعال . وعليه فان النضال العربي لا يجوز أن يقع اسير الظروف المتغيرة في الواقع العربي- ولا أسير المواقف والآراء المتناقضة التي تميز الحركة السياسية العامة في الاقاليم العربية.
ان الناصرية حين لحظت مظاهر التوجه الوحدوي التي تبدو عند بعض القوى الرجعية وفي مراحل محددة فإنها بذلك لم ترفض امكانية قيام وحدة تحت لواء برجوازي ، و إنما أشارت الى استحالة تحقيق ذلك ، بعد تحلبل علمي لحقيقة التحالف الرجعي للرأسمالية والاقطاع . ان الوحدة ضرورة تحت أي لواء ، لكن القوى الشعبية هي وحدها القادرة على تحقيق هذا التطلع الثوري الحقيقي .
6- وللناصرية موقفها المميز من التراث والدين . حيث الموقف الثوري الايجابي الفعال فللتراث جانبين إيجابي وسلبي . وإذا كان دور المناضل الثوري أن يقاوم الجوانب السلبية في التراث ، فإن دوره الفعال يكون في استيعاب وتمثل الجانب الايجابي فيه وما أكثرها في تراثنا العربي . إن الوقوف موقفاً سلبياً من التراث يؤدي إلى حالة الانعزال والتقوقع كما يفقد المناضل سلاحاً فعالاً في بناء مجتمع المستقبل . مجتمع الكفاية والعدل . وإذا كان الكثير من التيارات السياسية في الوطن العربي قد تميز موقفها من التراث بالسلبية الكاملة تحت دعاوى التقدمية أو العصرية ، فإن ذلك في حقيقته مؤشر على سطحية هذه التيارات ، لأنها تمثل حالة هروب كاملة عن المجتمع . كذلك نفسر به ضعف هذه التيارات على التأثير والتجذر في القوى الشعبية التي تدعي تمثيلها .
أما الموقف من الدين، فهو موقف دقيق ، شامل حين فرقت بين الاديان كرسالات سماوية في جوهرها وتعبير عن ثورات انسانية استهدفت شرف الانسان وغايته وجاءت لتنشر قيم الحق والخير والسعادة والعدل . وبين الفكر الديني باعتباره نتاج الفهم الاجتماعي للدين يتأثر بكل ما تتأثر به الأفكار الاجتماعية من مواقف مسبـقة . ومصالح اقتصادية ومادية ، وقد تميز الموقف الناصري من الدين بأربع مزايا أساسية :
1- المزية الأولى : الاقتناع برسالات السماء باعتبارها كلها في جوهرها ثورات انسانية استهدفت شرف الانسان وسعادته. وإنها لا تتصادم مع حقائق الحياة . فهي ذات رسالة تقدمية مستمرة ، وانها تمد للانسان بالهداية وتعبيء حياته بنور الايمان . وتمنحه طاقات لا حدود لها من أجل الخير والحق والمحبة.
2- المزية الثالية : الاقتناع بضرورة التمسك والدفاع عن حرية العقيدة الدينية . وان يرقى هذا التمسك والاقتناع الى القدسية . فحرية العقيدة الدينية تعني تكريم العقل البشري حين تسند له وحده تقرير اتجاهه الديني . وتعني أيضاً الموقف الشمولي من تلك الرسالات حيث كلها في جوهرها من مصدر واحد وتبغي حقيقة واحدة . وتعني أخيراً الايمان بثورية هذه الرسالات وتقدميتها المستمرة حيث قدرتها التي لا تنضب على دفع الانسان نحو الحياة الجديدة المبتغاة .
3- المزية الثالثة : التفريق بين جوهر رسالات السماء التقدمية دائما وبين محاولات الفكر الرجعي استغلال الدين ضد طبيعته وروحه لعرقلة العملية الثورية في المجتمع وذلك حين تفتعل تفسيرات له تتناقض وحكمته الالهية السامية بغرض المحافظة على مصالحها واستمرار احتكارها لخيرات الأرض واستغلالها لجهد الانسان وعرقه .
4- المزية الرابعة : تحديد دور المفكرين الدينيين ، بأن يضعوا جهدهم ومعرفتهم حتى يحفظ لهذا الدين جوهره. وحتى يدفعوا به ومن خلاله لاداء دورهم الثوري في قلب مفاهيم المجتمع والدفع بالأجيال المستمرة نحو تفهم عميق وثوري لمكانة رسالات السماء ولدورها على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة. على مستوى العلوم والأفكار. وعلى مستوى السلوك والأخلاقيات.
ومن هنا فإن المناهج والمواقف الطائفية والرجعية والالحادية ليس لها في الناصرية مكاناً
7- الأخذ بالمنهج الثوري في تغيير المجتمع :
و يقابل هذا المنهح الاصلاحي في التغيير المعتمد على أحداث تغييرات كمية جزئية في ظل المجتمع القديم . وبالتعاون مع قوى المجتمع بهدف تراكم تلك التغييرات حتى يصل الجميع الى الاقتناع بضرورة احداث التغيير الجذري .
ورفض الناصرية لهذا الطريق مرده الى منهجها في تحليل المجتمع . وعلاقاته وقواه وطبقاته . فهي حين إستخلصت المنهج العلمي في التحليل . وطبقته على الواقع العربي كشف عن عجر الطبقات الرجعية الممثلة بتحالف الأقطاع مع الرأسمالية والممثلة أيضا بمظاهر ذلك التحالف وتفريخاته حيث الطائفية والاقليمية والعشائرية وعن تحقيق أي من أهداف المجتمع التقدمية . بل هي تمارس عملية تخريب واهية وواضحة لكل عوامل القوة والبناء في الراقع العربي . والمنهج الثوري في التغيير منهج شامل . ومنهج محدد. فقوى التغيير وتشكيلاتها واضحة ، ومن طفولية التفكير الاعتقاد بأن هذا المنهج يفترض تحريك بعض قوى المجتمع الثورية والاعراض عن بعضها الاخر. فتنظيم الجماهير وتسليحها وتنظيم القوات المسلحة وتسيسها . وقلب مفاهيم المجتمع وتثويرها ، والاستدلال إلى الظروف التاريخية للحركة وباستغلالها بأحسن طرق الاستغلال كلها طرق تشكل صلب هذا المنهج .
ثالثاً : والناصري حقاً هو من يفهم دور مصر في حركة الثورة العربية . ويقدره حق قدره. ويدفع بها حتى تمارس هذا الدور. ولقد شهدنا الكثير من التيارات والأحزاب تتقوى بضعف مصر، وتتفاءل بانهيارها. تحت أحلام بناء الذات واختراق هذا الوجود المركزي . أو تحت دعاوى تاريخية زائفة على امكانية الاستعاضة عن دورها باقاليم أخرى . وحين يؤكد الناصري على دور مصر. يفهم هذا الدور في دفع حركة الثورة الى الامام حتى تتمكن الطلائع الثورية من مسك زمام السلطة فيها ، وتمارس أسلوبها في التغيير الثوري ، فيندفع معها حفاظا عليها ، وحماية لوجودها ، وكسبا للفرصة التاريخية لاحداث التغيير المنشود بالوحدة والبناء الاشتراكي والتحرير. كذلك يفهم هذا الدور حين تقع مصر تحت سيطرة القوى المعادية وتهزم قوى الثورة على الساحة المصرية حتى يستلم زمام المبادرة، ويشاركها ويلتف أكثر حول جماهير شعبنا العربي المصري في نضاله ويدفع بدوره وبحركته نحو النصر.
ان مصر قوية. قوة للنضال العربي كله. فالناصري يتقوى بها ويقويها يحتمي بها ويحميها.
ومصر ضعيفة. ضعف للنضال العربي كله. والناصري يندفع إليها يقوي قوى الثورة فيها . يدعمها ، يناضل معها حتى يتحقق النصر مجدداً .
وهنا معنى مركزية مصر في النضال العربي كما يفهمه الناصري ، فنحن في غنى عن بحث لم كانت مصر مركزية في النضال ؟ ولم تأثر النضال العربي شديد فيها مهزومة كانت أم سباقة ؟ فالتاريخ، والجغرافيا، وعلم التوزيع السكاني وأثره وتاريخ الحضارات، وتاريخنا العربي كله، يعطي اجابات شافية لمن يطرح هذه الأسئلة صادقاً باحثاً ، أما من كان همه أن يتقوى بضعف مصر، فان كل الدلائل الناتجة عن تلك الابحاث لا تهمه بشيء.
ومركزية مصر في النضال العربي لايعني الاقلال من أثر الاقاليم الاخرى في الهزيمة والنصر ،في الدفع بالثورة ،أوالشد بها إلى الخلف .لكن تأكيدنا هذا يأتي لتحقيق فهم علمي لأسلوب الحركة ،وتحديد دقيق لأولويات الجهد وتسليط ضوء ساطع على معيار من أهم معايير الفرز بين القومي التقدمي الصادق ،وبين قوى التخلف العربي المختفية تحت لواءات تقدمية .
رابعاً : ويتميز الناصري بكونه يمتلك موقعاً قومياً ثابتاً يجسده حين يعالج قضايا أساسية في الواقع العربي . من هذه القضايا .
- قضايا النضال القومية المركزية : كقضايا التراب الوطني العربي . في فلسطين وعربستان واوغادين واريتريا ، والاجزاء السورية المحتلة من قبل تركيا والموقف من قضايا التجزئة ، وخلق كيانات انفصالية جديدة تحت دعاوى حق تقرير المصير ، كالصحراء الغربية ، ومسألة الاستراتيجية والتكتيك على مستوى السياسة الخارجية وتحديد معسكر الاصدقاء والاعداء وغير ذلك مما يدخل تحت هذا العنوان العريض .
- قضية الثروة القومية والاستثنائية خصوصاً واشكال تبديدها . وطرق التعامل معها ، وما تخلق هذه بنتيجة ممارسة السلطات الاقليمية والاتجاهات الرجعية من مظاهر تدعيم أوضاع التخلف والتبعية بعد أن تغطيها بمظاهر التنمية الاستعارية المشوهة وابرز مثال على ذلك ، الموقف من البترول العربي ، وطرق استغلاله.
- قضية العمالة العربية : وهي مسألة استتبعت ظهور تلك الثورات من جهة والتعامل الاقليمي الرجعي معها من جهة أخرى .
- ان دخول الاقاليم العربية في تقسيم جديد . بين إقاليم غنية خاضعة لسيطرة قوى وحكومات اقليمية ورجعية تفتقر الى مختلف إلامكانات الأخرى وفي مقدمتها الامكانات البشرية. وبين اقاليم فقيرة تمكن الفقر منها لعوامل مصطنعة ولدتها حواجز التجزئة وممارسات السلطات المتميزة بالديكتاتورية وبالطبقية الطفيلية.
- قضية نضال القوى الشعبية على الساحة العربية ضد مختلف مظاهر الاستسلام والافقار والديكتاتورية. الموقف القومي الثابت ينطلق ناصرياً من اعتبار الساحة العربية ساحة واحدة ، والشعب العربي شعب واحد، والثروة العربية كلها لهذا الشعب كله يجب ان تتوجه لتنمية هذه الامة وللدفع بالقوى الشعبية المناضلة لتحقيق النصر ولتجاوز الثغرات والمصاعب التي تقيمها انظمة الحكم المختلفة ، وبالتالي فالناصري حقاً هو من يجسد هذا الموقف في نضاله وفي سلوكه وفي تفكيره ونحن إذ نؤكد على هذه المباني فلأننا نرى مظاهر متعددة من التفريط في قضايا النضال المركزية بدءاً بفلسطين وانتهاء بالصحراء الغربية وأوغادين ، والاندفاع نحو تبديد الثروات القومية من اعتبار انها ثروات اقليمية ليس للشعب العربي حق فيها. وحتى في الاقليم ذاته هي حق للطبقات الحاكمة فقط . كذلك نلحظ كيف تعامل اليد العاملة العربية كيد أجنبية رخيصة ومهانة . في حين تعامل اليد الأجنبية فعلأ معاملة كريمة وسخية. ونحن هنا لا نتوقع ولا ننتظر ان تتعامل الأنظمة الرجعية والاقليمية مع تلك القضايا المركزية القومية ومع الثروات العربية ومع العمالة العربية تعاملاً قومياً . فهذا مناقض لطبيعتها ولتوجهاتها لكننا نشدد على اعتبار هذه معايير من جملة المعاير التي تفرق الناصري عن سواه . ولقد شهدنا في المرحلة التي أعقبت غياب القائد المعلم انتفاضات شعبية خرجت فيها الجماهير العربية تقاوم وترفض أوضاع ومواقف متخلفة وتابعة واستسلامية ولا حظنا أيضاً كيف تغاضت كثير من القوى التي تدعي السلوك القومي عن هذه التحركات أما بتشويه حقيقتها كما حدث إزاء الانتفاضة الشعبية في مصر يومي 18- 19 يناير او بالتجاهل التام لها وبالصمت كما حدث لمحاولة التغيير التي شارك بها الناصريون الثوريون في اليمن ، والأمثلة عديدة في هذا المجال .
إن تأييد هذه التحركات والاندفاع معها واظهار حقيقتها ودعم قواها مادياً ومعنوياً ومناصرتها في تحركاتها واجب قومي ، ودليل صادق على السلوك القومي المفترض .
خامساً : تحديد الموقف الثوري الحركي من المرحلة التي قادها المعلم جمال عبد الناصر باعتبارها تجربة لكل مناضل ثوري .
والموقف من التجربة لا يستدعي التصديق على كل ما جاء فيها فذلك ما رفضه جمال عبد الناصر وشدد على رفضه إذ لابد للمناضل أن يرى الثغرات فيتعلم منها ويتجاوزها ، ويرى الايجابيات فيتمثلها ويراكمها ، ويستفيد منها الاستفادة المثلى .
إن مزية الناصرية ان التجربة أفرزت الرؤية الثورية الشاملة للمجتمع ، والتحليل العلمي لقواه ولطرق التنفيذ .
ان ما نعتبره مقياساً لناصرية الفرد . والاتجاه ، والتنظيم ، هو الموقف الايجابي الثوري من التجربة الناصرية ليس باعتبارها تجربة على أرض مصر . وإنما باعتبارها تجربة الثورة العربية خلال عقدين من الزمن .
سادساً : ويبقى معيار أخير لازم في التعرف على الناصري فرداً كان أم تنظيما ، هو معيار السلوك العام والخاص، ومعيار السلوك له اهمية خاصة بعد أن تفشت في المجتمع العربي أمراض عديدة وخطيرة ليس أقلها على المستوى الفردي، الرشوة، والكذب، والانتهازية ، والذاتية والديكتاتورية ، وليس أقلها على مستوى الجماعي ، الأخذ بالمبدأ الميكافيلي حيث لا ترابط بين الوسيلة والهدف ، وحيث المناداة بالمجتمع الجديد الثوري الاشتراكي الديمقراطي ، والممارسة ضمن التنظيم كلها في إتجاه ديكتاتوري ارهابي من جهة واصلاحي من جهة أخرى .
هذه معايير ستة يقتضي أن تتوفر بالناصري . الناصري الفرد . والناصري الحزب وحين تتوافر تكون القاعدة الموضوعية لتحول هذا وذاك الى ممارسة دور الطليعي عبر نضال طلائعنا واكتسابهم لهذه القدرات .
الناصرية حركة ابداع وتجدد
لقد رفض عبد الناصر اخضاع النضال السياسي للمذاهب الشمولية ، التي تدعي انها تملك الحقائق المطلقة والنهائية والجاهزة لكل اشكاليات الواقع المتجددة ورأى فيها جموداً يمنع الابتكار والتجديد . وقدمت له تجارب الشعوب دلائل متجددة عن فشل كل الصيغ المذهبية . لقد اضطرت الشعوب التي وقعت في إسار المذهبيات الاجتماعية للخروج من هذا الاسار . وكان الخروج عنيفاً ومتمرداً في بعض الأحيان وهادئاً ومنظراً في احيان اخرى . ولكنه في كلا الحالتين خروج عن قيود " الحقائق المطلقة والوصفات الجاهزة " التي قدمتها تلك النظريات الاجتماعية المذهبية . لقد تحولت ماركسية / ماركس إلى عشرات الماركسيات وكانت المجتمعات التي تبنت الماركسية تضطر في كل لحظة انعطاف وامام كل اشكالية أن تبتدع حلولاً تتلاءم مع واقعها وتدخلها في تركيبتها النظرية مطورة في نظرتها المذهبية إلى الدرجة التي بدأت تفقد كل تلك الحتميات المطلقة والشاملة معناها ، لقد دفعت جدلية الصراع في دول اوربة الغربية معظم احزابها الشيوعية لتتبنى منهج التحالف التاريخي وللتخلي عن دعوتها لديكتاتورية البروليتاريا . وهي مسألة أساسية عند المذهبية الماركسية . ولم يقتصر هذا النزوع على أوربة بل تعداه إلى العديد من دول العالم التي اضطر بعض ماركسيوها للتفاعل مع رجال الدين وطرح نوعاً من الماركسية التي تستند إلى رجال الكنيسة التقدميين . وفي الوطن العربي شهدنا عملية تطور جزئي ولكنه يعبر عن أزمة المذهبية في العمق وذلك عندما تبنت العديد منالفصائل الماركسية المسألة القومية وادرجتها ليس فقط في مشاريعها السياسية بل في مقولاتها الفكرية أيضاً .
ومع رفض عبد الناصر لهذه المذهبية الشمولية . لم يعد من الجائز محاسبة الناصرية ومنهجها على قاعدة المذهبية ولم يعد من المقبول قياس قصورها أو ثرائها وفق ذلك المقياس . لأنه مقياس اعلنت صراحة رفضها واستبعادها له . وعندما يريد البعض أن يدرس الناصرية يجب أن يمسك بهذه المسألة بوضوح حتى يكون حكمه متفقاً مع المنهجية التي أرادت أن تضع نفسها فيها . فالناصرية هي حركة الثورة العربية ليس باعتبارها " نظرية جامدة " وإنما من حيث قدرتها على الامساك بالمسائل الحيوية لأهداف النضال العربي الحديث والتي تحددت بشعار الحرية والاشتراكية والوحدة . وبناء المشروع الحضاري العربي المستقل .
وهي بتحررها من قيود المذهبية الجامدة تملك كل مقومات الاستمرار والتجدد ولكنه تجدد وفق منهجها الذي رسم حركتها وكرسته في وثائقها ، ووفق اسلوبها . هذه القدرة على التجدد والابداع هي التي تؤهلها لتكون حركة المستقبل .
ان المذهبية في العمل السياسي و الفكري هي نقيض لجدلية التطور التي تقوم عليها تلك النظريات المذهبية ذاتها فهي تعتبر الامساك بها نهاية المطاف وختام الطريق ، بينما حركة التطور لا تقف عند حد ، منذ ان خلق الله الكون وإلى ان يقضي حكمه بانهاء هذا الكون . والتحرر منها ليس قصوراً في النظرية وفي المنهج وإنما هو وضع للنظرية في مكانها الصحيح وفي حجمها الطبيعي .
فالمنهج الناصري في تحليل المجتمع ودفعه للتطور كان واضحاً لعبد الناصر وهو يقود النضال الوطني والاجتماعي واستطاع به عبد الناصر أن ينتقل من المباديء الستة التي رفعتها ثورة 23 يوليو إلى تلك المعركة الشاملة المتداخلة والمتشابكة ، معركة التحرر الوطني القومي الاجتماعي .
والنظرية الناصرية ... نظرية الثورة العربية المعاصرة يمكن صياغتها على ضوء مستجدات المرحلة التي تمر بها أمتنا وعلى أسس المنهج العلمي الذي اعتمده جمال عبد الناصر ، ولكن ذلك يقتضي جهداً حقيقياً على ثلاثة محاور .
المحور الأول : فهم منهج عبد الناصر وهو منهج علمي تاريخي حيث التجربة فيه هي شكل الككارسة الواعية .
المحور الثاني : فهم نظرية عبد الناصر من خلال الوثائق النظرية التي طرحها ، تلك النظرية اللامذهبية والتي اعتمدت في جوانبها الفلسفية على القيم الروحية الخالدة ، وعلى النظرة التاريخية في دراسة حركة تطور المجتمع وفهم دقيق للواقع المعاش بأبعاده المختلفة .
المحور الثالث : استخلاص المباديء الأساسية للنضال ودفع حركة التطور والعمل وفقها مع دراسة معمقة للمواقف التكتيكية والمسائل الاستراتيجية التي وقفها ومارسها عبد الناصر ، لأنها من حيث النتيجة المحصلة التطبيقية للنظرية الناصرية .
وتلك مهمة المفكرين والقادة الناصريين الذين يقودون النضال السياسي للتيار الناصري اليوم .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر